الشفاء العدوية.. رائدة التعليم وحكيمة الطب ومستشارة الدولة
سيدة استطاعت
بعبقريتها الفطرية وإيمانها القوي أن تجعل من العلم جسراً للتمكين، ومن الحكمة
وسيلة للإصلاح، نتحدث في هذا المقال عن الصحابية الجليلة الشفاء بنت عبدالله
العدوية، التي كانت تشكل نسقاً فكرياً وإنسانياً متكاملاً.
البداية في مكة
المكرمة حيث بزغت الشفاء كمعلمة ماهرة تحفظ الحروف من النسيان والكتابة من الجهل
والضياع.
وحين نتأمل مشهد
النبي صلى الله عليه وسلم وهو يطلب منها أن تعلم أم المؤمنين السيدة حفصة بنت عمر
بن الخطاب الكتابة ورقية النملة، نلمس قيمة التمكين الذي منحه الإسلام للمرأة،
فالنبي صلى الله عليه وسلم لم ير في علمها تهديدًا، بل ذخراً للأمة، فقد كانت
الشفاء تزرع الحرف في نفوس كانت متعطشة للنور، فصارت دار الشفاء أول منارة تعليمية
نسائية في تاريخ المدينة المنورة.
سلطة معرفية
كانت الشفاء
التي ولدت في مكة لأسرة من بني عدي، من القلائل الذين كسروا حاجز الأمية فأتقنت
القراءة والكتابة والطب، وهو ما منحها سلطة معرفية مبكرة.
وهنا لا بد من
التوقف عند رواية ولاية السوق التي كثيراً ما يستشهد بها على ولاية المرأة للحسبة
وشؤون السوق في عهد عمر بن الخطاب؛ وهي رواية تفتقر لشرط الصحة السندية وقد أنكرها
أولادها غيرة على مقامها أو ربما دقة في توصيف دورها.
لكن دعونا نتأمل
الجانب الإنساني في هذا الوهم التاريخي، لماذا صدق الناس لقرون أنها كانت والية
للسوق؟ والجواب يكمن في هيبتها وعمق تأثيرها.
عمر بن الخطاب
رضي الله عنه، ذلك العملاق الذي ترتعد منه الممالك، يقف بوقار أمام رأي الشفاء
ويستشيرها ويأخذ بمشورتها في شؤون الاقتصاد والاجتماع.
والية ومؤثرة
الشفاء لم تكن
بحاجة إلى ختم رسمي لتكون مؤثرة؛ فقد كانت والية بوعيها ومحتسبة بعقلها، هذا لعمرك
أرقى أنواع النفوذ؛ أن يأتيك المنصب انحناء لعلمك لا أن تبحث أنت عن بريقه.
الشفاء كانت
كذلك طبيبة بالروح والأدوات؛ كانت تخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزواته
تداوي وتعالج، كانت متخصصة -إن صح التعبير- بعلاج النملة، وهي قروح تخرج على
الجلد، وقد أقرها النبي صلى الله عليه وسلم رقيتها وعلاجها وطلب منها أن تعلمها
للسيدة حفصة.
ساهمت الشفاء في
الحياة الاجتماعية من خلال تربية جيل من الفقهاء؛ فابنها سليمان بن أبي حثمة كان
رجلاً فاضلاً استعمله عمر بن الخطاب على إمارة السوق فعلياً، وربما هنا حدث الخلط
التاريخي في بعض الروايات بينها وبين ابنها، وهذا يشير إلى البيئة التي عاشت فيها
الشفاء وهي أسرة مهتمة بالشأن العام والإدارة.
هذه الصحابية
كانت تغار على دينها، وتغار على صورة المسلم القوي ولا تصمت إذا رأت خمولاً أو
انكساراً في حركة أو تصرف، فها هي تمارس دور الضمير الحي حين تشاهد شباباً يتصنعون
الضعف والتمسكن باسم الزهد؛ فتطلق صرختها التي ما زالت تتردد في أروقة التاريخ: «كان
عمر إذا مشى أسرع».
وكأنها تريد أن
تخبرنا للتاريخ أن الدين حياة وبركة لا خمول وانكسار وتواكل، والمسلم الحق هو من
يدافع عن دينه بكل صدق وحرقة ورجاء الرفعة لهذا الدين.
لقد كانت الشفاء
بنت عبدالله العدوية عطراً لا يغيب وأثراً لا يمحوه الزمان، وهي رسالة لكل امرأة
ولكل طالب علم أن القيمة الحقيقية للإنسان تقاس بمدى نفعه وما يتركه من تأثير في
عقول الآخرين وقلوبهم.
الشفاء بقي
حرفها الذي علمته للسيدة حفصة، وبقي عقلها الذي استشاره عمر، وبقيت حكمتها التي
تنير لنا دروب التميز.
اقرأ
أيضاً:
5 أدوار للمرأة في بناء هوية الأمة
السيدة عائشة..
ملهمة الجيل في صناعة الأثر والإنسان
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً