المشاعر في القرآن الكريم (4)

الفرح في السياق القرآني (2 - 2)

د. مي سمير

04 أغسطس 2026

98

الفرح في السياق القرآني (2 - 2)

رأينا في الحلقات السابقة المنهجية القرآنية في معالجة المشاعر الإنسانية -فرحاً كانت أو حزناً– بمزيج من الضبط والاتزان والوعي، وبينّا كيف أن الفرح جاء منهياً عنه إذا ما كان متلبساً بالبطر والفخر والاغترار بنعم الدنيا الزائلة، إذ هو شعور يفتن الإنسان عن الانشغال بالآخرة ويغريه بملذات زائلة ويدفعه لسلوكيات مذمومة.

لكن هذا النهي القرآني عن شعور الفرح لم يعنِ رفضاً مطلقاً لهذا الشعور، بل إن الفرح قد جاء في بعض المواضع القرآنية في سياق إيجابي، فإذا ما عرف الإنسان مضار الفرح وما قد يسببه في نفس الإنسان من اغترار أو إقبال على الدنيا، فإن عليه أن يتعلم معنى الفرح الحقيقي الذي يخدم غايته الإيمانية.

وفي ذلك أورد القرآن الفرح في مناسبات محددة توضح كيف يخدم الفرح الإيمان، وما السعادة الحقة التي يجب أن يسعى إليها الإنسان المسلم.

الفرح المحمود في القرآن

الإنسان المؤمن ليس خالياً من المشاعر مطلقاً، لكنه يمتلك من الوعي والفطنة ما يجعله قادراً على معالجة مشاعره وفق هدي القرآن الكريم، وفيما يخص مشاعر الفرح فقد أورد القرآن الكريم المناسبات التي يجدر فيها أن يفرح الإنسان حقاً، لأنها مناسبات تُعبِّر بصدق عن السعادة الحقيقية وليست من قبيل الاستغراق الأعمى في متاع الدنيا الزائف

يقول الشيخ متولي الشعراوي في خواطره عن الفرح في القرآن: «إن الفرح في ذاته ليس ممقوتاً، ولكن الفرح الحقيقي هو الفرح الذي لا يعقبه ندم، ففرح المؤمن موصول إلى أن تقوم الساعة، وموصول بعد أن تقوم الساعة، ولكن فرح الكافر والمنافق فرح موقوت وممقوت، وما دام فرحهم سيؤدي بهم إلى العذاب فهو فرح أحمق».

الفرح والاستبشار

ونظراً لأن الفرح قد جاء في غالب مواطنه في القرآن الكريم مذموماً، فإن الشعور الأبرز الذي عبر عن الفرح في معناه المحمود في الرؤية القرآنية هو «الاستبشار»، فالمؤمن مستبشر متفائل مطمئن، فإذا كان الفرح المذموم قد ارتبط بالبطر والفخر والغرور والتكبر، فإن الفرح المحمود هو الذي يتسم بحسن الظن بالله واليقين بتدبيره ولطفه والابتهاج برحمة الله ونصره للمؤمنين في الدنيا ونعيمه الذي أعده لعباده الصالحين في الآخرة.

ولذلك، فقد ورد الاستبشار والفرح في معرض إخبار القرآن الكريم عن حال الشهداء في الآخرة: (يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران: 171)، إذ يبين لنا القرآن أن الفرح بالآخرة يعقبه استبشار بلحوق المؤمنين بعضهم ببعض واستبشار بنعمة الله وفضله وحسن مثوبته لعباده المؤمنين على طاعتهم وعباداتهم.

مواطن الفرح المحمود في القرآن الكريم

يذكر القرآن الكريم أن السعادة الحقة هي السعادة الدائمة الموصلة إلى الآخرة، وكل فرح دنيوي بما هو مؤقت وزائل ويدفع نحو البطر والكِبر والاستغراق في الدنيا فرح مذموم ومنهي عنه في القرآن، وكما أورد القرآن الكريم أمثلة على الفرح المذموم في مواضع كثيرة، فقد حرص الهدي القرآني على تبيان المواطن التي يكون فيها الفرح محموداً لأنه ينبئ عن فهم عميق لمعنى الإيمان، ومن تلك المناسبات الإيجابية للفرح المحمود في الرؤية القرآنية:

1- الفرح برضا الله ورحمته:

يفصح الهدي الرباني عن الفرح الحقيقي الباقي الذي يجب أن يختلج مشاعر المؤمنين، وهو الفرح بفضل الله تعالى ورحمته، فيقول سبحانه: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) (يونس: 58)، ويوضح القرطبي أن «الفرح لذة في القلب بإدراك المحبوب، وقد ذُم الفرح في مواضع كثيرة ولكنه الفرح المُطلق، فإذا قُيد الفرح لم يكن ذمًا»، والتقييد ها هنا قد اقتصر على الفرح بالإسلام والقرآن وما فيهما من فضل من الله على عباده المؤمنين ورحمات تتنزل عليهم.

2- الفرح بنصر الله:

وقد جاء الفرح في مناسبة ثانية حين أنبأ القرآن بغلبة الروم من بعد هزيمتهم على يد الفُرس، فقال سبحانه في سياق التبشير بأنه حين يهزم الروم الفرس: (وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ) (الروم: 4)، وفرح المؤمنين إذ ذاك كما يبين الشعراوي في خواطره: «لانتصار أهل دين وأهل كتاب على كفار وملاحدة، وفرح بتحقق بشرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم يفرحون لأنهم أصابوا الحق».

وبذلك أوضح لنا القرآن أن المؤمنين يشعرون بالفرح الحق حين تنتصر كلمة الله وتعلو كلمة الحق؛ لأن في ذلك سيادة للدين وعلو لشأن الإيمان، فهو فرح لا يخضع للأهواء الشخصية ولا للمصالح الفردية.

3- الفرح بدخول الجنة:

يقول الله تعالى عن الشهداء الذين فازوا بالجنة: (فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (آل عمران: 170)، فالفرح الحقيقي هو فرح دخول جنة النعيم الأبدي والسعادة الحقيقية هي سعادة الفوز برضا الله وفضله.

لذلك، فقد ورد شعور السعادة مرة واحدة في معرض الإخبار عن نعيم الآخرة لأن السعادة الحقة هي سعادة الخلود، فقال سبحانه: (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۖ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) (هود: 108).

وبذلك، نجد مواطن الفرح المحمودة في الرؤية القرآنية قد رتبت ترتيباً منطقياً يعبر عن حياة المؤمن، الذي يبدأ في اختبار مشاعر الفرح بإسلامه وإيمانه وما تفضل به الله عليه من طاعة وهداية، ثم يفرح حين تعلو كلمة الله وترتفع راية الإسلام ويتحقق النصر للمسلمين، ثم يفرح حين يلقى ربه فيجازيه بما وعده من نعيم مقيم.

سمات السعادة الحقيقية في القرآن الكريم

وانطلاقاً من تلك الرؤية القرآنية لمشاعر الفرح المحمودة والسعادة الحقيقية، فإن تلك السعادة لكي تكون مطابقة للرؤية القرآنية وتحقق لصاحبها الاطمئنان والاستبشار بما يعزز الإيمان ويمنح المؤمن قدرة على التمييز بين الغث والثمين من مشاعر الفرح، فإنها يجب أن تتسم بسمات ثلاث:

1- مؤجلة: من أهم سمات السعادة في الرؤية القرآنية أنها سعادة مؤجلة، فلطالما كانت الدنيا فتنة وابتلاء ونعمها زائلة، فإن الفرح الحقيقي هو فرح الآخرة والسعادة الحقة هي سعادة النعيم الأبدي، وهو ما يجعل السعادة مؤجلة وموقوفة على الآخرة، أما الفرح في الدنيا فإن لم يكن بطاعة الله ورحمته وانتصار الحق على الباطل، فهو عرضي ومؤقت وزائل.

2- دائمة: ينبه القرآن الكريم على أن السعادة الحقة يجب أن تكون باقية دائمة؛ ما يمنح الإنسان المؤمن وعياً ويقظة لإدراك الزمن والوقوف على حقيقة النعم، فيمتلك نظاماً للتقييم والتمييز فيما بين المؤقت والسريع المرفوض، والدائم والمستمر المقبول.

والسعادة لا يمكن أن تكون حقيقية إلا إذا كانت دائمة، وهو الوعي الذي بتنا في أمسّ الحاجة إليه بعد أن أصبح المفهوم المادي الرأسمالي للسعادة أنها السعادة الخاطفة والمعلبة، وأصبح العقل البشري متعلقاً بالدوبامين المؤقت الذي يدفع الإنسان إلى إدمان الملذات السريعة ويصرف إرادته عن الصبر من أجل نيل السعادة الحقة.

3- حقيقية: يتبنى القرآن الكريم رؤية للسعادة قائمة على مدى نفع هذه السعادة للإنسان وصدقها في إدخال السرور على قلوب المؤمنين، واتصاف تلك السعادة بأنها حقة يعني أنها ليست زائفة، وهي تُسعد الإنسان بحق من حيث هو مخلوق مُكرم ونفس زكية.

وهي في ذلك لا تلبي الحاجات المادية والجوانب الجسدية كما هو شائع في عالمنا اليوم من أن السعادة طعام شهي أو ملبس أنيق أو مسكن فاخر، بل على العكس فهي تُسهم في تزكية النفس وترقية الإيمان بالإعراض عن الملذات الزائفة إلى الطاعات والعبادات التي تُهذب النفس وترويض الشهوات فترفع الإنسان من رتبة البهائم إلى منزلة الملائكة.

إن الدافع الرئيس للشعور بالفرح في الرؤية القرآنية يجب ألا ينطلق من نعم زائلة أو مقومات مادية دنيوية، إذ الفرح بتلك الأشياء مرفوض لأنه يلهي عن الآخرة ويدفع الإنسان للاغترار بالدنيا والإعراض عن الآخرة.

أما الفرح الحقيقي فهو الذي يتعلق بالله وبالآخرة، فيفرح الإنسان بما وفقه الله له من طاعة وما أنزله عليه من رحمات وما أعده الله له من نعيم دائم لا يزول، فالله تعالى يحب لعباده فرحاً حقيقياً لا ينقطع ولا يريد لقلوبهم أن تغتر بفرح زائف مؤقت يعقبه ندم أو ملل.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة