العبادة ليست جريمة.. انتصار قضائي يعيد الأمان لبيوت المسلمين في الهند

كانت الهند، لسنوات طويلة، تُقدَّم للعالم بوصفها النموذج الأبرز للتنوّع الديني والثقافي؛ بلداً يعيش فيه أكثر من مليار إنسان من ديانات وثقافات متجاورة، تجمعهم مظلّةٌ واحدة من التعدديّة والدستور الذي يفاخر بأنّه يمنح الأقليات حرية العبادة كاملة غير منقوصة، وكان يُقال دائماً إنّ نجاح أي ديمقراطية يُقاس بمقدار ما تنعم به الأقليات من احترام وحقوق، وإنّ الهند نجحت في هذا الامتحان على امتداد عقود، فالمادة (25) من الدستور واضحة: «لكل فرد الحق في حرية الدين والعقيدة وممارسة الشعائر الدينية».

غير أنّ هذا النصّ أخذ يفقد بريقه شيئاً فشيئاً في بعض المناطق خلال السنوات الأخيرة، فقد ظهرت حالات متفرّقة أثارت قلق الأقليات، خصوصاً المسلمين والمسيحيين، عندما تحوّل أداء الصلاة داخل المنازل، أو في أماكن غير رسمية، إلى قضية قانونية أو أمنية، وكأنّ الطقوس الدينية البسيطة أصبحت بحاجة إلى تبرير أو تصريحٍ مسبق.

ومع تكرار البلاغات التي سُجّلت ضد مسلمين يؤدّون الصلاة في بيوتهم، وضد مسيحيين يجتمعون لعبادة هادئة داخل منازلهم، شعر كثيرون أنّ حرية العبادة بدأت تنكمش، لتبقى أحياناً على الورق فقط، فقد داهمت الشرطة بعض البيوت، وسُجِّلت محاضر، واحتُجز أفراد دون أن يمارسوا أكثر من حقّهم الطبيعي في الصلاة.

حالات متكررة وقلق متصاعد

في أغسطس 2022م، أدى مشهد بسيط من إحدى قرى موراداباد إلى أزمة قانونية غير متوقعة، حين اجتمع 26 رجلاً من المسلمين في منزل خاص لأداء صلاة جماعية، ورغم عدم وجود أي شكاوى من الجيران أو مؤشرات على اضطراب عام، سجّلت الشرطة ضدهم قضية بموجب المادة (505) من القانون الجنائي الهندي، متهمة إياهم بالتحريض على الشغب العام بحجة عدم حصولهم على إذن مسبق.

وفي واقعة أخرى في منطقة باريلي، احتجزت الشرطة 12 رجلاً بعد انتشار مقطع فيديو يظهرهم وهم يؤدون صلاة الجمعة داخل منزل مهجور، واعتبرت السلطات ذلك خرقاً محتملاً للنظام العام، ليتم اقتيادهم إلى مركز الشرطة قبل الإفراج عنهم لاحقاً بكفالة.

وأشارت مصادر محلية إلى غياب مسجد قريب يلبي حاجة المصلين، ما دفعهم لاستخدام المنزل لأداء الصلاة، لكن شكاوى من الجيران كانت كافية لتحريك الشرطة، رغم عدم وجود نص قانوني صريح يشترط الحصول على إذن لأداء الصلاة داخل البيوت.

ولم تقتصر الإشكالات على المسلمين فقط، إذ واجه مسيحيون في ولايات متعددة بما فيها أترابراديش ملاحقات مشابهة، فقد أشارت تقارير حقوقية إلى تسجيل بلاغات ضد عائلات مسيحية كانت تعقد اجتماعات صلاة أسبوعية داخل منازلها.

كما شملت بعض القضايا اتهامات تتعلق بـالنشاط التبشيري غير المصرّح به، استناداً إلى قوانين مكافحة التحويل القسري، وفي حالات أخرى، تدخلت الشرطة بناءً على شكاوى سكان محليين، مطالبة بوقف تجمعات الصلاة المنزلية أو تأجيلها، رغم كونها تُعقد داخل ممتلكات خاصة ولا تشهد أي اضطرابات.

وأكدت منظمات معنية بالحريات الدينية أنّ بعض هذه الإجراءات تفتقر إلى الأساس القانوني، لكونها تستهدف ممارسات شخصية محضة داخل منازل الأفراد ولا تتضمن أي مساس بالنظام العام.

الإخلال بالنظام العام

هذه الحالات وغيرها، فتحت باباً واسعاً للنقاش العام حول استخدام عبارة الإخلال بالنظام العام استخداماً فضفاضاً، وكأنها مظلة يمكن أن تُعلَّق تحتها أي ممارسة دينية، حتى لو كانت داخل أكثر الأماكن خصوصية: البيت، وبينما كان هذا الجدل يتصاعد، جاء قرار محكمة الله آباد العليا ليعمل كجرس إنذار دستوري يعيد الأمور إلى نصابها.

قرار محكمة إله آباد

لم يكن الحكم مجرد ورقة قضائية، بل بدا كأنه عودة الروح إلى نصوص الدستور، تلك النصوص التي بقيت لفترة تُقرأ ولا تُنفَّذ بالروح التي كُتبت بها، فقد أكدت المحكمة بشكل قاطع أن الصلاة إذا أُديت داخل ملكية خاصة، فهي لا تحتاج إذناً من الشرطة ولا تخضع لسلطة الإدارة.

وجاء منطوق الحكم كما لو أنه يذكّر بما نسيه الكثيرون: لا حاجة لأي تصريح من الشرطة أو الإدارة لعقد الصلاة أو أي اجتماع ديني داخل الممتلكات الخاصة.

هذا الإعلان لم يكن مجرد تفسير لنص قانوني، بل كان عودة للبديهيات؛ أن البيت ليس منشأة عامة، وأن غرفة صغيرة أو فناء منزلي لا يمكن أن يتحول إلى ملف أمني لمجرد أن فيه من يرفع يديه للدعاء أو يقرأ ترنيمة أو يركع لله.

وبمجرد صدور الحكم، بدا وكأن هناك شهقة ارتياح جماعية صدرت من آلاف المسلمين والمسيحيين الذين عاشوا في السنوات الأخيرة تحت ظلال الاشتباه والبلاغات غير المبررة، فالحكم أعاد لهم الشعور بأن الدولة، رغم كل العثرات، لا تزال قادرة على حماية حق بسيط وأساسي: أن يعبد الإنسان ربه في بيته دون أن يخاف طرقاً مفاجئاً على الباب.

ترحيب واسع من القيادات الدينية والحقوقية

رحّب قادة من المسلمين والمسيحيين بقرار محكمة الله آباد العليا، معتبرين إياه تصحيحاً ضرورياً لمسار طال انحرافه، فقد وصف الناشط المسيحي المعروف جان ديال، أحد أبرز وجوه حقوق الإنسان والقيادي في المجلس المسيحي الهندي، الحكم بأنه رسالة صارمة للحكومة، مؤكداً أن ما يجري داخل البيت من صلاة أو عادات أو لباس هو شأنٌ شخصي لا يحتاج إذناً من أي جهة، وأشار إلى أن مجرد اضطرار المحكمة لتذكير الدولة بهذا الحق الأساسي يكشف حجم التراجع الذي وصلت إليه الحريات الدينية، داعياً إلى تعميم نسخة من الحكم على جميع مراكز الشرطة لمنع تدخلات غير مبررة في صلوات الناس داخل بيوتهم.

وفي السياق نفسه، رحّب مولانا محمود مدني، رئيس جمعية علماء الهند، بالقرار واعتبره تأكيداً قاطعاً للحق الدستوري في حرية العبادة المنصوص عليه في المادة 25، وقال إن السنوات الأخيرة شهدت تسجيل بلاغات واعتقالات لمجرد أداء الصلاة داخل أماكن خاصة، وكأن العبادة أصبحت مسألة أمنية، وذكّر بحادثة اعتقال 11 مسلماً في مراد آباد بداية 2026 أثناء أدائهم الصلاة في مكان خاص، مؤكداً أن الحكم الجديد يوجّه رسالة قوية مفادها أن الحقوق الأساسية ليست رهينة مزاج الإدارة.

وشدّد مدني على ضرورة احترام روح القرار، خاصة مع اقتراب شهر رمضان، قائلاً: يجب أن يُترك الناس ليؤدّوا عباداتهم دون خوف أو تدخل كما أشار إلى أن شكاوى عديدة كانت قد سُجّلت منذ عام 2023م حول تدخلات غير مبرّرة في الصلوات خلال الشهر الكريم.

لقد أظهرت التجارب الأخيرة أن حرية العبادة في البيوت تعرّضت لقيود غير مبرّرة طالت مسلمين ومسيحيين تحت ذريعة الإخلال بالنظام العام، لكن حكم محكمة الله آباد العليا في فبراير 2026م أعاد التأكيد الحاسم على أن الصلاة داخل الملكية الخاصة حقٌ دستوري لا يحتاج إلى أي إذن، وأن الدولة لا يجوز لها التدخل في عبادات الناس داخل بيوتهم، وبذلك، أعاد الحكم الاعتبار لجوهر الحرية الدينية ولحقوق الأقليات في الهند.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة