الطلاق.. عندما يتحول الانفصال بين زوجين إلى مناسبة للاحتفال!

أسامة الهتيمي

14 أكتوبر 2026

10

الاحتفال بالطلاق

ربما لم تكن تتوقع المؤثرة اللبنانية شروق محمد يوسف ظاهر المعروفة باسم «شروق صن شاين» أن يتحول احتفالها بانتهاء زواجها إلى واحدة من أكثر الوقائع إثارة للجدل بين الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام العربية، فاتحة الباب واسعاً أمام تساؤلات حول ما إذا كان إعلان الطلاق قد غادر دائرة الخصوصية الأسرية ليصبح مناسبة للاحتفال العلني، أم أن ما قامت به شروق لا يعدو كونه واقعة فردية لا تعكس بالضرورة ظاهرة أوسع.

ولعل ما منح الواقعة هذا الزخم أنها لم تقتصر على مجرد إعلان الانفصال، ففي أغسطس من العام الجاري.

غرائب الاحتفال بالطلاق

لم تكتفِ شروق بالإعلان عن طلاقها من زوجها المؤثر اللبناني أيضاً جورج ديب المعروف باسم «دكتور فود»، وإنما نظمت احتفالاً كبيراً بهذه المناسبة أتاح للجمهور حضوره مقابل تذاكر تراوحت قيمتها بين 50 دولاراً للتذكرة العادية، و100 دولار لتذكرة كبار الشخصيات.

ولم تتوقف مظاهر الاحتفال عند هذا الحد؛ إذ كشفت شروق عن بيع خاتم زواجها الألماسي الذي قدرت قيمته بنحو 10 آلاف دولار وتحويل ثمنه إلى خواتم ذهبية توزع على بعض الحاضرات.

فيما تخلل الحفل موسيقى وهدايا وتصوير مكثف لتبدو المناسبة أقرب إلى احتفال بانطلاقة جديدة منها إلى مجرد تجمع عقب انتهاء علاقة زوجية.

وأمام هذه التفاصيل، انقسم المتابعون بين فريق رأى في تصرف شروق ممارسة لحقها في التعبير عن انتهاء تجربتها الزوجية بالطريقة التي تختارها، فيما انتقد آخرون تحويل الطلاق إلى حفلة عامة لا سيما حين تقترن بتذاكر وجمهور وتصوير ومحتوى قابل للانتشار، وبما ينقل الانفصال من دائرة الخصوصية إلى فضاء الاستعراض والتسويق، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤل: هل نحن أمام وقائع استثنائية فرضتها طبيعة حياة المشاهير والمؤثرين، أم أن الاحتفال بالطلاق بدأ يتحول إلى ظاهرة تتجاوز هذه الدائرة؟

حالات أخرى للاحتفال بالطلاق

ولا تبدو واقعة شروق الأولى من نوعها عربياً، وإن اكتسبت زخماً خاصاً بسبب طبيعة الحفل، ففي مصر أثارت الممثلة هالة صدقي عام 2012م الجدل، حيث أقامت حفلاً بعد حصولها على الطلاق عقب نزاع قانوني طويل مع زوجها.

وتكرر المشهد في فبراير 2021م مع المؤثرة بهيرة منتصر التي احتفلت بطلاقها وسط صديقاتها مستخدمة البالونات والحلوى والتصوير التذكاري، وقالت: إنها أرادت أن تفرح بعد فترة من الأذى النفسي، وأن تستعيد قدرتها على مواصلة حياتها.

وفي الكويت، أثارت الفنانة أبرار جدلاً، في نوفمبر 2022م، بعدما أعلنت طلاقها رسمياً، ثم احتفلت بانتهاء زواجها وسط والدتها وبناتها وعدد من صديقاتها، بينما لم يقتصر الأمر على أجواء الرقص والموسيقى، بل امتد إلى قالب حلوى حمل عبارة «مبروك الحصول على الحرية».

وفي السعودية، ظهرت أيضاً نماذج لافتة من هذا النوع، من بينها احتفال المؤثرة أميرة الناصر بطلاقها في يناير 2020م، حين ارتدت فستاناً أبيض كان قد صمم لذكرى زواجها قبل أن تقرر ارتداءه في حفل انفصالها، مؤكدة أنها أرادت أن تثبت لنفسها ولغيرها أن الحياة لا تتوقف بانتهاء الزواج.

احتفالات مشابهة للاحتفال بالطلاق

ولا تقتصر الظاهرة على الفنانات والمشاهير، وإنما امتدت أيضاً لسيدات غير معروفات، ومن ذلك ما أثارته المحاسبة المصرية دينا عبدالله سليمان من اهتمام واسع عام 2018م لإقامتها حفلاً للاحتفاء بطلاقها عقب زواج لم يستمر سوى 40 يوماً، بينما استغرقت رحلة إنهاء العلاقة نحو عامين من النزاعات والإجراءات.

وفي يونيو 2020م، تداولت منصات التواصل صوراً لفتاة فلسطينية غزاوية تدعى فداء أقامت احتفالاً بطلاقها؛ الأمر الذي أثار نقاشاً حول مدى تقبل المجتمع لمثل هذه الممارسات.

ورغم أن هذه الشواهد لا تكفي للقول: إننا أمام ظاهرة واسعة الانتشار، فإنها تكشف عن وجود حالات فعلية للاحتفاء بالطلاق في المجتمعات العربية، وإن بدا حضورها أوضح بين الفنانات والمشاهير والمؤثرات؛ الأمر الذي يجعلها جديرة بالتوقف والتحليل لفهم الدوافع التي تقف وراءها، والعوامل التي قد تسهم في بروزها وكيفية التعامل معها في ضوء أبعادها الاجتماعية والثقافية والقيمية.

الاحتفال بالطلاق في الواقع العربي

وقد سبق حضور هذه الظاهرة في الواقع العربي تناولها في الأعمال الفنية، إذ تطرقت السينما والدراما للاحتفاء بالطلاق عبر مشاهد أثارت سخرية الجماهير التي استبعدت أن يتحول الطلاق لمناسبة احتفائية، ورأت في ذلك مفارقة تتنافى مع نظرة المجتمع للطلاق بوصفه تجربة مؤلمة.

ومن نماذج ذلك فيلم «حلاق السيدات» عام 1960م الذي قدم مشهداً كوميدياً لحفل طلاق تقيمه إحدى الشخصيات في معالجة بدت أقرب للمبالغة الفنية التي يصعب تصور حدوثها في الواقع.

كما تكشف بعض التجارب عن جذور أقدم لهذه الممارسة، ففي موريتانيا مثلاً رصدت تقارير صحفية تقاليد احتفالية لدى بعض النساء بعد انتهاء فترة العدة، تتضمن الزينة والحناء والغناء في سياق اجتماعي ينظر للطلاق باعتباره فرصة لبداية جديدة.

وتدل هذه الشواهد على أن الاحتفاء بانتهاء الزواج ليس وليد مواقع التواصل الاجتماعي، وإن كانت هذه المنصات قد منحته حضوراً أوسع وأضفت عليه طابعاً استعراضياً وتسويقياً.

الميزان الشرعي للطلاق

رغم أن الإسلام أحل الطلاق، فإنه لم يقدمه باعتباره مناسبة للابتهاج أو التشفي، وإنما ينظر إليه بوصفه إنهاء لرابطة زوجية ينبغي أن تحكمها آداب الفراق كما حكمتها حقوق المعاشرة، وهو ما تؤكده الآية الكريمة: (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) (البقرة: 229).

من هذا المنطلق، فإن إقامة حفلات صاخبة للاحتفاء بالطلاق ولا سيما إذا اقترنت بالتفاخر أو الإساءة إلى الطرف الآخر أو ارتكاب محظورات شرعية لا تتفق مع مقاصد الشريعة وآدابها.

فالإسلام حرص على ألا يتحول الخلاف إلى خصومة ممتدة تمحو ما كان بين الزوجين من مودة، خاصة وأن آثار زواجهما قد لا ينتهي بالطلاق إذ تظل بينهما روابط ومسؤوليات مشتركة.

ويأتي في مقدمة هذه المسؤوليات المشتركة الأبناء الذين لا ينفصل ما يجري بين والديهم عن الحالة النفسية عليهم، فحين يتحول الطلاق إلى مناسبة للتشهير أو السخرية أو تبادل رسائل الانتقاص، قد يجدوا أنفسهم في قلب صراع لا ذنب لهم فيه، ويشعرون بأن عليهم الانحياز إلى أحد الوالدين.

ومن المسؤوليات أيضاً الحفاظ على العلاقات العائلية، فالتداعيات المحتملة لمثل هذه الاحتفالات لا تقف عند الأبناء، فالمبالغة في إظهار الشماتة أو الإساءة قد تقطع ما تبقى من حبل الود، وتغلق أبواب التواصل والتفاهم، وربما تجعل أي محاولة لاحقة للمصالحة أو استعادة العلاقة أكثر صعوبة.

يبقى أن التخوف الأكبر أن تتحول هذه الاحتفالات بفعل التقليد من حالات فردية محدودة إلى سلوك آخذ في الانتشار، بما قد يحمله ذلك من تداعيات تؤثر على نسيج المجتمع نفسه، حيث تتراجع فرص الاحتواء والتفاهم عند نشوب الخلافات الزوجية، ويحل الحذر والتحفز وسوء الظن محل الطمأنينة والثقة.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة