العدالة فوق القرابة.. واقعة الوليد بن عقبة

العدالة فوق القرابة.. واقعة الوليد بن عقبة

تمهيدٌ في النَّسَبِ والإسلامِ الأوَّل

هو ابنُ مَن قُتِلَ مأسورًا يومَ «بدرٍ» الكبرى بأمرِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، ولم يُقتَلْ من الأسرى يومئذٍ سِواه والنَّضرِ بنِ الحارث، وكان قتلُه جزاءً وفاقًا لما اقترفت يداه، وأمُّه أمُّ الراشدِ ذي النورينِ عثمانِ بنِ عفّانَ رضيَ اللهُ عنه، أروى بنتُ عامرِ بنِ كريز؛ وقد تزوَّجها أبوه بعد وفاةِ عفّان، بقيَ على الكفرِ حتى يومَ الفتحِ الأكبر، فتحِ مكَّةَ المكرَّمة، فأسلمَ يومَها وحَسُنَ إسلامُه، فاستعمله النبيُّ صلى الله عليه وسلم على صدقةِ بني المصطلق، وأرسله إليهم، فخرجوا له مهلِّلين في ترحابٍ وإجلالًا لمن أرسله، فأوجسَ منهم خيفةً، وقد كانت بينه وبينهم إِحَنٌ أيّامَ الجاهليّةِ الأولى، فولَّى مُدبرًا ولم يُعقِب، وعند رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ألقى القولَ أنّ القومَ منعوه الزكاةَ وهمُّوا به سوءًا.

فأرادَ عليه صلواتُ الله وسلامُه أن يستوثقَ ممّا قال، فأرسلَ خالداً بنَ الوليدِ إلى القوم، فلمّا أتاهم تبرَّؤوا من زعمِه، وحلفوا أنّهم ما منعوه زكاةً ولا همُّوا به سوءًا، فنزلَ فيما حصلَ منه قولُ ربِّنا جلَّ شأنه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (الحجرات: 6).

ولايةُ الكوفةِ وحدُّ الله

الوليدُ بنُ عقبةَ بنُ أبي معيط، الذي ولاه أميرُ المؤمنينَ عثمانُ رضيَ اللهُ عنه إمارةَ الكوفةِ عامَ خمسٍ وعشرينَ من الهجرة، وبقيَ أميرًا عليها زهاءَ أربعةِ أعوام، ولم يكن في سياستِه للكوفيّين حازمًا؛ فيه لينٌ بقومٍ يُغريهم وهنُ الحزمِ أن يَمْرُدوا على العصيان، وهو ما كان معه ومع كلِّ مَن سلكَ سبيلَه، صلّى بهم مكتوبةَ الصبحِ وكان ثَمِلًا، فأدّاها أربعًا، ولمّا انتهى قال لهم: أأزيدُكم؟ ثم تقيَّأ في المحراب، هكذا زعموا، وشدَّ بعضُهم الرِّحالَ إلى المدينة ليرفعوا إلى الخليفة ما رأَوه، وشهدَ على الواقعةِ أبو زينب، وجُندُبُ بنُ عبدِ اللهِ الأزدي، وأبو بردةَ بنُ أبي موسى الأشعري، ومعهم شاهدٌ رابعٌ هو محلُّ نزاعٍ في تعيينِه بين المؤرّخين.

سمعَ منهم الخليفةُ ما ادَّعوه بحقِّ أخيه من أمِّه وواليه على الكوفة، ولأنّ الشهودَ عُدولٌ لم يُمْهِلْ في استدعاءِ أخيه، فلمّا حضرَ ومثُلَ بين يديه أعلمه بما رُفِعَ إليه بحقِّه، فراحَ الوليدُ يُنافحُ عن نفسِه مستنكرًا، وقال: إنّما شربَ معهم النبيذَ لا الخمرَ، وما سَكِرَ ممّا شربَ ولا ثَمِل، وكان بعضُ الصحابةِ لا يرون حرمةً في شربِ النبيذِ إن لم يُسكِر، لكن كان به وهنٌ في حجّتِه، ولم يقل للخليفة قولًا شافيًا، فاستقرَّ في روعِه أن يُقيمَ عليه حدَّ الله بالجلدِ أربعين، وكان عليُّ بنُ أبي طالبٍ رضيَ اللهُ عنه حاضرًا، فأقرَّ إقامةَ الحدِّ، وجُلِدَ الوليدُ أخو الخليفة عثمان، وقد قالها الخليفةُ صريحةً: «لا أُبطلُ حدًّا من حدودِ الله لقرابة»، وعزلَ الوليدَ عن إمارةِ الكوفة ليخلفَه سعيدُ بنُ العاص.

دروسُ العدالةِ والإنصاف

تلك واقعةٌ من وقائعِ تاريخِ المسلمين، بها سَفَرَت عدالةُ ولاةِ الأمر بين رعاياهم؛ فأقاموا الحقَّ بلا محاباةٍ لقريبٍ ولا حيفٍ على غريب، ولا أدلَّ على ما نقول من إقامةِ الحدِّ على ابنِ أمِّ أميرِ المؤمنين، وهو رضوانُ الله عليه فيما صنع، يمتثلُ أمرَ ربِّه ويتخلَّقُ بأخلاقِ المؤمنين، فهم كما وصفهم الحسنُ البصري: «لا يحيفُ على من يُبغِض، ولا يُحابِي من يُحبّ»، فعلى كلِّ مَن كان مؤمنًا عاقلًا أن يضربَ بحجابٍ عتيقٍ بين ما في قلبِه وبين حكمِه على الناس؛ فيكون، كما عُلِّمَ في قاموسِ العدالة، معصوبَ العينين حين يحكم، فلا يرى إلا الحقَّ، ولا ينحازُ إلا إليه، وليكن رضا ربِّه مقدَّمًا لديه على رضا الخلق؛ فإنّ رضا الخلق يتحقّقُ برضا الخالق، وبسخطِه يسخطُ الخلق، وإن حابى وتملَّقَ ونافق.

جماهيرُ أهلِ السُّنّة يثبتون الصحبةَ للوليد، ولا ينفونها عنه ولا فيها يقدحون، وهم بما حكموا يسطرون أساسًا متينًا من أسسِ الموضوعيّةِ والإنصاف: ألّا تعصفَ زلّةٌ من الزلّات بتاريخِ مَن زلّ، بل تبقى له حسناتُه مذكورةً بلا نكران، وإنّه من الغبنِ والشططِ المُزري بعقلِ العاقل أن نهدمَ بنيانَ إنسانٍ سقطَ سقطةً أو بدرت منه هنيهة، فلو أنّا فعلنا ما بقيَ على وجهِها من إنسانٍ منتصبِ البنيان؛ فكلُّ الناس ـ حاشا أنبياءَ الله ورسُلَه ـ عُرضةٌ للزللِ والخطأ، فمن ذا الذي ما أخطأ قط، ومن كانت له الحسنى فقط؟

وإن كان الوليدُ قد أخطأ، فقد أخطأ من قبله من هو خيرٌ منه: البدريُّ الشريفُ حاطبُ بنُ أبي بلتعة، حين أرسلَ مكتوبًا إلى قريش يُعلِمُهم بقدومِ جيشِ النبوّة لفتحِ مكّة، وفي مكتوبه هذا عصيانٌ لأمرِ النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ كان حريصًا على كتمانِ الأمر ليباغتَ أهلَ مكّة فلا يُعدّوا عُدّتَهم لقتالٍ تُراقُ فيه الدماء في بلدِ الله الحرام، وقد اشتدَّ وقعُ ما فعل حاطب على نفسِ الفاروق، فاستلَّ سيفَه واستأذن ليضربَ عنقَه، فلم يُؤذَن له، وقالها له النبي صلى الله عليه وسلم: «إنّه شهدَ بدرًا، وما يُدريك لعلّ الله اطّلعَ على أهلِ بدرٍ فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم»، فكانت حسناتُ سيّدِنا حاطب شفيعةً لكبوتِه التي كباها.

اقرأ أيضًا:

متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا.. قصة المصري مع عدل عمر

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة