أمهات المؤمنين زوجات النبي ﷺ الأمين (1)

السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها

السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها

تعد القدوة الصالحة في الإسلام منزلة مرفوعة الشأن جليلة القدر واسعة الأثر لافتة للنظر، وهي قد تتمثل في فرد كالنبي صلى الله عليه وسلم، وقد تتمثل في أفراد كزوجاته وكذا أصحابه، لكن لقرب زوجاته منه، فقد أعلى الله شأنهن باستجابتهن للنبي صلى الله عليه وسلم حيث قال سبحانه: (وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ) (الأحزاب: 30).

وشدد اللوم عليهن حيث إنهن القدوات للنساء من بعدهن، ونبدأ الحديث عنهن بأول زوجة من زوجاته صلى الله عليه وسلم وهي السيدة خديجة رضي الله عنها، على النحو التالي:

اسمها وحياتها قبل الإسلام

السيدة خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزّى، تمثلت حياتها قبل الإسلام في عدة أمور:

1- الحياة قبل النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كانت قبله زوجة عتيق بن عائذ المخزومي، فولدت له جارية اسمها هند، ثم خلف عليها أبو هالة مالك بن نباش، حليف بني عبد الدار بن قصيّ، فولدت له هند، وهالة، فهما أخوا ولد النبي صلى الله عليه وسلم(1).

2- العمل: كانت السيدة خديجة تاجرة ذات شرف ومال تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إياه، بشيء تجعله لهم، وكان أهل مكة قوماً تجاراً، فلما بلغها عن النبي صلى الله عليه وسلم ما بلغها، من صدق حديثه، وعظم أمانته، وكرم أخلاقه، بعثت إليه فعرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى الشام تاجراً، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار، مع غلام لها يقال له: ميسرة.

فقبله النبي صلى الله عليه وسلم منها، وخرج في مالها ذلك، وخرج معه غلامها ميسرة حتى قدم الشام، ثم باع النبي صلى الله عليه وسلم سلعته التي خرج بها، واشترى ما أراد أن يشتري، ثم أقبل قافلاً إلى مكة ومعه ميسرة.

فكان ميسرة إذا كانت الهاجرة واشتد الحر، يرى ملكين يظلانه من الشمس وهو يسير على بعيره، فلما قدم مكة على خديجة بمالها، باعت ما جاء به، فأضعف أو قريباً وحدثها ميسرة عما كان يرى من إظلال الملكين إياه(2).

3- الزواج بالنبي صلى الله عليه وسلم: لما رأت السيدة خديجة من النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على طهارة معدنه وصدق أخلاقه وأمانته لمال غيره؛ سعت إلى الزواج منه.

فعن نفيسة بنت مُنية قالت: أرسلتني خديجة إلى محمّد فقلت: يا محمّد، ما يمنعك أن تَزَوّج؟ قال: فَمَنْ هي؟ قلت: خديجة، قال: وَكَيْفَ لي بِذَلِكَ؟ قالت: قلت: عليَّ، قال: فَأنَا أفْعَلُ: فذَهبْتُ فأخْبرتها، فأرسلت إليه أن ائت لساعة كذا وكذا، وأرسلت إلى عمّها عمْرو بن أسد ليزوّجها، وتزوّجها النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ابن 25 سنة، وخديجة يومئذ بنت 40 سنة(3).

حياتها بعد الإسلام

كانت السيدة خديجة خير معين للنبي صلى الله عليه وسلم في حياته خاصة بعد نزول الوحي عليه، وتمثلت حسن عشرتها معه في أمور، منها:

1- تخفيف شدة الوحي عليه: فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعبد في غار حراء حتى جاء جبريل بالوحي، يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري عن عائشة: «.. حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ باسم ربك الذي خلق..»، فرجع النبي صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة فقال: «زملوني زملوني»، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة، وأخبرها الخبر: «لقد خشيت على نفسي»، فقالت خديجة: كلا والله، لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتقري الضيف، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق.

2- إثبات نبوته: لما فزع النبي صلى الله عليه وسلم وهو على غار حراء، فأرادت السيدة خديجة أن تتبين حقيقة ما تعرض له، فذهبت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل وحكى له النبي صلى الله عليه وسلم ما حدث معه، فبشره ورقة بأنه نبي آخر الزمان بقوله: والذي نفسي بيده، إنك لنبي هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى، ولتكذبنه، ولتؤذينه، ولتخرجنه، ولتقاتلنه، ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصراً يعلمه(4).

3- إسلامها: قالت السيدة خديجة للنبي صلى الله عليه وسلم: إذا جاءك صاحبك هذا الذي يأتيك فأخبرني، فبينا النبي صلى الله عليه وسلم عندها إذ جاء جبريل، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا خديجة، هذا جبريل»، فقالت: أتراه الآن؟ قال: «نعم»، فتحسرت رأسها، فشالت خمارها، والنبي صلى الله عليه وسلم جالس في حجرها، فقالت: هل تراه الآن؟ قال: «لا»، قالت: ما هذا بشيطان، إن هذا لملك، يا ابن عم، فاثبت وأبشر ثم آمنت به وشهدت أن ما جاء به هو الحق(5).

وكانت السيدة خديجة قد تعلمت الوضوء والصلاة من النبي صلى الله عليه وسلم(6) يوم أن كانت الصلاة صباحاً ومساء ركعتين ركعتين، قبل أن تفرض الصلاة في رحلة الإسراء والمعراج، وكانت تصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم.

4- وعدها الله بالجنة: نالت السيدة خديجة منزلة عالية عند الله ورسوله لِما قدّمته من عون للنبي صلى الله عليه وسلم تجاه رسالة الإسلام، فاستحقت البشرى من الله عز وجل، فقد روى الشيخان عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم بشّر خديجة ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب.

وفاء النبي لها بعد وفاتها

روى الإمام أحمد عن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكر خديجة أثنى فأحسن الثناء عليها، قالت: فغرت يوماً، فقلت: ما أكثر ما تذكرها حمراء الشدقين، قد أبدلك الله خيراً منها! فقال: «ما أبدلني الله خيراً منها، قد آمنت بي إذ كفر الناس، وصدّقتني إذ كذّبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله أولادها إذ حرمني أولاد النساء».

وعن عائشة قالت: كانت عجوز تأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيهشّ لها ويكرمها، فلما خرجت، قلت: يا رسول الله، تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال: فقال: «يا عائشة، إنها كانت تأتينا زمن خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان»(7).

الهوامش
  • 1 سبل الهدى والرشاد، الإمام الشامي. (11/ 155).
  • 2 السيرة النبوية، ابن هشام (1/ 188).
  • 3 الطبقات الكبرى، ابن سعد (1/ 109).
  • 4 البداية والنهاية، ابن كثير (4/ 37).
  • 5 دلائل النبوة، البيهقي (4/ 37).
  • 6 السيرة النبوية، ابن هشام (1/ 144).
  • 7 سبل الهدى والرشاد (12/ 45).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة