الطريق إلى مكة.. تجارب شعورية بقلوب غربية

الطريق إلى مكة.. تجارب شعورية بقلوب غربية

منذ أن أمر الله تعالى النبي إبراهيم عليه السلام أن يؤذن في الناس بالحج، وفد إلى بيت الله الحرام بمكة المكرمة ملايين البشر، ولكل واحد منهم قصة وجدانية خاصة تعيش معه طوال حياته.. ومن دخل منهم في الإسلام قبيل حجهم فإن تجاربهم، التي وثّقوها في كتاباتهم، أصدق وأقوى وأعمق، تهتز لها مشاعرنا قبل مشاعرهم. وفي هذا المقال نقدم بعض نماذجهم.

الطريق إلى مكة.. «لن تكون غريباً بعد الآن أبدًا أبدًا»

ففي كتابه «الطريق إلى مكة» الذي أصدره باللغة الإنجليزية تحت عنوان «الطريق إلى الإسلام»، عبر محمد أسد (النمساوي اليهودي المفكر الصحفي الذي أسلم 1926م، وكان اسمه ليوبولد فايس)، عبّر عن تأثره واعتبر تجربة الحج ولادة روحية جديدة، وأقوى تجربة مر بها في حياته. انبهر محمد أسد بمشهد الحجاج وهم يرتدون ملابس الإحرام البيضاء وينشدون بصوت عالٍ ومفعم بالإيمان: «لبيك اللهم لبيك»، رأى في تلك اللحظة تتويجًا لسنوات طويلة من البحث الروحي.

وحينما وصل إلى الكعبة، التي كانت ولا تزال محط أشواق الملايين الكثيرة الذين بذلوا تضحيات عظيمة للوصول إليها، شعر أن الكعبة رمز لوحدانية الله "وحركة الحاج الجسمانية من حولها هي التعبير الرمزي للنشاط الإنساني، ومضمونه أن أفكارنا ومشاعرنا ليست وحدها التي يجب أن يكون محورها لله، بل كذلك حياتنا الخارجية الناشطة وأفعالنا ومساعينا العملية". 

وفي فيض من المشاعر النفسية عن عرفات يقول: «وإذ وقفت على رأس التلة أحدق إلى أسفل نحو سهل عرفات، شعرت كأن زرقة الأرض أمامي التي كانت ميتة منذ لحظة قد دبت فيها الحياة من جديد بتلك التيارات من الأنفس البشرية التي مرت عبرها وامتلأت بالأصوات تصدر عن ملايين الرجال والنساء الذين مشوا أو ركبوا بين مكة وعرفات في أكثر من ألف وثلاثمائة حجة.. إن أصواتهم وخطواتهم تستيقظ وتسمع من جديد، كل تلك الملايين من الحجاج بثيابهم البيضاء، إني أسمع أصواتهم المنقضية وأجنحة الإيمان الذي جذبهم معا إلى هذه الأرض من الصخور والرمال فتنبض بدفء الحياة فوق قوس القرون ويجذبني صفيق الجناح القوي إلى مداره ويجذب ما تقضى من أيامي إلى الحاضر».

«ومرة أخرى أراني راكبًا فوق سهل عرفات وسط ألوف وألوف من الحجيج في ثياب الإحرام عائدين إلى مكة.. ويخيل إلى أننا طائرون مع الريح منغمسون في سعادة لا تعرف نهاية ولا حدودا.. وتزعق الريح في أذني بنشيد النصر: إنك لن تكون غريبا بعد الآن أبداً، أبداً» إخوان لي على اليمين وإخوان لي على اليسار كلهم لا أعرفهم ولكن أحدا منهم ليس غريبا عني، فنحن في فرحة سباقنا المضطربة جسم واحد يسعى إلى هدف واحد. إن العالم أمامنا لفسيح، وفي قلوبنا تتألق الشرارة التي اشتعلت في قلوب صحابة النبي صلى الله عليه وسلم.

إن إيمانهم يدفعهم الآن دفعا إلى الأمام كأنهم بنيان واحد نحو آفاق غير محدودة، والحنين لم يعد بحاجة أن يبقى مكتوماً فلقد وجد يقظته، وجد وعد الله متمماً، وفي هذا الإتمام يخطو الإنسان خطوات واسعة بكل ما وهبه الله من بهاء وسناء؛ خطوه بهجة، ومعرفته حرية، وعالمه دائرة دونما حدود»(2).

من مكة إلى الإسلام.. «لم أشهد طوال حياتي مثل هذه الأخوة الصادقة والمخلصة»

أما مالكوم إكس، الثائر الأمريكي المدافع عن حقوق السود، ذكر في مذكراته أن رحلته كانت «من مكة إلى الإسلام» حيث كان إسلامه الحقيقي بعيد حجه عام 1964م، وسمى نفسه الحاج مالك شباز.. وقال: «لقد وسّع الحج نطاق تفكيري وفتح بصيرتي فرأيت في أسبوعين ما لم أره في تسعٍ وثلاثين سنة».

تأثّر مالكوم تأثرًا شديدًا بمشهد الكعبة وأصوات التلبية وبساطة وإخاء المسلمين، فرأى الإسلام الصحيح عن كثب وتعرف على حقيقته، وأدرك ضلال المذهب العنصري الذي كان يعتنقه ويدعو إليه، كما تعلم هناك الصلاة الصحيحة التي كان يجهلها تماماً.

ويقول: «لقد أكرمني الله بالوقوف على جبل عرفات، وهناك كان يوجد عشرات الآلاف من الحجاج من جميع أنحاء العالم، كانوا بمختلف الألوان، فمنهم الأشقر أزرق العينين، ومنهم الأفريقي ذو البشرة السوداء، لكننا جميعًا كنا نؤدي شعيرة واحدة، مظهرين روح الوحدة والأخوة التي لم أكن أظن -حسب تجربتي في أمريكا- أنها من الممكن أن توجد بين الأبيض وغير الأبيض»، «إنني لم أشهد طوال حياتي مثل هذه الأخوة الصادقة والمخلصة التي تمارس بين الأشخاص بصرف النظر عن لونهم».

ويقول مالكوم عن الحج: «خلال الأيام التي قضيتها في العالم الإسلامي أكلت من إناء واحد وشربت من كأس واحدة ونمت على سجاد واحد وأنا أعبد ربا واحدا مع مسلمين عيونهم زرقاء وشعورهم شقراء وجلدهم أبيض.. رجال وجدت في إخلاصهم الإخلاص نفسه الذي وجدته عند المسلمين السود القادمين من نيجيريا والسودان وغانا.. وأذكر ليلة نمنا فيها في المزدلفة تحت السماء واكتشفت أن الحجاج المنتمين إلى كل أرض ولون وطبقة ورتبة، كلهم يُغطّون بلفة واحدة»(3).

رحلة إلى مكة

«ألا يمكننا القول: إن الطواف يسلم المرء إلى الله؟ أليست زمزم هي الحياة والكينونة؟ ويوم عرفة ألا يجعلنا نتوقع يوم القيامة؟ والمزدلفة أليست هي الظلام الذي يسبق اليوم الجديد؟ ومنى ألا تمثل الوفاء من خلال نحر الأضحية؟ وخلع ملابس الإحرام بمنى.. ألا يعني حياة جديدة؟».

في كتابه «رحلة إلى مكة»، عبّر مراد ويلفريد هوفمان (المفكر والدبلوماسي الألماني الذي أسلم عام 1980م) عن مشاعر دافقة حين شبّه الناظر من الطابق الأعلى في المسجد الحرام أنه «يكاد يكون كالتنويم المغناطيسي، فالمشهد شديد الجمال، فالكعبة تبدو كمركز ثابت لا يتحرك لأسطوانة تدور ببطء وفي سكون تام.

ولا يتغير هذا المشهد إلا عند الصلاة حيث تصير الكعبة مركزا لدواثر عديدة متحدة المركز تتكون من مئات الآلاف من أجسام ناصعة البياض لأناس يرغبون في شيء واحد، ويبحثون عن شيء واحد، ويفعلون الشيء ذاته رمزا لتسليم النفس إلى بارئها.

ويحيط بفناء المسجد الذي تتوسطه الكعبة عدة طوابق من الرخام الأخضر اللون ويحيط بالكعبة سبع مآذن مثلما يحيط الإطار بالجوهرة».

ويصف جمال يوم عرفة: «كان يوماً طويلاً رائعاً، كان يوماً للتأمل والسلام، يوماً للصلاة وللأحاديث القيمة، لم أكن قد عايشت مثل هذا التوجه الكامل إلى الله بكل هذا الصفاء الداخلي الباهر، فلا شيء يوم عرفة سوى مناجاته. وهنا يتجسد نداؤنا الدائم: لبيك اللهم لبيك.

هذا إذن هو معنى الوقوف بين يدي الله بعرفات؛ ملايين من الناس يتشحون بأكفان ويتركون في هذا اليوم كل شيء وراء ظهورهم، فوجودهم اليوم مكرس لله وحده، يتوقعون موتهم، يصلّون ويتضرعون في خشوع ويقين لم يحدث من قبل، ولن يحدث في الغالب من بعد»(4).

الهوامش
  • 1 الطريق إلى مكة، محمد أسد، ترجمة عفيف البعلبكي، دار العلم للملايين، بيروت، 1976م.
  • 2 ملكوم إكس.. سيرة ذاتية، أليكس هالي، ترجمة ليلى أبو زيد، بيسان للنشر والتوزيع، 1996م.
  • 3 رحلة إلى مكة، مراد هوفمان، دار الشروق، القاهرة، 1998م.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة