السيرة النبوية في كتابات المسيحيين المنصفين.. نظمي لوقا نموذجاً

د. أشرف عيد

28 يناير 2026

221

إن اعتراف غير المسلمين بعظمة النبي صلى الله عليه وسلم شهادة لها أهميتها تؤكد أن السيرة النبوية تمتلك مقومات الإعجاب البشري المجرد بعيداً عن الانحياز العقدي، والأكثر إعجابًا ما نجده من غير المسلمين من يستدل بمنطق عقلي مجرد على صدق رسالة الإسلام وصدق النبي صلى الله عليه وسلم، وأن القرآن كلام الله بمنهج عقلي تحليلي، ويأتي د. نظمي لوقا في مقدمة هؤلاء المنصفين ما يجعل ما قدّمه نموذجًا جديرًا بالدراسة والتحليل.

لوقا.. وكتابه «محمد الرسالة والرسول»

نظمي لوقا جرجس، مفكر مصري مسيحي، ولد عام 1920م، وحصل على الدكتوراة في الفلسفة، درس السيرة النبوية وحفظ القرآن الكريم منذ نشأته الأولى، ويأتي كتاباه «محمد الرسالة والرسول»، و«محمد في حياته الخاصة»، من أهم ما كتب، وأصدرت الكنيسة بحقه عقوبة الحرمان الكنسي بسبب آرائه، ومنعت الصلاة عليه في أي كنيسة بعد موته عام 1987م.

ناقش لوقا في كتابه «محمد الرسالة والرسول» موضوعين رئيسين؛ الأول: الإسلام؛ وتساءل: هل الإسلام دين سماوي؟ وما المقاييس التي نحكم بها على صحة أي دين جديد؟ وهل تنطبق على الإسلام؟

والثاني: النبوة؛ هل محمد نبي؟ وما دليل نبوته؟ وينطلق من خلال ذلك إلى مناقشة قضايا شائكة بمنهج عقلي تحليلي يرد بها على المشككين والمتحاملين، ويخلص منها إلى أن الإسلام رسالة سماوية حقة، وصدق نبوة محمد، وأن القرآن كلام الله وليس كلام محمد كما يردد المستشرقون وغيرهم.

درس لوقا السيرة النبوية دراسة مستقلة متجردة عن الهوى، واحتكم إلى العقل الذي هداه إلى الإنصاف على نحو ما يوضح ذلك بقوله: «لئن كنت أنصفت الإسلام -في كتاباتي- فليس ذلك من منطلق التخلي عن مسيحيتي، بل من منطلق الإخلاص لها، والتمسك بجوهرها وأخلاقياتها.

من واجبي أن أكتب هذه الصفحات، موقناً أن الإنصاف حلية يكرم بها المنصف نفسه قبل أن يكرم بها من ينصفهم، وما أرى شريعة أدعى للإنصاف، ولا شريعة أنفى للإجحاف والعصبية من شريعة تقول: (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ) (المائدة: 8)، فأي إنسان بعد هذا يكرم نفسه، وهو يدينها بمبدأ دون هذا المبدأ، أو يأخذها بديدن أقل منه تساميًا واستقامة؟»(1).

هل الإسلام دين الله حقاً؟

يتطرق لوقا إلى تطبيق منهجه على الإسلام، ويتساءل: هل الإسلام دين سماوي؟ وما الدليل على ذلك؟ فلكل ديانة طابعها المميز بها، هو سبب وجودها، لا بد أن يأتي الدين يلبي احتياجات التطور البشري، ثم يلزم النظر في الإسلام، وهل جاء بتلك المهمة أو الرسالة؟ فإن صح ذلك كان عقيدة صحيحة جاءت في ميقاتها الطبيعي لتقوم بدورها أو وظيفتها المهيأة لها في تطور العمران البشري(2).

يوضح أن أي دين جديد يشترط في شرطان؛ الأول: مضمون العقيدة: أن تكون عقيدة تجمع بين العقل والقلب جميعًا، تصحح ما تردد فيه من أخطاء في تفهم ما سبق من عقائد ورسالات، عقيدة تؤكد وجود الله وأنه خالق الخلق، المتفرد بالكمال، بيده الأمر وهو على كل شيء قدير، تؤكد وحدانية الله، وتنزهه عن التجسيم أو التشبّه بخلقه(3).

الثاني: موقع الناس في الدين الجديد: ينبغي أن يتجه الدين الجديد إلى الناس كافة، لا فرق بين شعب وشعب، ولا بين جيل وجيل، ولا بين طبقة وطبقة، يلبي حاجة الروح والجسد، يدعو إلى السعي في الدنيا والعمل للآخرة، لا ينظر إلى الدنيا أنها رجس، الناس في هذا الدين الجديد أمة واحدة.

وينطلق لوقا إلى تطبيق هذين الشرطين على الإسلام؛ فيستدل من الآيات القرآنية إلى دعوته إلى التوحيد الخالص لله دون تجسيم أو تشبيه؛ فيقول منتقدًا القائلين بألوهية المسيح: «لا يدع القرآن شائبة من ريب في مسألة وحدانية الله، وفي ذلك نقض لعقائد الشرك، وتصحيح لعقائد أهل الكتاب أيضًا؛ فقد صار أتباع المسيح إلى القول بألوهيته، وأنه ابن الله، وأن الإله الواحد جوهر واحد له ثلاث أقانيم: الله الأب، والله الابن- وهو المسيح- والروح القدس.

ويستدل بما ورد في الأناجيل من تنزيه المسيح من القول بأنه الله أو ابن الله، ويتعجب كيف تنزلق تلك العقيدة التي يدين بها السواد منذ ألوف السنين إلى الشرك من باب هذا السر الذي يجعل الواحد الفرد ثلاثة أقانيم!»(4).

لا بد من رد الناس إلى بساطة الاعتقاد، ولا بد من نفي اللبس وشوائب الريب عن جوهر هذه العقيدة، وهو التوحيد مطلق التوحيد، إذن يتعين أن يأتي هذا الدين الجديد بحسم هذا الاختلاف الوبيل؛ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ {1} اللَّهُ الصَّمَدُ {2} لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ {3} وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ) (الإخلاص)، وما كان سبحانه فردًا في جنس، وواحداً في سلالة من نوعه، حاشا! بل جلّ عن النظر والأكفاء، فمن ذا الكفء لله(5)؟

وينطلق إلى الاستدلال من خلال الآيات القرآنية إلى عناية الإسلام بمضمون العقيدة: «وهكذا بدت العقيدة الإلهية في الإسلام ناصعة الصفاء في تجردها من الشرك وشبهاته، ومن النقص وشوائبه على نحو حاسم كانت البشرية في حاجة ماسة إليه بعد الذي انتاب المؤمنين بالأديان من اختلاف وبلبلة(6).

ثم يتطرق إلى الشرط الثاني الذي يطبقه على الدين الجديد (الإسلام): موقع الناس في الإسلام؛ فيستدل من خلال الآيات القرآنية على ما تميز به الإسلام في نظرته إلى الناس جميعًا، الدنيا والآخرة على النحو التالي:

1- الأخوة الإنسانية: الإسلام عقيدة تدعو إلى الأخوة الإنسانية بين الناس جميعًا في إطار من العدل والحرية والمساواة، لا تفاضل بينهم إلا بتقوى الله، عقيدة واحدة بسيطة مفتوحة لكل إنسان لا يصدّ عنها أحد بسبب جنسه أو لونه، ويجد كل إنسان له مكان في هذه العقيدة الإلهية على أساس المساواة والعدالة التي لا تفاضل معها إلا بالتقوى لله رب العالمين(7).

2- عقيدة يحاسب الإنسان عن أخطائه فقط؛ فالإنسان في اليهودية والمسيحية التصق به وزر أبيه الأول آدم، خطيئة باقية موروثة لا بد من كفارة وفداء حتى لا يذهب بجريرتها أبناء الجنس البشري كافة، وأنه لولا النجاة على يد المسيح الذي فدى البشرية بدمه الطهور لكان مصير البشرية كلها الهلاك المبين، فكان لا بد من عقيدة ترفع عن كاهل البشر هذه اللعنة وتطمئنهم إلى العدالة التي لا تأخذ البريء بالمجرم، تحاسب الإنسان عن نفسه فقط لا عن خطيئة غيره، أو تزر الولد بوزر أبيه؛ (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (الإسراء: 15)، (وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) (النجم: 39)، وتجعل للبشرية كرامة مصونة: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) (الإسراء: 70)(8).

3- العلاقة بين الحاكم والرعية: يحكم الحاكم في الإسلام بما أمر الله، وليس له أن يكون عليهم جباراً، أو أن ينفرد بالأمر دونهم، وعندئذ تجب عليهم طاعته، فلا مجال بين قوم يؤمنون بالله لقول: «اعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله!»، فالحاكم حقه على الناس الطاعة، وحقهم عليه أن يعدل بينهم(9).

4- الدنيا والآخرة في الإسلام: لا حياة مادية متجردة من الإيمان، ولا رهبانية تبتعد عن الدنيا، بل يبتغي الإنسان فيما آتاه الله الدار الآخرة، ولا ينس نصيبه من الدنيا، عبادة لله مباشرة، بلا وساطة ولا كهنوت(10).

ويخلص لوقا إلى أن رسالة الإسلام جاءت مناسبة لطور البشرية الطبيعي متلافية أوجه الغموض في العقيدة، وأوجه العسر والعنت، وأوجه إغفال الدنيا وفطرة البدن والروح في كيان واحد، دين يسع الناس كافة، رسالة جاءت تنظيمًا لحياة الناس، بحيث يخرجون عن دائرة المنفعة الذاتية والأنانية بكل توابعها من الشهوة أو الهوى أو القسوة والظلم والإباحية(11).

اقرأ أيضاً:

ماذا تعرف عن كتَّاب السيرة النبوية

من السيرة إلى المسيرة.. كيف تكون حياة النبي ﷺ خارطة طريق لنهضتنا؟

 منهجية دراسة السيرة النبوية


الهوامش
  • 1 نظمي لوقا: محمد الرسالة والرسول، دار الكتب الحديثة، القاهرة، 1959 ص 27.
  • 2 المرجع السابق، ص 58.
  • 3 المرجع السابق، ص39.
  • 4 المرجع السابق، ص41-42.
  • 5 المرجع السابق، ص42- 43.
  • 6 المرجع السابق، ص 44-45.
  • 7 المرجع السابق، ص47.
  • 8 المرجع السابق، ص.48.
  • 9 المرجع السابق، ص84.
  • 10 المرجع السابق، ص 102.
  • 11 المرجع السابق، ص104-105.
الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة