الصحة النفسية في وقت الشدة

الصحة النفسية في وقت الشدة

الصحة النفسية في وقت الشدة..

تتقدم الصحة النفسية وتنهض وتزدهر إذا حققت ما تسعى إليه، كتفوق في دراسة أو تميز في عمل أو انتصار في ميدان، لكن سرعان ما تتباطأ إذا أخفقت في إنجاز أو تعطلت عن مسيرة وربما أدى بها ذلك إلى فقد الاتصال، فتحتاج إلى ما يعيد لها الوصال بعد الانقطاع والنشاط بعد التباطؤ والهمة بعد الكسل، فالصحة النفسية في وقت الشدة تحتاج إلى ما يلي:

1- الشعور بمعية الله تعالى:

إن ما يحدث للإنسان في هذه الحياة إنما هو بإرادة المولى سبحانه، والله تعالى ما يفعل بالعبد شيء إلا وهو يعلم ما ينفعه، وما يضره، ففعل الله تعالى بالعبد فيه كمال النفع ولو كان ظاهره الضرر، فمن كان الله تعالى قِبلته في الشدة واعتمد عليه في المحنة واستمد العون منه في الضعف، فلن يخذله ربه ولن يتخلى عنه، وسيجد الله معه في كل أحواله حيث تَوَجه، يحوُطه وينصره ويحفظه ويوفقه ويسدده؛ قال تعالى: (إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ) (النحل: 128).

ومن مأثور السلف، قال قتادة: «من يتق الله يكن معه، ومن يكن الله معه فمعه الفئة التي لا تُغلب، والحارس الذي لا ينام، والهادي الذي لا يضل، وكتب بعض السلف إِلى أَخ له: أَما بعد، فإِن كان الله معك فَمَنْ تَخَافُ؟ وِإن كان عليك فَمنْ تَرْجُو؟».

وهذه المعية هي المذكورة في قوله تعالى لموسى، وهارون، عليهما السلام: (لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) (طه: 46)، وقول موسى: (كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) (الشعراء: 62)، وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وهما في الغار: (لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا) (التوبة: 40).

فهذه المعية تقتضي النصر والتأييد والحفظ والإعانة، كما عند الطبراني عن عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أَفضل الإِيمان أَن يَعْلَمَ العَبْدُ أَن الله معه حَيْثُ كان»، وعن عبيد الله بن محمد الكرماني دخلت على محمد بن النضر الحارثي فقلت له: كأنك تكره مجالسة الناس قال: أجل قلت له: أما تستوحش؟ قال: كيف أستوحش وهو يقول: أنا جليس من ذكرني(1)؟ وروي عن بُنان الجمال أَنه دخل البرِّيَّةَ وحده على طريق تبوك فاستوحش، فهتف به هاتف: لم تستوحش؟! أَليس حبيبك معك؟

وقيل لآخر: نراك وحدك؟ فقال: من يكن الله معه كيف يكون وحده؟ وقيل لآخر: أما معك مؤنس؟ قال: بلى، قيل له: أَين هو؟ قال؟ أمامي ومعي وخلفي وعن يميني وعن شمالي وفوقي(2).

2- الإيمان بالقدر:

يسير المسلم في شدته وفق توجيهات الله تعالى له، يستسلم لأمر الله عز وجل، يتخذ من الأسباب ما يجنبه الأخطار، لكنه لا يتوقف عن السير والعمل والمجاهدة، ثم بعد ذلك إن تعرض لشيء فليعلم أنه من الحق، فالله تعالى يقول: (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (التوبة: 51).

وعند الترمذي عن ابن عباس أن رسول الله قال: «واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك»، والإيمان بالقدر يقوي الصحة النفسية عند ضعفها ويجعلها تتقدم بعد تأخر، وتعيد المحاولة بعد التراجع، ولقد كان الصحابة الكرام يقطعون الطريق على الشيطان حين يزين لهم الهزيمة النفسية.

فعند النسائي عن سَبْرَة بن أبي فاكه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنَّ الشيطانَ قَعَدَ لابنِ آدمَ بأطرُقِه، فقَعَدَ له بطريقِ الإسلام، فقال: تُسلِمُ وتَذَرُ دينَكَ ودينَ آبائِكَ وآباءِ أبيكَ؟ فعصاهُ فأسلمَ، ثم قَعَدَ له بطريقِ الهجرة، فقال: تُهاجرُ وتَدَعُ أرضَكَ وسماءَكَ، وإنَّما مَثَلُ المهاجرِ كمَثَلِ الفَرَسِ في الطِّوَلِ؟ فعصاهُ فهاجرَ، ثم قَعَدَ له بطريقِ الجهاد، فقال: تُجاهدُ، فهو جَهدُ النفسِ والمالِ، فتُقاتلُ فتُقتلُ، فتُنكحُ المرأةُ ويُقسَمُ المالُ؟ فعصاهُ فجاهدَ، فمَن فعلَ ذلك كان حقاً على اللهِ عزَّ وجلَّ أن يُدخِلَهُ الجنةَ، ومَن قُتِلَ كان حقاً على اللهِ عزَّ وجلَّ أن يُدخِلَهُ الجنةَ، وإن غَرِقَ كان حقاً على اللهِ أن يُدخِلَهُ الجنةَ، أو وَقَصَتْهُ دابَّتُهُ كان حقاً على اللهِ أن يُدخِلَهُ الجنةَ».

فالمسلم يفعل ما أُمر به ثم يستسلم لأمر الله فيما نزل به، ولم يكن رجال السلف وحدهم من يستجيبون لأمر الله، بل المرأة كذلك، فقد همَّ رجل من السلف بالسفر فكره جيرانه سفره فقالوا لزوجته: لم ترضين بسفره ولم يدع لك نفقة؟ فقالت: زوجي منذ عرفته، عرفته أكالاً، وما عرفته رزاقاً، ولي رب رزاق يذهب الأكال ويبقى الرزاق(3).

3- التحرر من الخوف:

إذا خاف الشخص من شيء تجنبه، فمن خاف طريقاً سار في غيره، ومن خاف عدواً ابتعد عن مواجهته، ومن خاف من عمل بحث عن غيره، لكن صاحب الصحة النفسية عند الشدة والمحنة لا يعرف الخوف من قوى مادية ولا خوف على فوات حظوظ الدنيا.

ففي مواجهة القوة المادية إذا كثر عدد العدو يتذكر صاحب الصحة النفسية قول الله: (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ) (البقرة: 249)، وإذا كثر مال العدو يستأنس بقول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ) (الأنفال: 36).

وإذا تم تحذيره من مكر عدوه تلا قول الحق: (وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (آل عمران: 54)، وإذا تخوّف من منعة حصن العدو رتل قوله عز وجل: (وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا) (الحشر: 2).

وهذا ما دفع الصحابة أن يسيحوا في الأرض لنشر الإسلام بلا خوف ولا قلق، ففي فتح المدائن كثرت موانع الفتح إلا المرور من البحر دون سفن، فقال سيدنا سعد بن أبي وقاص: ألا إني قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم، فقالوا جميعاً: عزم الله لنا ولك على الرشد، فافعل.

وقد أمر سعد المسلمين عند دخول الماء أن يقولوا: نستعين بالله، ونتوكل عليه، حسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ثم اقتحم بفرسه دجلة، واقتحم الناس لم يتخلف عنه أحد فساروا فيها كأنما يسيرون على وجه الأرض، حتى ملؤوا ما بين الجانبين، فلا يرى وجه الماء من الفرسان والرجالة، وجعل الناس يتحدثون على وجه الماء كما يتحدثون على وجه الأرض، وذلك لما حصل لهم من الطمأنينة والأمن، والوثوق بأمر الله ووعده ونصره، وتأييده(4).

وفي الخوف على فوات شيء من أمور الدنيا، فليعلم صاحب الصحة النفسية أن ما عند الله خير من الدنيا وما فيها، وليس ببعيد سحرة فرعون الذين تركوا الدنيا وما فيها من أجل الآخرة بقولهم عند تهديد فرعون لهم: (فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) (طه: 72).

الهوامش
  • 1 حلية الأولياء، الأصفهاني (8/ 221).
  • 2 جامع العلوم والحكم، ابن رجب الحنبلي، ص202.
  • 3 إحياء علوم الدين: الغزالي (2/ 58).
  • 4 البداية والنهاية، ابن كثير (10/ 9).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة