نساء في ذاكرة الرسالة (8)

السيدة أم حبيبة بنت أبي سفيان.. في خضمّ الحزن أشرقت الشمس (2 - 2)

مصطفى المكبر

08 أكتوبر 2026

41

يتضمن التصميم شعاراً دافئاً يحمل اسم أم المؤمنين أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان رضي الله عنها، وبجانبه صورة الكاتب مصطفى المكبر.

نقضت قريش عهد «الحديبية»، وحدَّست السيدة أم حبيبة بنت أبي سفيان بما ستدور به الأحداث، لما تُدْرِكه من خيانة قريش، وطبيعة النبي صلى الله عليه وسلم التي لا تدعه يترك أمرًا يتهدد رسالة الله بالخطر دون أن يسعى لمواجهته سعيًا سريعًا.

ولاحت في الأفق نُذُر الحرب، وراعها أن يدخل أبوها عليها يومًا دارها بالمدينة، حيث أوفدته قريش رسولًا منها ليفاوض النبي صلى الله عليه وسلم في تجديد الهدنة ومد أجلها عشر سنين، وربما كان خبره بالمدينة قد سبقه إليها، وعلمت أنه كلّم النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجبه إلى شيء، فودَّ أن يستشفع عنده بأبي بكر، ولكن أبا بكر رفض أن يشفع له، فكلَّم عمر فردَّ عليه في لهجة حادة صريحة: أن أشفع لكم إلى رسول الله؟ فوالله لو لم أجد إلا الذر(1) لجاهدتكم به!

فانطلق إلى عليّ بن أبي طالب وعنده فاطمة الزهراء وولدهما الحسن يدبُّ بين يديها، فقال: يا عليّ، إنك أمس القوم بي رحمًا، وإني قد جئتك في حاجة، فاشفع لي إلى محمد، فقال عليّ: ويحك يا أبا سفيان، والله لقد عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه، فحدَّث أبو سفيان السيدة فاطمة وعيناه على ولدها الحسن: يا ابنة محمد، هل لكِ أن تأمري بُنَيَّكِ هذا فيجير بين الناس، فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر؟ فقالت: والله ما بلغ بُنيّ ذاك أن يجير بين الناس، وما يجير على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد!

شعر أبو سفيان أنه بذل ما في وسعه، وبذل معه ماء وجهه، فالتمس النصيحة من عليّ، الذي قال له: والله ما أعلم شيئًا يُغني عنك شيئًا، لكنك سيد بني كنانة فقم فأجر بين الناس، ثم الحق بأرضك، وما أظن ذلك مُغْنيًا ولكني لا أجد لك غيره، فخرج أبو سفيان إلى دار ابنته، وهناك كان في انتظاره ما زاده قهرًا على قهره.

السيدة أم حبيبة بنت أبي سفيان

قال الزهري: لما قَدِم أبو سفيان المدينة والنبي صلى الله عليه وسلم يريد غزو مكة، كلمه في أن يزيد في الهدنة، فلم يُقْبَل منه، فقام فدخل على ابنته أم حبيبة، فلما ذهب ليجلس على فراش النبي صلى الله عليه وسلم طوته دونه، فقال: يا بُنيّة، أرَغِبْتِ بهذا الفراش عني أم بي عنه؟ فقالت: بل هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت امرؤ نجس مشرك، فقال: يا بُنيّة، لقد أصابكِ بعدي شر، ثم خرج إلى المسجد -تنفيذًا لوصيّة عليّ- وأعلن أنه أجار بين الناس، ثم انطلق براحلته يعدو صوب مكة(2).

ورأت السيدة زوجها النبي صلى الله عليه وسلم وقد اتخذ لَأمْتَهُ(3) تأهبًا لمعركة فاصلة ويمم بجيشه صوب مكة، فلاذت بالله في إلحاح متشبثة بأمنيتين؛ أن ينصر الله زوجها، وأن يهدي أباها إلى الإسلام، وأجابها عز وجل إلى الأمنيتين؛ فنصر الزوج، وهدى الأب إلى الإسلام، فكان لها في الخبر نعم الخلاص من القلق الذي شاع في نفسها طويلًا، وبين يديّ الأمنيتين الأسيرتين في نفسها تسامعت بما دار من أحداث.

رأت قريش نيران الجيش الميمون تتوهج على مشارفها فوق مساحة واسعة من البطحاء، فخرج أبو سفيان ليستطلع الأمر، ولما نزل المسلمون بمر الظهران ركب العباس بن عبدالمطلب بغلة النبي صلى الله عليه وسلم، وخرج يلتمس لعله يجد أحدًا يُخْبِر قريشًا ليخرجوا فيستأمنوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يدهمَهم، وكان الله قد أعمى الأخبار عنهم فهم على وجل وترقب، وكان أبو سفيان قد خرج يتحسس الأخبار مع حكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء.

إسلام أبي سفيان وفتح مكة

قال العباس رضي الله عنه: والله إني لأسير -أي على بغلة النبي صلى الله عليه وسلم- إذ سمعت كلام أبي سفيان، وبديل بن ورقاء، وهما يتراجعان، وأبو سفيان يقول: ما رأيت كالليلة نيرانًا قط ولا عسكرًا، فقال بديل: هذه والله خزاعة خمشتها الحرب(4)، فقال أبو سفيان: خزاعة أقل وأذل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها، فعرفت صوته، فقلت: أبا حنظلة؟ فعرف صوتي، فقال: أبا الفضل؟ قلت: نعم، قال: ما لكَ، فداك أبي وأمي؟ قلت: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس، واصَبَاحَ قريش والله!

قال: فما الحيلة فداك أبي وأمي؟ قلت: والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فاركب في عجز هذه البغلة، حتى آتي بك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمنه لك، فركب خلفي، ورجع صاحباه، فجئت به، فكلما مررت به على نار من نيران المسلمين، قالوا: من هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عليها، قالوا: عم رسول الله على بغلته، حتى مررت بنار عمر بن الخطاب، فقال: من هذا؟ وقام إليّ، فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة، قال: أبو سفيان عدو الله، الحمد لله الذي أمكن منك من غير عقد ولا عهد.

ثم خرج يشتدُّ نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وركضت البغلة فسبقت، فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل عليه عمر، فقال: يا رسول الله، هذا أبو سفيان فدعني أضرب عنقه، قلت: يا رسول الله، إني قد أجرته، ثم جلست إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت برأسه، فقلت: والله لا يناجيه الليلة أحد دوني.

فلما أكثر عمر في شأنه، قلت: مهلًا يا عمر، فوالله لو كان من رجال بني عديّ بن كعب ما قلت هذا، فقال: مهلًا يا عباس، فوالله لإسلامك كان أحبَّ إليَّ من إسلام الخطاب لو أسلم، وما بي إلا قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اذهب به يا عباس إلى رحلك، فإذا أصبحت فأتني به».

فذهبت، فلما أصبحت غدوت به على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآه قال: «ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟»، قال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى عني شيئًا بعد.

قال صلى الله عليه وسلم: «ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟»، قال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، أما هذه فإن في النفس حتى الآن منها شيئًا(5).

لبث أبو سفيان مَلِيِّا يتدبَّرُ ما رأى وما سمع من آيات النبي صلى الله عليه وسلم ومعجزاته، ويَقْلِبه ظهرًا لِبطنٍ فخامر نور الإسلام شغاف قلبه، وأشرق يقينه في صدره، فَهَوَى الماضي وأعلن الحاضر عن نفسه وشهد أبو سفيان بشهادة الحق، والتمس العباس من النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا يُنْزِل أبا سفيان منزلته في قريش، فقال صلى الله عليه وسلم: «نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن»(6).

ونودي في مكة: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن مكة إلى المدينة تطايرت أصداء النداء عطرة نديَّة، وراحت تحنو على السيدة، وترفع عن كاهلها الرقيق ثقلًا من ألم نفسي رزحت تحت عبئه سنين عددًا، وبقيت هي تسترجع أصداء النداء، وتستدر منها الراحة كلما أعوزتها.

رسائل وإرث أمهات المؤمنين

وفي ربيعٍ لم يزهر إلا ليذبل، في السنة الحادية عشرة للهجرة، اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم المرض، ثم صعد إلى الرفيق الأعلى، وانطفأ سراجُ الدنيا وأظلمت آفاقها، فخيّم الظلام الحزين على حياة السيدة أم حبيبة حتى فارقت روحها جسدها الزكيّ.

نعم، شعرت السيدة أم حبيبة بمرارة الخبر وقسوته كشِقَّيْ رَحَى دارا حول فؤادها وجعلا يطحناه طحنًا، فطفقت تلوذ بالذكريات، وتستدعي منها رائحة السعادة، فتجذب عمدًا من ذاكرتها لحظة إذ خطبها النبي صلى الله عليه وسلم وهي في دار مُهَاجَرِهَا، ولحظة إذ بنى صلى الله عليه وسلم بها، ولحظة أن نودي بمكة: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن.

وتتشبث بالسُّنّة الشريفة، رجاء أن تنال مقعدًا بجواره صلى الله عليه وسلم هناك، وتحرص على ذلك الحرص كله، حتى إنه لما جاءها نعي أبيها، قالت: ما لي من حاجة، ولولا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدَّ على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا»(7).

إنها رسالة من الأم إلى بناتها المسلمات بأن الحزن مشروع في حدود الشرع بترك الزينة والطيب، دون تعد لما حدده الشرع من مدة.

ورساله أُخرى تقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: «من صلى اثنتي عشرة ركعة في يومه وليلته تطوعًا من غير الفريضة، إلا بنى الله له بيتًا في الجنة»، فما تركتُهنَّ منذ سمعتُهنَّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم(8).

لتتراءى لنا السيدة أم حبيبة وهي صافّة قدميها خاشعة ضارعة بين يدي الله، ومبيِّنة فضل المحافظة على السنن الشريفة، وروت رضي الله عنها خمسة وستين حديثًا، أخرج لها الشيخان أربعة أحاديث، واتفقا على حديثين، ولمسلم مثلهما.

قال الحافظ ابن حجر في «الإصابة»: وروى عنها ابنتها حبيبة، وأخواها معاوية، وعتبة، وابن أخيها عبدالله بن عتبة، وابن أختها أبو سفيان بن سعيد بن المغيرة، وزينب بنت أم سلمة، وعروة بن الزبير، وآخرون.

وقال الإمام الذهبي: وقد كان لأم حبيبة حُرْمَة وجلالة، ولا سيما في دولة أخيها معاوية رضي الله عنه، ولمكانه منها، قيل له: خال المؤمنين.

وبعد صعوده صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى بنحو ثلاثة وثلاثين عامًا، وبينما كانت أحداث العام الرابع والأربعين الهجري تتراءى للتاريخ، وكانت السيدة في نحو السابعة والستين من عمرها المبارك داهمها المرض، وأدركت بحدسها وحسَّها أنه المرض الأخير، فجعلت تستصفي ما يتصل بها من هَنات الدنيا، وتتحلل منها، فاستدعت السيدة عائشة لمثل ذلك.

قالت عائشة رضي الله عنها: دعتني أم حبيبة عند موتها، فقالت: قد كان يكون بيننا ما يكون بين الضرائر، فتحَلَّليني من ذلك، غفر الله لي ولكِ ما كان من ذلك، فحللتها، واستغفرت لها، فقالت: سررتني سرَّكِ الله، ثم أرسلت إلى أم سلمة فقالت لها مثل ذلك(9).

وأشرقت جوانب نفسها، وصعدت إلى ربها راضية مرضية، تفيض غبطتها بين جوانح المسلمات، اللاتي سيقفن طويلًا أمام رسائلها التي أودعتها التاريخ أمانة لهن(10).

الهوامش
  • 1 أضعف شيء، كالنمل والتراب.
  • 2 سيرة ابن هشام (2/ 395)، وابن القيم، زاد المعاد (3/ 350).
  • 3 الْلَأْمَةُ: عدَّةُ الحرب الكاملة من ملبس وسلاح.
  • 4 أحرقتها.
  • 5 سيرة ابن هشام (2/ 403)، وأبو داود في «سننه» (3021).
  • 6 حسنه الألباني في سنن أبي داود (3022).
  • 7 متفق عليه: أخرجه البخاري (1281)، ومسلم (1486).
  • 8 حديث صحيح: أخرجه مسلم (728).
  • 9 رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (8/ 10)، والحاكم في «المستدرك» (4/ 21).
  • 10 «أعلام النساء» (1/ 3897)، «الإصابة» (11191)، «الاستيعاب» (3390)، «أسد الغابة» (6932)، «سير أعلام النبلاء» (23).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة