العمل الخيري الكويتي ودوره في تعزيز حقوق الإنسان

إبراهيم البدر

31 ديسمبر 2025

108

في عالم تتسارع فيه الأزمات، وتتعمّق الفجوات بين الإمكانات والاحتياجات، يبرز العمل الخيري الكويتي كقوة فاعلة تسهم في سدّ تلك الثغرات، وتنهض مؤسساته بمسؤولياتها تجاه الإنسان، عبر إطلاق المبادرات الإنسانية الحيوية، التي يمتد دورها إلى تعزيز منظومة حقوق الإنسان بمفهومها الشامل وتحسين جودة حياته.

لقد تجاوزت الكويت منذ عقود دور «المانح التقليدي»، لتصوغ لنفسها نموذجاً إنسانياً متفرّداً، يقوم على جعل العطاء رسالة حضارية وأداة لصون الكرامة الإنسانية، فجمعت بين البذل المادي والقيمي، وجعلت من شعارها الإنساني «الكويت بجانبكم» تعبيراً صادقاً عن التزامها الأخلاقي والإنساني تجاه الإنسان أينما كان.

يرتكز هذا النهج على دعائم راسخة في الدستور الكويتي الذي أُقرّ عام 1962م، وجعل من قيم الحرية والعدالة وتكافؤ الفرص أساساً للحياة الكريمة، فنصّ على الحقوق في التعليم، والرعاية الصحية، والسكن، والعمل الكريم، ورعاية الأسرة، والطفولة، والشباب.

التدخلات الإنسانية الكويتية ليست مساعدات طارئة بل استجابة لحقوق أصيلة

وتحوّلت هذه المبادئ في رؤية المؤسسات الخيرية الكويتية، وفي مقدمتها الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية، إلى سياسات عملية ومنظومات مؤسسية تجسّدها على أرض الواقع، لتجعل الكويت في مقدمة الدول العربية التي أدرجت حقوق الإنسان في صميم برامجها الاجتماعية، وقد امتد هذا النهج ليشكّل الهوية المميزة للعمل الخيري الكويتي داخل البلاد وخارجها، قائماً على التكامل بين البعد الإنساني والالتزام الحقوقي.

لقد تطوّر مفهوم العمل الخيري الكويتي من الإحسان الفردي إلى رؤية مؤسسية حديثة ترى أن التدخلات الإنسانية ليست إحساناً طارئاً، بل استجابة لحقوق أصيلة، فعندما تموّل الجمعيات الكويتية مشاريع التعليم في أفريقيا أو المياه في آسيا، فإنها تُرسّخ حق الإنسان في المعرفة والصحة والحياة الكريمة، ولا تقدم مساعدة وقتية فحسب.

ومن هذا المنطلق الحقوقي، حرصت الكويت على مواءمة جهودها الخيرية مع الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، بدءاً من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهدين الدوليين، وصولاً إلى أهداف التنمية المستدامة (2030م)، فالبرامج التي ترعاها المؤسسات الكويتية تلتقي مباشرة مع الأهداف الأممية لمكافحة الفقر والجوع، وضمان التعليم الجيد، والمساواة بين الجنسين، وتوفير المياه والطاقة النظيفة، وبناء مجتمعات آمنة ومستقرة.


هذا الالتزام تحول إلى مبادرات واقعية أحدثت أثراً ملموساً في حياة الناس، من بناء المدارس ومراكز التدريب في اليمن وسورية ولبنان وفلسطين، إلى تمكين آلاف الشباب عبر التعليم والتأهيل المهني، ومن إنشاء المستشفيات والمراكز الصحية في المناطق المنكوبة، إلى تمويل مشاريع مياه الشرب في الدول الأفريقية، بما يحمي الحق في الحياة والصحة والكرامة.

الكويت تجاوزت دور المانح التقليدي لتصوغ لنفسها نموذجًا إنسانيًا متفرّدًا

لقد تحوّل العمل الخيري الكويتي بفعل هذا النهج إلى رافعة إستراتيجية لحقوق الإنسان، لا يكتفي بإغاثة الملهوفين، بل يعمل على بناء الإنسان وضمان مستقبله، مستنداً إلى رؤية متكاملة تقوم على 3 ركائز أساسية: المرجعية الدستورية التي تؤطر العطاء ضمن قيم العدالة والمساواة، والإرادة السياسية التي تحتضن العمل الإنساني وتوفّر له الدعم المؤسسي والغطاء القانوني، والوعي المجتمعي المتجذّر في ثقافة العطاء المتأصلة في المجتمع الكويتي، حيث تتكامل جهود الأفراد مع مؤسسات الدولة والقطاع الأهلي.

بهذا التوازن الفريد بين البعد القانوني والسياسي والمجتمعي، استطاعت الكويت أن تتبوأ مكانة رائدة بين الدول المانحة، وأن تصبح منصة إنسانية تلهم العالم، وتجسّد أن التكامل بين العمل الخيري ومنظومة حقوق الإنسان السبيل الأمثل لبناء عالم أكثر عدلاً وإنصافاً واستقراراً.

لقد أثبتت التجربة الكويتية أن العطاء والحقوق ليسا ضدين، وإنما جناحان ينهضان بالإنسان ويصونان كرامته، ففي كل مدرسة تُبنى، وكل بئر تُحفَر، وكل مريض يُعالج، يتجدد التأكيد على المبدأ الأصيل؛ الإنسان أولاً.

ومن هنا، تواصل الكويت مسيرتها الإنسانية بثقة واقتدار، مؤكدة أن قطاع العمل الخيري شريك أساسي في عملية التنمية الشاملة، إلى جانب القطاعين الحكومي والخاص.

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة