الشيخ محمد صديق المنشاوي.. السر المكنون خلف بستان الخشوع

الشيخ محمد صديق المنشاوي.. السر المكنون خلف بستان الخشوع

رغم ثراء العالم الإسلامي بقراء للقرآن الكريم غاية في جمال الصوت وحسن الأداء، فإنه يبقى الشيخ محمد صديق المنشاوي شامة في جبين القراء، وآية في خشوعه وعمق إحساسه وأخذه بمجامع القلوب.

المنشاوي.. والسر المكنون

فرغم مرور 57 عامًا على وفاة الشيخ، فإنه ما زال الصوت الذي يملأ القلوب خشية وخشوعًا ويحظى بالمحبة والقبول، ولا بد أن وراء ذلك سرًا مكنونًا، نحاول أن نقترب منه وأن نتلمسه من حواراته ومواقفه:

1- إيثار الآخرة:

في الحوار الإذاعي الذي أجري مع الشيخ محمد صديق المنشاوي رحمه الله(1) ظهر فيه شيء من خبيئة ذلك الرجل حين تحدث عن قصة المسجد الذي بناه باسم والده أسفل بيته الذي بناه في بلدته، وكيف أنه آثر به أمر الآخرة بعد أن تهيأ المكان للإيجار بمبلغ معقول لجهة رسمية في الدولة وهي مكتب بريد وفرع للبنك وقد تم العقد وصعب فكه ونقضه.

ولكن الشيخ في حديثه فيما بينه وبين نفسه قال: «هكذا يا محمد تحرص على الدنيا ولا تجعل شيئًا للآخرة!»، فعزم من حينها أن يخصص البناء مسجدًا لله عز وجل وألحّ على المتعاقدين معه أن يفكوا العقد ليحول هذا الجزء من البيت إلى بيت لله ومسجد للصلاة، وعلم الله صدقه فأتم له ما أراد، وسمى المسجد باسم والده.

فكان هذا الموقف كاشفًا عن جانب من هذه النفسية المباركة التي تبتغي فيما آتاها الله الدار الآخرة، ولا تستغرق في الحرص على الدنيا والاستزادة منها.

2- ترك الحرص على الشهرة:

ومن المواقف التي تكشف عن سر من أسرار القبول الذي وهب الله تعالى به الشيخ المنشاوي، ما حكاه في ذات الحوار عن قصة أول تسجيل له في الإذاعة، وكيف أنه حين اتصل به مسؤولو إذاعة القرآن الكريم وطلبوا أن يذهب إلى القاهرة ليسجل في إذاعة القرآن الكريم، وكان الوقت في شهر رمضان وهو لا يحب السفر في هذا الشهر الفضيل، فإذا به يرفض الذهاب ولم يهرول سريعًا إلى حيث الشهرة والمال في القاهرة، وآثر أن يقضي رمضان في صعيد مصر كعادته، فإذا برب العالمين يسخر له العباد والأسباب، فتنتقل الإذاعة نفسها إليه حيث هو بكل معداتها لتسجل أول تسجيلاته الإذاعية!

لقد آثر أن يحافظ على ما اعتاد من روحانيات رمضان المبارك، ولم تكن الدنيا همه، فأتته الدنيا راكضة وهي راغمة، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: «من كانتِ الآخرةُ هَمَّهُ (نيَّتَه) جعلَ اللَّهُ غناهُ في قلبِهِ وجمعَ لَه شملَهُ وأتتهُ الدُّنيا وَهيَ راغمةٌ» (رواه الترمذي، 2465).

3- اعتزازه بالقرآن:

ومن المواقف التي تُذْكَر للشيخ وتبرز اعتزازه بالقرآن العظيم واستغناءه به عن زخرف الحياة الدنيا، موقفه حين وجَّه إليه أحد الوزراء دعوة للقراءة في حفل رئاسي قائلاً له: سيكون لك الشرف الكبير بحضورك حفلاً يحضره الرئيس.

فما كان من الشيخ إلا أن أجابه قائلاً: ولماذا لا يكون الشرف للرئيس نفسه أن يستمع إلى القرآن بصوت محمد صديق المنشاوي، ورفض أن يلبي الدعوة.

والشاهد: أنه رجل يعرف قدر ما يحمل في صدره من القرآن العظيم، ممتثلًا ما ورد عن عبدالله بن عمرو بن العاص: «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَقَدِ اسْتَدَرَجَ النُّبُوَّةَ بَيْنَ جَنْبَيْهِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُوحَى إِلَيْهِ» (حسّنه الألباني موقوفاً).

4- التواضع الجم:

ومن المواقف الكاشفة عن تواضعه أنه بعد أن قضى ليلة كاملة يقرأ في مسجد السيدة زينب، وبعد أن ختم وتهيأ للخروج إذا برجل يخترق الصفوف يقول: يا شيخ، أنا جاي لك من ريف مصر من بعيد لأسمع منك سورة «العاديات»، فلم يرض الشيخ أن يكسر بخاطره، فأعاد المجلس والصوتيات وجلس يقرأ سورة «العاديات»!

وقد صح عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: «وما تواضعَ أحدٌ للَّهِ إلَّا رفعَهُ اللَّهُ» (رواه مسلم، 2588).

5- مصحف المنشاوي الجديد:

وأما قصة مصحفه المرتل الجديد الذي لم يظهر للناس إلا هذه الأيام فعجب عجاب!

فإن الشيخ لما استغرق في الختمة الأولى وتعمق إحساسه خاصة في الأجزاء الأخيرة، وحين عاد للاستماع إليها رغم روعته وجماله واعتماده من لجنة المراجعة وإعجاب الناس به، فإن الشيخ شعر أن هناك مواضع من القرآن يمكنه أن يسجلها بشكل أفضل وإحساس أعمق، فقرر أن يعيد تسجيل 32 شريطًا من جديد، ولما كانت تلك الإعادة ستكلف الإذاعة مجهودًا وأموالًا لتجهيز الأستوديو وتكاليف لجنة المراجعة قام ببذلها بكل رضا وأريحية على نفقته الخاصة حسبة لله تعالى.

وبالفعل قام بإعادة التسجيل بأداء مميز عجيب تميز عن الختمة الأولى بهدوء وخشوع وإحساس عميق وتأثر بالغ، تشعر معه كأن قلبه الخاشع الباكي هو الذي يقرأ، أو كأن ملكًا كريمًا يقرأ على لسانه.

فعل ذلك ورحل إلى الله عز وجل، وظل هذا المصحف الجديد مكنونًا، حتى هيأ الله تعالى خروجه وإذاعته على أسماع العالمين فتلقفته القلوب قبل الأسماع بالفرح والسرور والبهجة الغامرة.

فرغم مرور عشرات السنين، فقد قدر الله تعالى أن يخرج لنا من جواهر هذا الرجل ما كان مكنونًا ليرفع له ذكره، ويجعل له لسان صدق في الآخرين، وصدق تعالى العظيم: (إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ مَنۡ أَحۡسَنَ عَمَلًا) (الكهف: 30).

6- من أراد الرفعة فهذا الطريق:

إن الذي بوأ الشيخ المنشاوي تلك المكانة في قلوب المسلمين لهو القرآن الكريم حين أخذه بحقه؛ تلاوة وخشوعًا وعملًا وتخلقًا، وما زال الطريق بحمد الله ميسورًا، وما زال وعد الله لمن سلكه مبذولًا.

روى مسلم في صحيحه أنَّ نافعَ بنَ عَبدِالحارثِ لقيَ عُمرَ بنَ الخطَّابِ بعُسفانَ، وَكانَ عمرُ استَعملَهُ على مَكَّةَ، فقالَ عُمَرُ: منِ استَخلفتَ على أَهْلِ الوادي؟ قالَ: استَخلفتُ علَيهم ابنَ أُبزى، قالَ: ومنِ ابنُ أُبزى؟ قالَ: رجلٌ مِن موالينا، قالَ عمرُ، فاستخلفتَ عليهم مولًى! قالَ: إنَّهُ قارئٌ لِكِتابِ اللَّهِ تعالى، عالمٌ بالفرائضِ، قالَ عمرُ: أما إنَّ نبيَّكم صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: إنَّ اللَّهَ يرفعُ بِهَذا الكتابِ أقوامًا ويضعُ بِهِ آخرينَ. (رواه مسلم، 817).

ويا أهل القرآن، ماذا قدمتم لله من مواقف صادقة تؤثرون فيها مرضاة والدار الآخرة؟ ماذا تركتم لله مما تشتهي أنفسكم من زهرة الحياة الدنيا؟ (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ) (الحشر: 18).

رحم الله الشيخ الرباني محمد صديق المنشاوي ورزقنا السير على دربه.

الهوامش
  • 1 حوار إذاعي منشور على يوتيوب: https://www.youtube.com/watch?v=9UolmRufK4E
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة