الصم في غزة.. ضحايا القصف بلا إنذار ولا فرصة للنجاة

طفل أصم يشارك في نشاط ورقي داخل صف دراسي

في غزة، قد يكون سماع صوت الانفجار أو صفارات الإنذار سبباً في إنقاذ حياة، لكن يعيش الأشخاص الصم وضعاف السمع خطراً مضاعفاً في ظل القصف المتواصل والنزوح المتكرر، فبينما يحاول الآخرون التقاط أصوات الطائرات والانفجارات أو سماع التحذيرات، يواجه هؤلاء واقعاً مختلفاً، إذ قد لا تصل إليهم إشارات الخطر الصوتية، وقد تمر لحظات حاسمة قبل أن يدركوا أن الموت يقترب منهم.

وفي أحياء مكتظة بالسكان، ومراكز إيواء تضيق بالنازحين، وخيام تفتقر إلى أبسط مقومات الأمان، لا تقتصر معاناة الصم في غزة على الخوف من القصف والدمار والنزوح، بل تمتد إلى العجز عن التقاط إشارات الخطر التي قد تمنح الآخرين ثواني إضافية للهرب، فبينما يصرخ أحدهم محذراً من غارة قريبة، أو يهرع الناس إلى الاحتماء، قد يبقى الشخص الأصم غير مدرك لما يحدث، ما لم يلمحه أحد أو ينقل إليه التحذير بلغة الإشارة أو بوسيلة بصرية واضحة.

بالنسبة إلى الصم، لا تبدأ رحلة النجاة دائماً بسماع تحذير، ولا يكون الهروب ممكناً بمجرد سماع صراخ المحيطين بهم، فقد يحتاج الشخص الأصم إلى من يلفت انتباهه، أو يشرح له ما يحدث بلغة الإشارة، أو يوقظه من نومه، أو يشير إليه بصرياً نحو طريق الهرب، وفي أجواء الحرب والفوضى، قد لا تتوافر هذه الفرصة، ليصبح غياب الإنذار المرئي عائقاً إضافياً أمام النجاة.

أخطار تضاعف معاناة الصم في غزة

وتحتاج حياة الصم اليومية إلى وسائل اتصال، تساعدهم على التواصل مع أسرهم ومحيطهم، سواء من خلال الهواتف والرسائل النصية، أو تطبيقات الاتصال المرئي أو خدمات الترجمة بلغة الإشارة، لكن انقطاع الكهرباء والإنترنت، ونقص الأجهزة والوسائل المساعدة، يجعل هذه الأدوات أقل قدرة على أداء دورها، في وقت يحتاجون فيه إليها أكثر من أي وقت مضى.

ولا تقتصر الفئة المتضررة على الأشخاص الذين ولدوا صماً أو عاشوا مع إعاقة سمعية قبل الحرب، إذ يمكن للانفجارات الشديدة أن تتسبب أيضاً في إصابات سمعية جديدة، ما يضيف أعباء صحية وإنسانية إلى واقع القطاع، حيث ذكر تحديث صادر عن مجموعة الحماية العالمية في يوليو 2025م، أن أكثر من 35 ألف شخص يعتقد أنهم تعرضوا لأضرار سمعية كبيرة جراء الانفجارات في غزة، ويشير ذلك إلى اتساع نطاق الأضرار السمعية المرتبطة بالحرب.

وفي تقرير مشترك قدمه الاتحاد العالمي للصم، والاتحاد الفلسطيني للصم إلى الأمم المتحدة، ورد أن ما لا يقل عن 170 فلسطينياً أصم قتلوا خلال الفترة الممتدة من أكتوبر 2023 إلى فبراير 2024م، وفق بيانات جمعها منظمات المجتمع المدني.

وأشار التقرير إلى أن غياب الإنذارات بلغة الإشارة والتحذيرات المرئية ساهم في تعريض الصم للخطر، إلى جانب انقطاع الكهرباء والإنترنت، الذي حرمهم من الوصول إلى المعلومات العاجلة، ولا تعني هذه الأرقام أن جميع الضحايا قتلوا للسبب نفسه، لكنها تكشف عن حجم الأخطار التي تواجه هذه الفئة، عندما لا تكون التحذيرات وعمليات الإجلاء متاحة بصيغ يمكنهم فهمها والاستجابة لها.

غياب الأمان

في سياق ذلك، ينقل الشاب الأصم مصطفى خالد معاناته بلغة الإشارة، متحدثاً عن تعرضه لظروف معيشية صعبة، منذ أن بدأ الحرب حتى هذا الوقت، الذي تستمر فيه عمليات النزوح والقصف الجوي والمدفعي «الإسرائيلي» لمختلف مناطق قطاع غزة، وصعوبة الحصول على المعلومات ووسائل التحذير بشكل سريع وواضح.

يشير، في حديثه لـ«المجتمع»، إلى أنه تعرض للموت مرات عديدة خلال سنوات الحرب، وذلك خلال بقائه في أماكن قريبة من القصف وإطلاق النار، ونتيجة لحالة الهلع والخوف التي أصيبت بها عائلته في كثير من حالات الإخلاء، فلم يجد أحداً يوضح له ما الذي يدور من حوله، سوى الهرب وليس إلى مكان آمن.

ويخشى مصطفى من التحرك بصورة مريحة، خوفاً من تعرضه للإصابة أو الموت، في ظل استمرار تحليق الطائرات بشكل مكثف، واستمرار عمليات الاغتيال اليومية سواء من خلال قصف المركبات أو تجمعات المواطنين وحتى المنازل، لذلك أي تحرك يجب أن يكون بحذر، وهو لا يملك سماع ما يدور من تطور الأحداث.

ولا تقتصر معاناة الصم في غزة على فقدان القدرة على سماع أصوات الحرب، بل تمتد إلى حقهم في معرفة ما يجري حولهم، والحصول على تحذير مفهوم وفي الوقت المناسب، واتخاذ قرار قد يصنع الفارق بين الحياة والموت.

وتتحدث عائلة الشاب الأصم أحمد مصباح أن العائلة تلقت في أحد الأيام بلاغ إخلاء سريع للمنزل، وكان أحمد نائماً في فراشه، ونتيجة لحالة الخوف وسرعة الهرب من البيت، تُرك أحمد في فراشه وهو لا يدري ما يجري حوله من إخلاء وخوف، حتى قصفت الطائرات البيت فوق رأسه.

يقول أبو ناصر والد أحمد، في حديثه لـ«المجتمع»: كانت الحرب بالنسبة لي معاناة، وإعاقة أحمد معاناة ثانية، نتيجة لخروجه المتكرر من المنزل، حيث كنا نخشى على حياته، وعند النزوح نجد صعوبة في توصيل المعلومة له عن مكان الإخلاء وما الطرق الآمنة، أما خلال ساعات الليل تتضاعف الصعوبات عندما تنقطع الكهرباء وتغيب الإضاءة، إذ تصبح متابعة حركة المحيطين به والتواصل البصري معهم أكثر صعوبة.

غياب الإنذارات المرئية

بدوره، يقول اختصاصي السمعيات أحمد شاهين: تشكل الحرب معاناة كبيرة جداً على مرضى الإعاقة السمعية وعلى ذويهم أيضاً، في حين ليست الإعاقة السمعية وحدها ما تضع هؤلاء أمام الخطر، بل أيضاً غياب وسائل التحذير التي تراعي احتياجاتهم، وصعوبة الوصول إلى المعلومات العاجلة، وتشتت الأسر بفعل النزوح، فضلاً عن تضرر المؤسسات والخدمات التي كانت توفر لهم الدعم والتواصل.

وبيَّن، في حديثه لـ«المجتمع»، أن خطورة الواقع الذي يعيشه الصم في غزة يزداد مع غياب أنظمة إنذار مبكر تراعي احتياجاتهم، إذ لا تكفي التحذيرات الصوتية وحدها لضمان وصول المعلومات إلى جميع السكان، فالشخص الأصم يحتاج إلى وسائل بديلة، مثل الرسائل النصية العاجلة، والتنبيهات الضوئية، والإشعارات المرئية الواضحة، والمعلومات المترجمة إلى لغة الإشارة الفلسطينية.

وأوضح، في حالات القصف المفاجئ، أنه قد لا يملك الشخص الأصم الوقت الكافي لفهم ما يحدث من حوله، خصوصاً إذا كان وحيداً أو بعيداً عن أفراد أسرته، وقد يعتمد على حركة الناس في الشارع، أو ملاحظة اهتزاز النوافذ والمباني، أو رؤية الدخان والغبار، وهي مؤشرات قد لا تمنحه وقتاً كافياً للفرار.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة