الطبيبة سيتي حسيمة

زوجة مهاتير محمد.... شراكة في صناعة الحضارة

زوجة مهاتير محمد.... شراكة في صناعة الحضارة

لا يمكن الحديث عن النهضة الحديثة لماليزيا وتحولها الشامل من دولة زراعية نامية إلى قوة اقتصادية وصناعية بارزة في آسيا دون التوقف أمام النموذج الاستثنائي للثنائي الشهير د. مهاتير محمد، وزوجته د. حسيمة بنت محمد علي.

فخلف كل خطة تنموية طموحة، ورؤية نهضوية امتدت عبر عقود من الزمان، كانت تقف امرأة لم تكتفِ بدور الدعم المعنوي والأسري، بل كانت شريكة فعلية وطبيبة ورائدة في العمل الاجتماعي والصحي؛ ما جعلها ركناً أساسياً في بناء الإنسان الماليزي الذي قام عليه هذا التحول.

سيتي حسيمة ومرحلة التأسيس والصعود

السند الحقيقي لمهندس النهضة الماليزية خلال الأعوام 1976 – 2026م التي تمثل مرحلة التأسيس والصعود التنموي الصارم الذي قاده مهاتير محمد لتنفيذ «رؤية 2030»، فقد تحمّلت د. حسيمة العبء الأكبر في الحفاظ على استقرار الأسرة ورعاية الأطفال؛ ما وفر لمهاتير البيئة المستقرة والداعمة لاتخاذ القرارات المصيرية والتفرغ التام لبناء اقتصاد الدولة وصناعاتها.

فقد كان حضورها إلى جانبه يتسم بالتواضع والرقي والدفء الإنساني، وهو ما أضفى صبغة اجتماعية وإنسانية حانية على الدولة الماليزية.

فلم تكن مجرد بروتوكول رسمي في الزيارات والتنقلات، بل كانت صوتاً يعبر عن نبض الشارع وهموم الأسر والنساء والشباب.

دور سيتي حسيمة في بناء النهضة الماليزية

أولاً: نشأتها:

حيث ولدت عام 1926م في منطقة كالانغ بولاية سيلانغور، وفي زمن كانت فيه فرص التعليم العالي أمام المرأة الملايوية محدودة للغاية وبصفة عامة في الأرخبيل المالايوي، فقد استطاعت بفضل إصرارها أن تكون واحدة من أولى النساء المسلمات والملايويات اللاتي التحقن بـ«كلية الملك إدوارد السابع للطب» في سنغافورة (التي أصبحت لاحقاً جزءاً من جامعة ملايا) وتخرجت فيها عام 1955م.

لم تكن دراستها للطب مجرد إنجاز شخصي، بل كانت بداية لرسالة حياة؛ إذ التقت هناك بزميل دراستها وشريك عمرها مهاتير محمد، وتزوجا في عام 1956م لتنطلق رحلة ثنائية مبنية على الشغف بالخدمة العامة والتفاني في النهوض بالمجتمع.

ثانياً: تطورها العلمي والعملي في الحياة الماليزية القديمة إلى الحياة المعاصرة ومواكبة الحضارة والتقدم بين دول العالم المتقدم:

فقد مُنحت في عام 2019م، اللقب الفخري «أم الأمة» (Ibu Negara) تقديراً لإسهاماتها الواسعة في المجالات الإنسانية والصحية والتعليمية والتربوية والثقافية والتكنولوجيا والعلاقات الدولية، والمساعدات العالمية للكثير من المنظمات الإقليمية والعالمية.

وفي عام 2003م، نالت لقب «تون» (Tun)؛ وهو أرفع وسام في البلاد، لتصبح بذلك أول زوجة لرئيس وزراء ماليزي تحصل على هذا التكريم المرموق استناداً إلى استحقاقها الشخصي ودورها الوطني.

ثالثاً: دورها في النهضة كطبيبة وزوجة وأم ودبلوماسية:

كرّست خلفيتها الطبية لخدمة التنمية البشرية التي أطلقتها الدولة كنموذج «طبيبة الشعب»، وشاركت في النهضة الصحية والرعاية الأسرية لتطور المجتمع الماليزي بتنوعه العرقي والثقافي والديني.

وعندما تولى د. مهاتير محمد مسؤوليته القيادية البارزة في الحكومة وصعوده إلى منصب رئيس الوزراء عام 1981م، تمثلت إسهاماتها الرائدة في زمن التحديات للرعاية بثقافة الأمومة والطفولة في الأرياف وفي ماليزيا بشكل عام، وعملت كأول امرأة تتولى منصب مسؤول الصحة للأمومة والطفولة في الولاية.

وقادت حملات ميدانية للتوعية بالصحة العامة والتغذية، والتطعيمات، والتخطيط الأسري؛ ما أسهم بشكل مباشر في خفض معدلات وفيات الأمهات والأطفال الرضع وتوفير بيئة صحية للأجيال التي بنى عليها مهاتير نهضته الاقتصادية.

رابعاً: ساهمت أيضاً في دور فاعل لمكافحة الآفات الاجتماعية ومنها المخدرات والتغذية غير الصحيحة:

قادت د. حسيمة الجمعية الخيرية لزوجات الوزراء والوزراء المساعدين، وترأست حملات وطنية مكثفة للتوعية بأخطار المخدرات لحماية الشباب الماليزي، ومثلت ماليزيا في مؤتمرات دولية بارزة كالمؤتمر الدولي لمكافحة المخدرات في فيينا وواشنطن وكوريا الجنوبية وجنوب أفريقيا وبريطانيا، من خلال نقل أفضل إستراتيجيات التوعية وإعادة التأهيل إلى المنظومة الوطنية الماليزية، وعمل المبادرة الماليزية بناء على هذه التجارب في مواجهة هذه الآفات المجتمعية.

خامساً: كان لها الدور الكبير في تطور القطاع الصحي في ماليزي ودعم قضايا الصحة النفسية والارتقاء بتمكين المرأة:

ساهمت دولياً ومحلياً في دعم قضايا الصحة النفسية بالتعاون مع منظمات عالمية، كما ركزت على النهوض الاقتصادي والاجتماعي للمرأة الريفية في منطقة الآسيان (ASEAN)، وأدت دوراً كبيراً في توثيق أواصر التعاون الاجتماعي والاقتصادي بين دول رابطة جنوب شرق آسيا (آسيان) عبر ريادة البرامج المشتركة لتطوير تمكين المرأة والشباب في اقتصاد المنطقة مع السياحة العلاجية والتعليمية والاقتصادية.

وأدت دوراً في دعم الاستثمارات الرعاية الصحية والسياحة العلاجية بفضل خلفيتها الطبية، وساهمت في الترويج للمؤسسات الصحية الماليزية والقطاع الطبي؛ ما وضع اللبنات الأولى لصناعة السياحة العلاجية وتصدير الخدمات الطبية الماليزية دولياً.

سادساً: ساهمت في قطاع التعليم والنهوض به على مستوى عالمي:

فقد عُينت كأول رئيسة لـ«جامعة الوسائط المتعددة» (Malaysia Multimedia University - MMU) عام 1997م، وساهمت في تشجيع دخول الشباب والفتيات في مجالات العلوم والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي.

واستغلت خلفيتها الطبية لتطوير برامج رعاية صحة الطلاب في المدارس الابتدائية، وخاصة في المناطق الريفية، وكانت تؤمن بأن الطفل الصحيح جسدياً ونفسياً هو الوحيد القادر على الاستيعاب الدراسي»، فقد ساهمت في دعم مشاريع التغذية المدرسية بالتعاون مع المنظمات الدولية والمحلية للحد من حالات سوء التغذية بين طلاب المدارس في القرى.

وتكمن فرادة تجربتها في أنها ربطت التعليم بالصحة والتنمية المجتمعية؛ ما خلق بيئة تمكينية أعدّت أجيالاً قادرة على قيادة التحول الاقتصادي لماليزيا.

سابعاً: الأثر الممتد ونموذج ملهم للمستقبل:

ساهمت مع زوجها مهندس الحضارة الماليزية في بناء العاصمة السياسية «بوتراجايا» (Putrajaya) التي شكلت دمَج للهوية الثقافية والملايوية في التصاميم العمراني الحديث للمباني الحكومية والمؤسسات، للحفاظ على الأصالة الماليزية وسط النهضة العمرانية الشاهقة، مع ضمان توفير مساحات خضراء، ومراكز صحية، وبيئة صالحة لنمو الأسرة وتحقيق بيئة خضراء حتى بعد مرور عقود طويلة وصولاً إلى عام 2026م.

ويظل إرث الدكتورة حسيمة حياً في الذاكرة الوطنية لماليزيا كرمز للوفاء، والعطاء، والتمكين الإيجابي للمرأة المسلمة والمعاصرة، حيث أثبتت ماليزيا للعالم من خلال تجربة هذا الثنائي التاريخي أن خلف كل قائد عظيم ونهضة أمة عظيمة، امرأة لا تقل عنه إيماناً بالوطن وتضحية في سبيل مستقبله.

وأخيراً، إن النموذج الذي قدمته د. حسيمة بنت محمد علي برهن على أن النهضة الشاملة لأي أمة لا تتوقف عند حدود المصانع والمطارات وناطحات السحاب، بل تبدأ من الأسرة، والصحة المدرسية، ورعاية الأم والطفل، والتعليم.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة