السودان.. المأساة المنسية!

د. جاسم الشمري

11 ديسمبر 2025

809

يمتاز الشعب السوداني الشقيق بالكثير من المزايا الأخلاقية والإنسانية والثقافية والتراثية التي جعلتهم مضرب الأمثال في الكرم والصدق والوفاء والأدب والعلاقات الإنسانية.

ورغم هذه الصفات النبيلة، كانت السياسة الشريرة والمناصب من أسباب الأسى والألم للشعب السوداني، أدخلتهم في دوامات مليئة بالدم والرعب والخوف والتهجير.

وعلاقة السودان بالمآسي ليست وليدة اليوم، بل هنالك سجل حافل بالمصائب التي أرهقت السودان وأهلها.

وكلامنا لن نتطرق فيه للأوبئة الفتاكة منذ بداية القرن التاسع عشر، ولا المجاعات المهلكة التي أهلكت الناس والدواب، ولكن نتطرق لأبرز الأحداث البشرية التي أهلكت الأبرياء بحروب لغايات شخصية وليس لمصلحة السودان.

حروب أهلية

عانى السودان من الحرب الأهلية الأولى (1955 ـ 1972م)، وخلفت نحو نصف مليون قتيل ونزوح مئات الآلاف من جنوب البلاد.

ولاحقاً وقعت الحرب الأهلية الثانية (1983 – 2005م) التي خلفت قرابة مليوني قتيل وعددًا هائلًا من المهجّرين.

ثم حرب دارفور (2003م – اليوم) التي قُتل خلالها ما بين 200 – 300 ألف شخص، ونزح الملايين، ثم حصل انفصال جنوب السودان (2011م)، وكان حدثاً اقتصادياً أكثر منه سياسياً، حيث فقدت الدولة السودانية 70% من عائداتها النفطية.

وأخيراً وقعت الحرب الدموية بين الجيش وقوات «الدعم السريع» (2023م – اليوم) وهي واحدة من أكبر المآسي في تاريخ السودان كله.

والحرب الأخيرة امتدت لغالبية الولايات السودانية وقادت لأكبر أزمة نزوح في العالم بأكثر من 8 ملايين نازح ولاجئ، وتدمير البنى التحتية وضياع الأمن الغذائي.

وذكرت وكالة «رويترز» أن التوترات تصاعدت على مدى أشهر قبل اندلاع القتال بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع»، في الخرطوم، يوم 15 أبريل 2023م.

وكانت الشراكة بين الجيش وقوات «الدعم السريع» هشة بعد الإطاحة بحكومة مدنية في أكتوبر 2021م، وهي الخطوة التي عرقلت انتقال السلطة من حكم عمر البشير الذي أطيح به في عام 2019م.

وبلغ الخلاف ذروته بسبب خطة مدعومة دولياً لإطلاق فترة انتقالية جديدة مع القوى المدنية، وكان الأمر يتطلب من كل من الجيش وقوات «الدعم السريع» التنازل عن السلطة بموجب الخطة، وظهر الخلاف بشأن مسألتين على وجه الخصوص؛ الأولى: الجدول الزمني لدمج «الدعم السريع» في صفوف الجيش، والثانية هي تسلسل القيادة بين الجيش وقادة قوات «الدعم السريع» ومسألة الإشراف المدني، وكذلك التنافس على مصالح تجارية مترامية الأطراف سعى كل طرف إلى حمايتها.

وهكذا كانت شرارة المواجهات الدموية الحالية.

واستضافت جمعية الدراسات الإستراتيجية الأفريقية (ASAD)، في 6 ديسمبر 2025م، النسخة الثالثة من منتدى الخرطوم تحت عنوان «تعقيدات حرب السودان ومسارات الحل»، وذلك بمدينة إسطنبول التركية.

دعم دولي

وأكد دِرديري محمد أحمد، وزير الخارجية الأسبق في عهد الرئيس البشير، أن ما يجري في السودان ليس حربًا أهلية، بل عملية عسكرية أطلقتها أطراف خارجية، بينها الكيان الصهيوني والولايات المتحدة ودول غربية، بهدف تنفيذ خططها في البلاد بصورة أوسع.

وبيّن اللواء السوداني حنفي عبدالله، مدير مركز الدراسات الدولية، أن قوات «الدعم السريع» تشهد انهيارًا كبيرًا رغم الدعم الخارجي، في الوقت الذي يواصل فيه الجيش تقدمه السريع.

إن الحرب المستمرة في السودان جعلت أكثر من 30 مليون سوداني في أوضاع إنسانية مربكة، وهم بحاجة إلى مساعدات إنسانية عاجلة.

وخلال المرحلة الماضية، كانت مدينة الفاشر في إقليم دارفور ساحة لجرائم بشعة لا يمكن وصفها لأنها فوق الخيال.

وقالت صحيفة «غارديان»، في 6 ديسمبر الجاري: إن مدينة الفاشر تعيش واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في تاريخ الحرب السودانية، حيث يعتقد أن ما يصل إلى 150 ألفاً من سكانها فُقِدوا منذ سقوطها في أيدي قوات «الدعم السريع»، منذ 6 أسابيع، عقب حصار تجويعي دام 500 يوم، في وقت تعمل فيه القوات على إخفاء الأدلة المتعلقة بحجم المجزرة التي ارتكبتها، كما تقول الصحيفة البريطانية.

وأوضحت «الغارديان» أن صور أقمار صناعية حديثة كشفت عن انتشار عشرات الأكوام من الجثث في شوارع عاصمة شمال دارفور التي تحولت إلى مسرح جريمة واسع، ومسلخ بشري.

مسؤولية إنسانية

وهكذا تستمر المأساة السودانية، ولهذا يفترض بالدول العربية والإسلامية، قبل المجتمع الدولي، العمل على إنهاء مأساة السودان المنسية والعمل لإرساء السلام بالأسلوب الذي يضمن العيش المشترك والحياة الحرة الكريمة لجميع المواطنين.

إن العالم أجمع أمام مسؤولية إنسانية وأخلاقية كبيرة، للمساعدة في وقف نزيف الدم السوداني الذي يسيل بصمت وهدوء دون أن ينتبه إليه غالبية دول العالم.

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة