العفَّةُ في التصوّر الإسلامي.. قيمتها ومكانتها وآثارها
تُعَدُّ العِفَّة من أسمى الأخلاق الإنسانية، وأجلِّ القيم التي ترفع قدر الإنسان وتصون كرامته، فالإنسان حين يتحلّى بالعفة يسمو بنفسه عن كل ما يُهينها أو ينال من شرفها، ويتنزّه عن مواطن الدَّناءة والرذيلة، ويستعلي على الشهوة بدل أن يكون أسيرًا لها، وتزداد العفة جمالًا حين يتحلى بها المحتاج، فيترفع عن سؤال الناس، ولا يمد يده إلا لربه، إلا في حدود الضرورة التي لا قيام للحياة بدونها.
وليست العفة في المفهوم الإسلامي مجرد
امتناعٍ عن الوقوع في الفواحش، بل هي خُلُقٌ شامل يضبط السلوك الإنساني، ويرتقي
بالنفس عن التعلّق بما لا تملك، أو التطلع إلى ما في أيدي الناس، أو التلذذ بالنظر
إلى المحرمات؛ لا زهدًا فيها فحسب، بل استعلاءً عنها، وهيبةً من الدنوّ إليها.
العفة وبناء الإنسان في الإسلام
ينظر الإسلام إلى العفة بوصفها أداة
أساسية في بناء النفس السوية، التي تمتلك وازعًا داخليًا يردعها عن الانحراف دون
حاجة إلى رقابة خارجية دائمة، فالشريعة الربانية لم تُرِد إنسانًا يخضع للأوامر
خوفًا من العقوبة فحسب، وإنما إنسان راقي الضمير، حيّ الوجدان، يقاوم ذاتيًا وساوس
الشيطان ونزغات الهوى.
ومن هنا، فإن غياب العفة عن المجتمعات
يؤدي بالضرورة إلى انتشار الفوضى الشهوانية، ويجعل الحياة فيها عسيرة على أصحاب
الفطرة السليمة، ويقوّض الشعور بالأمان الاجتماعي؛ ولذلك عالج الإسلام هذا الأمر
من جذوره، وسدّ منافذ الفتنة قبل وقوعها، فأنزل نصوصًا صريحة تحفظ للإنسان طهره،
وللمجتمع استقراره.
العفة في النصوص الشرعية
قال تعالى آمِرًا عباده المؤمنين: (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا
مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ
خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ {30} وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ
أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) (النور: 30)؛ يقول ابن كثير في
تفسير هذه الآية: هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم عما
حرم عليهم، فلا ينظروا إلا لما أباح لهم النظر إليه، فإن اتفق أن وقع البصر على
محرم من غير قصد، فليصرف بصره عنه
كما أكدت السُّنة النبوية أن العفة
خُلُقٌ مكتسب يُدرَّب عليه الإنسان بالمجاهدة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ومن
يستعفف يعفّه الله» (رواه البخاري، ومسلم).
وحفّز صلى الله عليه وسلم على التمسك بها
بوعدٍ عظيم، فقال: «من يضمن لي ما بين لَحْيَيْهِ وما بين رِجْلَيْهِ أضمن له
الجنة» (رواه البخاري).
العفة ومقاصد الشريعة
لم تقتصر مقاصد الشريعة في العفة على حفظ
العرض والنسل، وهما من الضروريات الخمس، بل تجاوزتهما إلى حفظ كيان المجتمع
واستقراره الأخلاقي، فلم تعرف البشرية حضارة قامت واستمرت في غياب القيم
الأخلاقية، إذ سرعان ما تنهار أمام أول أزمة داخلية أو خارجية.
ومن مقتضيات ذلك أن يكون لكل طفل نسبٌ
معلوم، وأسرةٌ تحوطه بالرعاية والتربية، وتحفظ له الأمان والكرامة، ولا يتحقق ذلك
إلا بسدّ الذرائع المفضية إلى الجريمة الأخلاقية، ومنعها من الأساس.
ولأجل حماية الأعراض من أن تكون نهبًا
للألسنة، شدد الإسلام في تحريم القذف والخوض في الشبهات، فقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ
الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا
وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النور: 23).
بل جعل حدّ القذف قريبًا من حد الفاحشة
نفسها، صيانةً للمجتمع من إشاعة الرذيلة ولو بالظن.
العفة تحريرٌ لا تقييد
قد يُثار التساؤل حول تقييد الشهوات، وهل
يتعارض ذلك مع طبيعة الإنسان؟ والجواب أن الشهوة غريزة، لكنها ليست فطرةً حاكمة، فالفطرة
السليمة توجّه الغريزة ولا تُلغِيها، وتصرفها في مساراتها المشروعة؛ كالزواج
والكسب الحلال.
فالعفيف ليس محرومًا، بل هو إنسان حرّ،
تحرر من عبودية الهوى، وتحكم في رغباته بدل أن تتحكم فيه، قال تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ
الشَّهَوَاتِ) (آل عمران: 14).
ويقول محمد باقر الحكيم: كما حرّر القرآن
عقيدة الإنسان من الوثنية، وعقله من الخرافة، حرّر إرادته من سيطرة الشهوة، فصار
قادرًا على مقاومتها وضبطها(2).
ثمرات العفة
للعفة آثار عظيمة في الدنيا والآخرة،
منها:
1- تزكية النفس، لقوله تعالى: (ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ) (النور:
30).
2- الامتثال لأوامر الله تعالى: (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا
يَجِدُونَ نِكَاحًا) (النور: 33).
3- الوقاية من الأمراض الناتجة عن
الانحراف الأخلاقي.
4- حفظ العرض والنسب، واستقرار المجتمع
واطمئنانه.
5- وعد الله بالإغناء لأهل العفة، وهو
وعدٌ كريم بالتيسير والفضل(3).
6- نيل ظل عرش الرحمن، كما في حديث
السبعة الذين يظلهم الله.
7- المغفرة والأجر العظيم، لقوله تعالى: (وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ)
(الأحزاب: 35).
إن العالم اليوم، في ظل ما يشهده من فوضى أخلاقية غير مسبوقة، أحوج ما يكون إلى استعادة هذه القيمة العظيمة، ولن يكون ذلك إلا بالعودة الصادقة إلى أخلاق الإسلام، وفي مقدمتها خُلُق العفة؛ إنقاذًا للإنسان، وحمايةً للمجتمع، وإسهامًا في إنقاذ البشرية من السقوط في مستنقعات الشهوة والانحلال.
اقرأ أيضا
أبناؤنا بين العفة وثقافة الإيدز
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً