العشر الأواخر من رمضان.. كنز النفحات ومنحة العتق والمغفرة

حين تقترب الشمس من المغيب، ويشارف شهر الخير على الرحيل، يفتح الله لعباده أبواب الرحمة والمغفرة في أعظم ليالي الدهر، العشر الأواخر من رمضان، إنها ليالٍ مشهودة، فيها يتنافس المتنافسون، وتتعالى أصوات العابدين بالدعاء والذكر، وتُرفع الأعمال إلى رب العالمين، علّها تكون سببًا في عتق الرقاب ومحو الذنوب، إنها الأيام التي اختصها الله بفضائل جمة، ومنح عظيمة، جعلها خاتمةً لشهر مليء بالخيرات، ليزداد فيها المحسنون إحسانًا، ويستدرك المقصرون ما فات.
فضل العشر
الأواخر من رمضان
إن بلوغ هذه
الأيام المباركة نعمة عظيمة، ومنحة ربانية، فقد قال العميد السابق لكلية الشريعة
والدراسات الإسلامية د. عجيل النشمي: "من أعظم نعم الله أن يمد في عمرك حتى
تدرك رمضان وتدرك العشر الأواخر ومواسم الطاعات، فقد تفضل الله علينا بأن أدركنا
رمضان هذا العام، ولو أحسنا استغلال الأوقات بالطاعات فقد ندرك درجة الشهيد في
سبيل الله".
وفي هذه الليالي
العظيمة، تتجلى رحمة الله بعباده، إذ جعل فيها ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر،
كما قال تعالى: "إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة
القدر خير من ألف شهر تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى
مطلع الفجر" (القدر: 1-5). فهي ليلة تتنزل فيها الملائكة، ويُكتب فيها الأجر
العظيم، وتغفر فيها الذنوب لمن اجتهد فيها بالعبادة.
وقد كان النبي ﷺ
أشد الناس حرصًا على هذه الأيام، فقد روت عائشة رضي الله عنها: "كان النبي ﷺ
يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره" (متفق عليه). كما قالت:
"كان النبي ﷺ إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله"، وهذا دليل
على تفانيه ﷺ في العبادة وحرصه على اغتنام هذه الليالي المباركة.
ليالي الاجتهاد
والتنافس في الطاعات
يقول الشيخ يحيى العقيلي: "ها هي العشر الأواخر من رمضان قد أطلّت علينا، تستحث همم المتقين، وتشد عزم العابدين للاقتداء بهدي سيد المرسلين، ليكونوا في سجل المقبولين وعداد المرحومين". فالسعيد من اغتنمها في الطاعات، والشقي من ضيعها في الغفلة واللهو، وفي هذه الليالي المباركة، يكثر المسلمون من القيام والتهجد والاعتكاف، اقتداءً بسنة النبي ﷺ، حيث كان يوقظ أهله ويجتهد في العبادة، حرصًا على إدراك فضل هذه الأيام، وعدم تفويتها بالانشغال بملهيات الدنيا.
ويقول د. خالد
المذكور: "إن قدوم العشر الأواخر من رمضان يشبه عطش الظامئ الذي يترقب شربة
ماء، فإذا ارتوى استلذ بآخر قطرة منها. وهكذا منحنا الله عز وجل هذه الأيام
المباركة، لنروي أرواحنا بالقرب منه من خلال صلاة التهجد والقيام والذكر والدعاء.
ومن أعظم عطايا هذه الليالي ليلة القدر، التي رفع الله شأنها، وجعل العبادة فيها
خيرًا من ألف شهر، حيث قال تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة
القدر ليلة القدر خير من ألف شهر تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر
سلام هي حتى مطلع الفجر). لذا، علينا أن نجتهد في كل ليلة من ليالي العشر، سواء
كانت وترية أم شفعية، وأن نحرص على التهجد وقراءة القرآن والدعاء، عسى أن ننال
فضلها العظيم."
ويضيف:
"ومن الكنوز العظيمة في العشر الأواخر سنة الاعتكاف، حيث ينقطع العبد عن
الدنيا ويتفرغ للعبادة والذكر. فلا ينبغي للمؤمن أن يُضيع هذه الليالي بالسهر فيما
لا ينفع، بل عليه أن يملأها بالصلاة وقراءة القرآن والدعاء. فقد كان النبي ﷺ يوقظ
أهله للصلاة في هذه الليالي المباركة، حرصًا منه على اغتنامها، كما جاء في حديث
عائشة رضي الله عنها: كان النبي ﷺ إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله
(رواه البخاري). فهذه الليالي ليست كسائر الأيام، فقد كان النبي ﷺ يجتهد فيها أكثر
من غيرها، فحريٌّ بنا أن نقتدي به ونغتنم هذه النفحات الربانية قبل أن تنقضي."
العشر الأواخر
من رمضان هي كنز ثمين، ومنحة ربانية لمن أراد الفوز بالرحمة والمغفرة والعتق من
النار. إنها الفرصة الأخيرة لمن قصّر في أول الشهر، وهي المضمار الذي يتسابق فيه
المؤمنون لنيل رضا الله والفوز بجنته. فلنحرص على قيام الليل، والإكثار من الذكر،
وقراءة القرآن، والدعاء، عسى أن نكون من المقبولين. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.