الضفة الغربية.. بين الاقتحام والحياة اليومية
في الضفة
الغربية، لا تعيش العائلات الفلسطينية يومها كما تعيشه بقية الشعوب، هنا، الزمن
غير مستقر، والمكان قابل للاقتحام في أي لحظة، والحياة اليومية تُدار على إيقاع
القلق، لا يحتاج الفلسطيني إلى حدث استثنائي ليشعر بالخطر؛ فالاعتيادي نفسه بات
مثقلًا بالتهديد؛ الاقتحام لم يعد خبرًا عاجلًا، وإنما جزء من المشهد العام،
يتداخل مع تفاصيل العمل والتعليم والعائلة، ويعيد تشكيل معنى الحياة تحت الاحتلال.
مساحات مكشوفة
تبدأ الحكاية
غالبًا قبل الفجر؛ الأحياء السكنية، التي يفترض أن تكون أكثر الأماكن أمانًا تتحول
إلى مساحات مكشوفة، قوات الاحتلال تدخل دون سابق إنذار، تطوّق المنازل، وتفرض
واقعًا قسريًا لساعات، يقول أحد السكان ممن شهدوا اقتحامًا متكررًا لمنطقته: «لا
ننام بعمق، أي صوت في الليل قد يكون بداية اقتحام، الأطفال يستيقظون قبل أن نفهم
ما يجري».
أثر الاقتحامات
لا يتوقف الأثر
عند لحظة الاقتحام نفسها، بل يمتد بعدها، الأبواب المكسورة تُرمم، لكن الشعور
بالأمان لا يعود، البيت الذي كان مساحة خاصة يصبح مكانًا هشًا، قابلًا للاختراق في
أي وقت؛ ما يترك أثرًا نفسيًا عميقًا، خصوصًا لدى الأطفال وكبار السن.
أدوات يومية
ومع انقضاء
ساعات الليل، يحاول الناس استعادة إيقاع يومهم، الصباح في الضفة الغربية لا يبدأ
بخطة واضحة، بل بمحاولة الوصول إلى العمل، ومحاولة فتح متجر، ومحاولة العبور من
حاجز إلى آخر، والحواجز العسكرية، الثابتة والمتحركة، تحولت إلى أدوات يومية
لإعادة ترتيب حياة الفلسطينيين قسرًا، أحد العمال يصف رحلته اليومية قائلًا: «أخرج
قبل شروق الشمس، قد أصل عملي، وقد أبقى عالقًا لساعات، أو أُعاد من حيث أتيت، لا
أحد يملك إجابة».
تعطيل متكرر
هذا الواقع ترك
أثرًا مباشرًا على الوضع الاقتصادي؛ من تعطيل متكرر للأعمال، وخسائر يومية، وضغط
متواصل على العائلات التي تعتمد على دخل محدود، ورغم ذلك، يصرّ كثيرون على
المحاولة يومًا بعد يوم، لأن التوقف عن العمل يعني الانزلاق السريع نحو الفقر، وهو
ما يبدو جزءًا من سياسة أوسع لخنق الحياة الاقتصادية.
مشهد غير مألوف
وفي موازاة ذلك،
يسير الأطفال نحو مدارسهم وسط مشهد غير مألوف لطفولة طبيعية، بعضهم يمر عبر
الحواجز، وبعضهم يشهد اقتحامات في طريقه، وآخرون يعودون إلى بيوتهم قبل الوصول، داخل
الصفوف، لا يغيب ما يحدث في الخارج، تقول معلمة تعمل منذ سنوات في إحدى مدارس شمال
الضفة: «نلاحظ تغيرًا واضحًا في سلوك الطلبة، القلق حاضر، والأسئلة أكبر من
أعمارهم».
العملية التعليمية
التعليم في
الضفة الغربية لم يعد عملية مستقرة، وإنما جهد يومي للحفاظ على الحد الأدنى من
الاستمرارية، فالانقطاعات المتكررة، والغياب القسري، والضغط النفسي، كلها عوامل
تؤثر في التحصيل الدراسي، ومع ذلك، يواصل المعلمون والطلبة العملية التعليمية
بوصفها شكلًا من أشكال التمسك بالمستقبل.
داخل البيوت
تتحمل العائلة عبئًا مضاعفًا، فالنساء، على وجه الخصوص، يجدن أنفسهن في مواجهة
مهمة شاقة؛ احتواء الخوف، وحماية الأطفال نفسيًا، وإعادة ترتيب الحياة بعد كل
اقتحام، تقول إحدى السيدات: «نحاول أن نبدو هادئات أمام أطفالنا، نخفي خوفنا،
لأنهم إن شعروا به، سينهارون».
القلق لا يغادر
المنزل بسهولة، ينعكس في الأرق، في التوتر، وفي الاستعداد الدائم لطارئ جديد، والاقتحام،
حتى بعد انتهائه، يظل حاضرًا في الذاكرة، ويؤثر في العلاقات الأسرية وفي الشعور
العام بالاستقرار.
فكرة مؤجلة
في القرى
والمخيمات، تتشابه الشهادات بشكل لافت، اختلاف المكان لا يغيّر من جوهر التجربة،
أحد المواطنين يختصر المشهد بقوله: «نعيش يومًا بيوم، الغد فكرة مؤجلة»، ويضيف
آخر: «نحن لا نطلب الكثير، فقط أن تمر الليلة بسلام».
هذه الشهادات،
التي فضّل أصحابها عدم ذكر أسمائهم خوفًا من الملاحقة، تكشف أن ما يجري ليس سلسلة
حوادث منفصلة، وإنما واقع ممنهج يُفرض على مجتمع كامل، ويستهدف قدرته على الشعور
بالأمان والاستقرار.
غطاء كامل
سياسيًا، يتزامن
هذا الواقع مع تصعيد واضح في سياسات الحكومة «الإسرائيلية»، التي توفر غطاءً
كاملًا لعمليات الاقتحام والاعتقال، وتتعامل مع الضفة الغربية كساحة مفتوحة
للإجراءات الأمنية، دون اعتبار حقيقي للأثر الإنساني.
وفي ظل غياب ضغط
دولي فاعل، يبقى المدنيون الفلسطينيون في مواجهة مباشرة مع هذا الواقع، دون حماية
تُذكر.
ورغم كل ما سبق،
لا تتوقف الحياة في الضفة الغربية، بعد كل اقتحام، تُعاد فتح المدارس، وتُرمم
البيوت، ويخرج الناس إلى أعمالهم من جديد، هذا الاستمرار لا يعني التكيّف مع
الظلم، بل رفضه عبر التمسك بالحياة، فالصمود هنا لا يُرفع كشعار، بل يُمارس في
التفاصيل اليومية، في الإصرار على التعليم، في الحفاظ على العمل، وفي حماية
الأطفال من اليأس.
بين الاقتحام والحياة اليومية، يقف الفلسطيني كل صباح أمام خيار واحد؛ الاستمرار، لا لأنه لا يشعر بالخوف، بل لأنه يدرك أن التمسك بالحياة، في حد ذاته، فعل مقاومة.
الهوامش
- 1 شهادات ميدانية مباشرة لمواطنين فلسطينيين من مدن وقرى ومخيمات في شمال ووسط الضفة الغربية (تم حجب الأسماء لدواعٍ أمنية).
- 2 مقابلات مع معلمين وموظفين في القطاعين التعليمي والخدمي داخل الضفة الغربية.
- 3 متابعة ميدانية للصحفي خلال تغطيات ميدانية متواصلة.
- 4 تقارير حقوقية صادرة عن منظمات فلسطينية ودولية تُعنى برصد انتهاكات الاحتلال في الضفة الغربية.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً