العام الهجري.. بين غار ثور وصحراء التيه
إن الصدّيق أبا
بكر رضي الله عنه في حادث الهجرة يمثل رمزية واعية لكل الأجيال، التي تقرأ ما بين
السطور دون صياح، أو كثرة تساؤلات، بل تفهم محطاتها جيدة وما ينبغي فعله لكل محطة،
إنه رمز النباهة والتضحية المدروسة لكل الأجيال.
هاجر الجميع
والصدّيق يتردد على النبي صلى الله عليه وسلم، ليأذن له فيأتي الرد: «لعل الله
يجعل لك صاحباً»، هنا فهم الصديق ما بين السطور.
كان الوعي عالياً
وحاضراً تضمن الإعداد لكل شيء، فعندما جاء القرار بالهجرة لم يكن الصدّيق الصدوق
فارغ الوفاض، بل كان أعدّ لكل شيء عدته وما يخص عملية الهجرة برمتها.
لم يتكل على
موعدة ويعيش الأماني، أو حرّكته العواطف، بل الإعداد الكامل، فقد حوّل نفسه وبيته
الصغير إلى خلية نحل.
خلية صغيرة تهزم جيشاً بأكمله
هذه الخلية
الصغيرة هزمت جيشاً بأكمله إعلامياً وسياسياً، وجعلته يخرج عن صوابه ويرصد جائزة
باهظة الثمن عندما هزم أمام الرصد الاستباقي واستشراف المستقبل من بيت الصدّيق.
نجح الصديق
وأسرته في إدارة حادث الهجرة، لينتقل الصديق مع قائده الحكيم صلى الله عليه وسلم
إلى القاعدة الأمينة لتعمل جميعاً بجد في نور المدينة، بعد أن امتلكت قرارها، تحت
إشراف قائدها.
كان القرآن
حاضراً وشاهداً على نفسية الصدّيق ونجابة شخصيته ومدى قربه من نبيه صلى الله عليه
وسلم، لذا كانت الجائزة: «لا تحزن إن الله معنا»، ولم يقل: «الله معي»، بل معنا
أنا وأنت، فأنت الصدّيق الذي تستحق أن يذكرك القرآن، وأنت الصدّيق الصادق الذي لم
يخذل صاحبه ولو لحظة واحدة، أو مرة عابرة وسط الملمّات.
الصدّيق رمز النباهة لكل الأجيال
شخصية الصدّيق
رضي الله عنه تتجاوز رمزية النص لشخصه، بل هي رمزية لكل الأجيال الواعية التي تحسن
الترتيب والإعداد.
شخصية الصديق
رمز لكل الأجيال الواعية التي لا يركبها الهلع والفزع، بل تحزن فقط عندما يمس أساس
الدين، لم يكن يوماً مضطرباً أو قلقاً، بل إنه ثابت ثباتاً يليق بشخصه، فهو الوحيد
الذي لم يترك النبي صلى الله عليه وسلم في جاهلية ولا إسلام.
فمثلما كان الصدّيق
ملهماً في حادث الهجرة أعدّ لكل شيء عدته؛ لذا لا تستغرب حينما كان في سقيفة بني
ساعدة منفرداً، فكان الثبات من ثباته الأول لم يكن يوماً قلقاً.
الصدّيق الذي
كان حزيناً على إلحاق الأذى بالنبي صلى الله عليه وسلم هو اليوم يرى صاحبه مسجى،
فكما كان أولاً لا يعيش بدغدغة العواطف والمشاعر، فهو اليوم أيضاً لم يعش تحت
ضغطها، بل واجه الجميع بمفرده حتى أقروا بفضله وحافظ على ميراث صاحبه أكبر ميراث
وهو الإسلام وثبّت أوتاده من جديد.
إنه الصدّيق رمز
الإعداد ورمز العمل في هدوء دون صياح أو جعجعة أو ضجيج أو غلبة رأي للآخر، فاستحقّ
ويستحقّ: «إن الله معنا».
بنو إسرائيل وصحراء التيه
ومن غار ثور إلى
أغوار العالم القديم، هناك مع نبي الله موسى عليه السلام حينما أذن الله له
بالهجرة مع بني إسرائيل، وفي أول محطة حينما لحقهم فرعون وملأه، ركبهم الفزع: «إنا
لمدركون».
كانت النفسية
واضحة لا تحتاج إلى كبير عناء، إنه أمام محطات جديدة وطبائع نكدة متكلّسة، لم
تكترث بتغيير ناموس الكون، ولم تعد له عدة، فكان الرد القرآني: «كلا إن معي ربي
سيهدين»، ولم يقل: «معنا»، إنهم لا يستحقون بعد كل هذا الهلع والفزع، إنهم مكثرون
للسؤال والكلام، لا يحبّون العمل، بل كل محطاتهم جدل.
إنهم يحبّون
الصياح والضجيج، عشقوا وأحبوا الموائد الجاهزة، والحلول المعلّبة، لم يصبروا مع
نبيهم ولم يشاركوه آلامه ورسالته، بل بدلوا شريعته في لحظة مناجاته مع ربه؛ لذا
كانت النهاية في صحراء التيه.
صحراء التيه
أربعة عقود من الاختبار الشديد، أربعة عقود والأجيال كما هي لم تتغير، تساؤلات وأحاديث
تحوّلت إلى مكلمة دون طرح جديد أو وثبة خير أو بارقة أمل تفوح من هذه الأجيال.
كانت العاقبة
أليمة في صحراء التيه عندما توفي الله نبييه موسى، وهارون، عليهما السلام، بعد أن
تآكلت الأجيال القديمة والعائق الأكبر في بني إسرائيل، جاء يوشع بن نون رمز
الأجيال الجديدة، الذي استحقّ أن يغير الله له ناموس الكون وحبس الله له الشمس
ليقاتل وينتصر على العماليق.
إن أمة النبي
صلى الله عليه وسلم ليست كباقي الأمم ورفاق نبيه ليسوا كباقي رفاق الأنبياء، إنه
الصدّيق الأكبر رمز التحوّل في كل الملمّات لكل الأجيال.
فكما كان مع
نبيه في الغار يراه ويسمعه، هو الصديق أيضاً في سقيفة بني ساعدة لكنه من دون رفيقه
ونبيه الآن، لكنه كان ثابت الجنان بهديه وما شربه منه في إدارة الأزمات، فكان
الأكبر حساً ومعنى من بين الصحابة في ثبات هذا الدين، بل هو رمزية للطاقة المتجددة
في الأمة، التي تبثّ الثبات والأمل، والذي عبّر عنه بحق العبقري عمر: «فوالله ما
إن رأيت أن شرح صدر أبي بكر للقتال فعلمت أنه الحق».
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً