الصدقة في زمن الأزمات وأثرها في رفع البلاء العام
تعصف البلاءات
بالأمة من كل اتجاه، فتتلاحق عليها الحروب والأوبئة وغلاء الأسعار والتهديد
بالجفاف بسبب تغير المناخ، كل هذا يترك المسلم في حيرة يسأل ويبحث عن النجاة وطرق
رفع هذا البلاء العام، فيجيبه الوحي من خلال نصوص القرآن والسُّنة، أن الصدقة ترفع
البلاء عن الفرد والمجتمع، فالعلاقة بين العطاء الجماعي ورفع الكربات العامة ليست
أوهامًا؛ بل هي سُنة كونية وأخلاقية وشرعية، كما سيتضح في هذا المقال.
فضل الصدقة في رفع البلاء
1- الصدقة ودفع البلاء الكوني:
بيّنت السُّنة
النبوية مكانة الصدقة في أشد لحظات الخوف، وتحديداً عند تغير السنن الكونية في
حالتي الخسوف والكسوف، فقد جاء في حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله
عليه وسلم أنه قال: «إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لا
يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا
فَادْعُوا اللَّهَ وَكَبِّرُوا وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا»(1).
فجعل الصدقة أحد
الأسباب العظيمة لرفع هذا البلاء الذي قدَّره الله تعالى تخويفاً لعباده وتذكيراً
بقدرته العظيمة، فالصدقة في تلك اللحظة تذكر العبد بحقيقة هوان الدنيا.
2- النجاة من المهالك وتكفير الذنوب:
الذنوب والخطايا
-ما لم تقترن بتوبة واستغفار- مجلبة لعقاب الله عز وجل، خاصة إذا تفشت في المجتمع،
وهنا يأتي دور الصدقة، فكما جاء في حديث أم سلمة رضي الله عنها عن النبي صلى الله
عليه وسلم أنه قال: «صَنَائِعُ المَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ،
وَالصَّدَقَةُ خَفِيًّا تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، وَكُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ»(2).
فقد جعل النبي صلى
الله عليه وسلم إسداء المعروف إلى الغير نوعاً من الصدقات، وبيَّن أنها سبب في
النجاة من المهالك، كما أن الصدقة الخفية تحمي من غضب الله عز وجل؛ ما يدفع أنواع
من البلاء التي يُنزلها الله بمن غضب عليهم.
3- الصدقة تزيد رزق الأمة:
عندما تتصدق
أمة، تنفتح عليها أبواب الرزق من كل اتجاه، وتتنزل البركات من السماء إلى الأرض،
وتُسقى البلاد، أما إذا بخلت الأمة ومنعت الزكاة والصدقات، فإنها تغلق على نفسها
أبواب الخير، وتحرم نفسها من القطر والبركة.
فقد جاء في
الحديث الذي رواه عبدالله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ولم
يَمْنَعُوا زكاةَ أموالِهم إلا مُنِعُوا القَطْرَ من السماءِ، ولولا البهائمُ لم
يُمْطَرُوا»(3)؛ فإنك ترى أن السماء قد أغلقت أبوابها كما أغلق
الأغنياء أيديهم، ليذكرهم هذا بأن رزقهم لا يكون إلا من الله وحده، وهم فقراء من
دونه مهما كنزوا من الأموال التي لن تنفعهم يوم الحساب.
4- الصدقة تدفع البلاء المالي العام:
الصدقة سياسة
مالية ناجحة ووقاية حقيقية من أخطر بلاءين؛ وهما الغلاء والكساد، يقول الله تعالى:
(ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي
الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ
الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم: 41)، فالفساد الذي يظهر
في المجتمعات التي يبخل أغنياؤها ويمنعون الزكاة، يتمثل في دوامة الجفاف نتيجة منع
المطر والبركة، ثم الغلاء نتيجة نقص المؤنة، ثم الكساد لقلة حركة العمل.
أما عندما تنتشر
الصدقة في مجتمع ما؛ يقل الفقر ويزداد الإنتاج، لأن الفقير المطعم يصبح قادراً على
العمل فتتحرك العجلة، ويزداد الرزق العام للجميع غنياً كان أو فقيراً.
كيف تغير الصدقة واقع الإنسان والمجتمع؟
ليست الصدقة
مجرد نقل مال من جيب إلى جيب، بل هي ثورة هادئة تعيد تشكيل واقع الإنسان من الداخل
والخارج على مستويين متكاملين؛ النفس، والمجتمع.
أما التغيير
النفسي: عندما يتصدق العبد، لا يكسب الثواب فحسب، بل يزكي نفسه، فهو يخوض معركة
صامتة ضد أعتى أعدائه الداخليين، فالصدقة وقاية من داء البخل، كما أنها تطرد الخوف
من الفقر الذي يغرسه الشيطان في النفوس، يقول تعالى: (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم
بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّهُ
وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة: 268).
فالصدقة تغلق
على العبد باب تصديق وساوس الشيطان وما يتبعها من الأمر بالفواحش، وتثبت في النفس
اليقين بما عند الله، وتُحررها من رق عبودية المال، فيصبح المال خادماً لها
ولآخرتها لا سيدًا عليها، كل هذا يجعل العبد مطمئنًا ساكن القلب، لا يخشى فوات
الرزق ولا يتقاتل عليه، ولا يسهر ليله خوفًا من غدٍ مجهول.
وأما التغير
الاجتماعي: فقد أسس الإسلام مفهوم التآخي بين المسلمين وأثره في البناء المجتمعي،
كما جاء في الحديث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «وَكُونُوا
عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا
يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ»(4)، فحينما يؤدي المسلم الزكاة أو الصدقة
بنية ألا يخذل أخاه في الضيق، يكون قد أدّى حق الأخوة الحقيقي؛ ما يزيد المودة بين
طبقات المجتمع، حيث يشعر الفقير بالدعم والاحتواء فلا يحقد، ويشعر الغني بمعاناة
الفقير فيزداد رحمة به ولا يستكبر، ويصب ذلك في زيادة الأمان المجتمعي، لأن حاجة
الفقير قد سُدّت قبل أن تتحول إلى ضغط مجتمعي قابل للانفجار، وتقل الجريمة في المجتمع
حيث تقتلع الصدقة جذور الجريمة قبل أن تنبت.
وبذلك يتضح أن
الصدقة ليست ترفاً أخلاقياً، ولا فضلاً زائداً عن الحاجة، بل هي سلاح إستراتيجي
لدفع البلاء عن النفس والمجتمع والأمة بأسرها، إنها تحمي الفرد من البخل والخوف
والفقر، وتصنع مجتمعاً متماسكاً لا يعرف الجريمة ولا الحقد، وتفتح للعبد أبواب
الروحانية والسكينة ومحو الذنوب.
لقد آن الأوان أن يُنظر إلى الصدقة نظرة عميقة، فهي ليست نقصاً في المال، وإنما استثمار لجلب الحماية الإلهية، وهي ليست نجاة فردية فقط، بل مشروع نجاة للأمة جميعًا.
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً