الشباب المسلم.. بين الفرص والتحديات

د. سعد الحلبوسي

21 ديسمبر 2025

352

الشباب المسلم.. بين الفرص والتحديات

منذ فجر التاريخ، والشعوب تنهض حين تنهض عزائم شبابها، وتسقط حين تخبو فيهم روح المبادرة، فهم الطاقة الكامنة التي إن أُحسن توجيهها أزهرت، وإن أُهملت تحولت إلى رماد.

ويقف الشباب اليوم على عتبة زمن متقلب، تختلط فيه الفرص بالتحديات، ولم يعرف جيل من قبل هذا الكمّ الهائل من الإمكانات، فالعالم أصبح في متناول اليد، والاتصال بالمعرفة لم يعد يحتاج إلا إلى بضع نقرات على شاشة صغيرة، تُفتح بها أبواب أرقى وأعرق جامعات العالم ومكتباته، وصار بإمكان الشاب في قرية نائية أن يتعلم من أكبر أساتذة الأرض، وأن يبدأ مشروعاً صغيراً يراه الملايين، فهذه فرصة غير مسبوقة، فتحت فيها التكنولوجيا على مصاريعها، وأزالت الحواجز بين الأمم.

لكنّ هذه النوافذ المشرعة على العالم لا تأتي وحدها بالخير، فهي أيضاً فيها منزلقات خطيرة، فبينما تتيح التكنولوجيا للشباب فرص التعلم والإبداع، فإنها تجرّهم في الوقت نفسه إلى عوالم العزلة والاغتراب والضياع الذي يفصله عن أقرب الناس إليه، عن أسرته، عن ذاته، عن الله.

لكن الفرص التي تحيط بالشباب اليوم لا تُحصى، فالعالم يفتح أبوابه لأصحاب الأفكار، والعقول الشابة لتكتب قصص النجاح في كل مكان، حتى تحولت المبادرة الفردية إلى سلاح الأقوياء في هذا العصر، ولم يعد التفوق حكراً على من يملك المال أو السلطة، بل على من يملك الفكرة والإرادة.

وقد أدرك أعداء الأمة أنّ الطريق إلى إضعافها لا يكون في ميدان السلاح فقط، بل في ميدان الفكر والإبداع والتجديد والتطور، فحين يفقد الشاب ثقته بمقدراته، يصبح جسداً بلا روح، فيسهل توجيهه والتلاعب به، ومن هنا تكون الحاجة الماسة إلى التربية الواعية التي تزرع في الشباب الوعي، وتحصنهم من الانبهار الأعمى بالغرب أو الانغلاق على الماضي.

وإن الأمم العظيمة لا تنهض إلا حين تعرف كيف تحوّل الألم إلى طاقة، والانكسار إلى حافز، والشباب إذا وجدوا من يحتضنهم، ومن يؤمن بقدرتهم، يستطيعون أن يصنعوا المستحيل.

وما أجمل أن نتذكر أنّ ديننا الإسلامي نفسه قام على أكتاف شباب في مقتبل العمر، حين بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم كان من حوله صفوة من الشباب؛ علي بن أبي طالب لم يتجاوز العاشرة حين نام في فراش النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الهجرة، ومصعب بن عمير ترك نعيم مكة ليحمل نور الدعوة إلى المدينة، وأسامة بن زيد قاد جيشاً وهو لم يبلغ العشرين، أولئك الفتية لم يعرفوا الراحة، لكنهم عرفوا الطريق، فصنعوا المجد الذي لا يزال يضيء لنا الدروب ويرسم لنا البوصلة ويحدد لنا الهدف.

إنّ الشباب يحتاج إلى من يؤمن به، لا من يستهلكه في الخطابات، ويحتاج إلى مؤسسات حقيقية تُعِدّه للقيادة، وتمنحه فرصاً للعمل والمشاركة، ولنعلم أنّ تهميش الشباب جريمة في حق الأمة كلها.

وتجدر الإشارة إلى أن المسؤولية تبدأ من الأسرة والمدرسة والجامعة والمسجد والدولة جميعاً، فالأسرة هي الحضن الأول الذي يغرس القيم، والمدرسة تصقل الفكر، والجامعة تفتح آفاق العقل، والمسجد يروي الروح، والدولة تحتضن الجميع وتمنحهم الثقة، وإذا تكاملت هذه المؤسسات، صارت الأمة كالجسد الواحد، وصار الشباب فيها طاقة لا حدود لها تبني ولا تهدم.

وأثبتت التجارب أنّ من يمتلك الوعي يمتلك المستقبل، والوعي لا يعني كثرة المعلومات، بل يعني البصيرة التي تميز بين ما يُبنى وما يُهدم، وبين الأصالة والتقليد، وبين الحقيقة والوهم، والشاب الواعي هو من ينظر إلى واقعه بعين ناقدة، لا بعين ناقلة، ويوازن بين الانفتاح المعرفي والحفاظ على الثوابت، ويعلم أنّ طريق النهضة لا يكون إلا بالجمع بين الأصالة والمعاصرة.

وإنّ الأمة التي تحتضن شبابها وتزرع فيهم الأمل، وتفتح أمامهم طريق العمل والعلم، هي أمة محكوم لها بالحيوية والتجديد والإبداع، أما التي تُقصيهم، وتقتل طموحاتهم بالإهمال أو التسلط، فإنها تمهد لشيخوختها المبكرة.

وما أحوجنا اليوم إلى أن نعيد الثقة إلى نفوس شبابنا، ونبيّن لهم: إنّ أمامكم مستقبلاً يستحق أن تُتحركوا من أجله، وإنّ أمتكم لا تزال تملك من الخير ما يجعلها تنهض من جديد، ولا تنتظروا أن يُصنع الغد لكم، بل اصنعوه أنتم، فأنتم الذين تكتبون التاريخ، وأنتم الذين ترفعون مستقبلكم من تحت الركام.

ولئن كان العالم يعيش صراعاً بين القيم والمصالح، فإنّ عليكم أن تكونوا حملة القيم، لا أسرى المصالح، وأن تجعلوا من العلم والإبداع جناحين تطير بهما الأمة إلى فضاءات الحياة الكريمة.

وإذا كانت التحديات كثيرة، فإنّ الفرص أكثر وأعظم، ومن آمن بربه حقاً وأخذ بالأسباب وأبدع في تطوير ذاته، لن تهزمه الظروف، بل يجعل منها سلّماً يصعد به إلى المجد، فانهضوا أيها الشباب، فالمستقبل يناديكم، والتاريخ يترقب أقلامكم لتكتبوا فصله القادم بمداد العزيمة والصبر والصمود والإبداع والتطور والبناء.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة