أنفاس الوحي (16)
الفقد في الخطاب القرآني وبلاغة بناء المشهد النفسي
لا يرد الفقد في
الخطاب القرآني على صورة واحدة، ولا يرد بوصفه حادثةً خارجية منفصلة عن أثرها في
النفس، بل يتشكل في نسيج التعبير القرآني عبر مستويات متباينة من التجربة
الإنسانية، تكشفها المفردة المختارة، والفعل المصاحب لها، والصورة التي ينتهي
إليها المشهد.
فالقرآن حين
يعرض تجربة الفقد لا يكتفي بالإخبار عن وقوعها، وإنما يعيد تشكيلها لغويًا بحيث
تصبح المفردة حاملةً لطبقات من المعنى النفسي والوجداني والإيماني. ومن هنا فإن
دراسة المفردة القرآنية في مشاهد الفقد تكشف عن بناء أسلوبي متدرج، ينتقل من أعماق
الشعور إلى أثره الظاهر، ثم إلى الموقف الذي يتخذه الإنسان إزاء ابتلائه.
ويمكن استقراء
هذا البناء من خلال ثلاثة تمثلات أسلوبية بارزة: الفقد في الفؤاد، والفقد في
العين، والفقد المتحول إلى فعل. وهي ثلاثية لا تقوم على مجرد اختلاف الألفاظ،
وإنما تكشف عن انتقال التجربة من حيز الشعور الباطن، إلى أثره الجسدي الظاهر، ثم
إلى الاستجابة الإيمانية.
الفؤاد وتمثّل الفقد في عمق التجربة الوجدانية
يبلغ التعبير
القرآني عن فقد أم موسى ذروةً لافتة في تصوير الانفعال الداخلي، قال تعالى: (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ
فَارِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا
لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (القصص: 10).
تتجلى الدقة
الأسلوبية ابتداءً في اختيار لفظ (فؤاد)؛ إذ لم يختر التعبير: قلب أم موسى، مع أن
القلب حاضر في ختام الآية نفسها: (لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا).
وهذا الانتقال
من (الفؤاد) إلى (القلب) جدير بالتأمل؛ إذ يرسم التعبير مرحلتين متداخلتين في
التجربة النفسية؛ فالفؤاد في السياق القرآني يرتبط بمواضع التوقد والانفعال وشدة
التأثر، في حين يأتي القلب في سياق الربط والتثبيت. وكأن الآية ترسم حركة داخلية
من فؤاد اضطرب تحت وطأة الفقد إلى قلب أحاطته العناية الإلهية بالربط والثبات.
ولا تتوقف
الدلالة عند لفظ (فؤاد)، بل تبلغ ذروتها في قوله تعالى: (فَارِغًا).
إن الفراغ هنا
ليس مجرد مرادف للحزن؛ فالحزن إحساس يمكن أن يجتمع مع سائر مشاغل النفس، أما
الفراغ فيوحي باستيلاء المفقود على المجال الداخلي حتى لا يكاد يبقى فيه متسع
لغيره؛ ولهذا جاء التعبير أكثر كثافة من أن يقال: حزينًا أو خائفًا.
إنها صورة نفسية
لا تصف دمعة عابرة، وإنما تصف حالة استغراق وجداني كاد أن يستولي على الكيان كله.
ويزداد المشهد
عمقًا حين يأتي الاستدراك الإلهي: (لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا)،
فالفقد لم يُلغَ، والمشاعر لم تُنكر، وإنما تدخل الإيمان في اللحظة التي كادت فيها
المشاعر أن تتجاوز قدرة الإنسان على الاحتمال.
وهنا تكمن إحدى
الدلالات التربوية العميقة في التعبير القرآني: الإيمان لا يعني إلغاء الانفعال،
وإنما يعني أن يجد الانفعال في الإيمان قوة تضبط مساره.
العين وتمثُّل الفقد في الأثر الظاهر
إذا كان مشهد أم
موسى قد نقل الفقد إلى عمق الوجدان، فإن مشهد يعقوب عليه السلام ينقله من الداخل
إلى الجسد، قال تعالى: (وَتَوَلَّىٰ
عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ
الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ) (يوسف: 84).
ويستوقف المتأمل
هنا اختيار «العين» لتكون موضع تجلي الحزن؛ فالعين في أصل وظيفتها أداة للرؤية،
لكنها في هذا السياق تصبح أداة لكشف ما استقر في الداخل. لم يعد الحزن شعورًا
مستترًا في أعماق النفس، بل أصبح أثرًا يمكن للآخر أن يراه.
ويأتي الفعل
(ابيضّت) ليمنح الصورة بعدًا زمنيًا وجسديًا؛ فالفعل لا يصف لحظة بكاء، وإنما يرسم
أثرًا امتد حتى غيّر حال العين.
ثم يختم المشهد
بقوله: (فَهُوَ كَظِيمٌ). والكظم في دلالته اللغوية يتصل بحبس الشيء ومنعه من
الانفلات، ومن ثم فإن اجتماع (ابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ) مع (كَظِيمٌ) يخلق مفارقة
أسلوبية عميقة: الألم ظاهر في العين، لكنه محبوس في الداخل؛ فالحزن بلغ أقصى مداه
حتى ترك أثره في الجسد، ومع ذلك بقي يعقوب عليه السلام ممسكًا بزمام نفسه، لا يحول
الحزن بينه وبين صلته بالله.
ولهذا يأتي قوله
بعد ذلك: (إِنَّمَا أَشْكُو
بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ) (يوسف: 86).
إنه ليس إنكارًا
للحزن؛ بل إعادة توجيه له؛ فبدل أن يتحول الألم إلى اعتراض، يتحول إلى شكوى إلى
الله.
وهذه الدلالة
تمنح المشهد القرآني بعدًا إنسانيًا بالغ الأهمية: يمكن للإنسان أن يكون شديد
الحزن دون أن يكون فاقدًا للإيمان، ويمكن للدمعة أن تنزل من العين دون أن يسقط
معها اليقين.
الفعل وتمثّل الفقد في الاستجابة الإيمانية
يبلغ بناء الفقد
مستوى آخر في مشهد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، قال تعالى: (فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ
لِلْجَبِينِ) (الصافات: 103).
لا يختار النص
هنا مفردة تصف الخوف أو الحزن أو الاضطراب، وإنما ينتقل مباشرة إلى الفعل: (أَسْلَمَا)؛
فالفعل يحمل في بنيته معنى الاستجابة والانقياد والتسليم، وبذلك تنتقل التجربة من
حيز الشعور إلى حيز الموقف.
ثم يأتي قوله
تعالى: (وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ)؛ فتتحول اللغة من التجريد إلى الحركة، ومن المعنى
النفسي إلى المشهد البصري؛ فالفعل (تَلَّهُ) يصور لحظة التنفيذ، ويجعل المتلقي
أمام حركة حقيقية تختصر ذروة الابتلاء.
وهنا تتجلى
خصوصية الأسلوب القرآني؛ إذ لا يحتاج النص إلى أن يشرح لنا ما كان يمكن أن يدور في
نفس الأب أو الابن من مشاعر؛ لأن الفعل نفسه أصبح لغة قائمة بذاتها.
وهذا من أعمق
وجوه الاقتصاد التعبيري في القرآن: حين يبلغ الموقف ذروة الدلالة، يغدو الفعل أبلغ
من الوصف.
ومن ثم فإن
(أسلما) لا يعني أن الفقد لم يكن مؤلمًا، وإنما يعني أن الألم لم يكن هو الكلمة
الأخيرة في المشهد؛ فقد جاءت الاستجابة الإيمانية لتمنح الألم اتجاهًا ومعنى.
الفقد في الخطاب القرآني بين الفؤاد والعين والفعل
تكشف هذه
النماذج عن بناء أسلوبي يمكن قراءته في ضوء ثلاثية متدرجة:
- الفؤاد: حيث
يتشكل الألم في الداخل.
- العين: حيث
يغدو الألم أثرًا مرئيًا.
- الفعل: حيث
يتحول الألم إلى موقف.
وهذه الثلاثية
لا تعني أن التجارب متطابقة، ولا أن القرآن يقدم قانونًا جامدًا لمراحل الحزن،
وإنما تكشف عن تنوع طرائق التمثيل القرآني للتجربة الإنسانية.
ففي قصة أم
موسى، يركز السياق على عمق الانفعال الداخلي، وفي قصة يعقوب يبرز امتداد الألم
وأثره الجسدي مع بقاء الكظم، وفي قصة إبراهيم وإسماعيل تتقدم الاستجابة العملية
للابتلاء.
ومن هنا تصبح
المفردة القرآنية عنصرًا فاعلًا في بناء المشهد، لا مجرد أداة تسمية..
الفقد في السيرة النبوية بين إنسانية الحزن وسمو الاستجابة
تأتي السيرة
النبوية لتؤكد أن هذا التصوير القرآني لا يقدم نموذجًا مثاليًا منفصلًا عن الطبيعة
البشرية، بل يقدم تصورًا واقعيًا للإنسان المؤمن وهو يواجه الفقد.
فعندما توفي
إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم، بكى عليه، وقال: «إن العين تدمع، والقلب
يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا».
وتتجاور في هذا
النص النبوي ثلاثة مستويات من التجربة: عين تدمع، وقلب يحزن، ولسان يلتزم بما يرضي
الله.
وهنا تتجلى
حقيقة مركزية في بناء الوعي الإسلامي بالفقد: ليس المطلوب من الإنسان أن يتوقف عن
الحزن، وإنما ألا يسمح للحزن أن يقطع صلته بالله أو يهدم قدرته على مواصلة الحياة.
فالبكاء لا
يناقض الصبر، والحزن لا يناقض الرضا، وإنما الصبر موقف يتجلى في كيفية إدارة
الإنسان لألمه، والرضا مقام يتعلق بعلاقته بحكم الله.
الفقد في الوعي المعاصر
تتجاوز هذه
التمثلات القرآنية سياقها القصصي إلى الإنسان المعاصر الذي تتعدد في حياته صور
الفقد، من فقد الأبناء والأزواج والوالدين إلى الفقد الذي تفرضه الحروب والأمراض
والهجرة والكوارث. وفي ظل ثقافة تستعجل تجاوز الحزن، تبدو الرؤية القرآنية أكثر
عمقًا في فهم الطبيعة الإنسانية؛ فهي لا تنكر الألم، ولا تجعل البكاء نقيضًا
للصبر، ولا تطلب من المفجوع أن يتجرد من عاطفته، وإنما تكشف له سبل التعامل معها.
فالفقد، في
المنظور القرآني، تجربة تحتاج إلى احتواء لا إلى إنكار، وإلى توجيه لا إلى قمع.
وقد يكون أول ما يحتاجه المفجوع أن يُسمح له بأن يشعر، ثم أن يفهم أثر شعوره، ثم
أن يستعيد قدرته على مواصلة الحياة دون أن يتحول الألم إلى قطيعة مع الرجاء.
ومن هنا يمكن أن
يصبح أثر الفقد ممتدًا في حياة الإنسان من خلال ما يتركه من وعي، وما يستثيره من
رحمة، وما يدفع إليه من عمل صالح؛ فليس المقصود أن يُمحى أثر الغائب، وإنما أن
يُحفظ معناه في صورة تمنح الحاضر قدرة على الاستمرار.
وفي الختام تكشف
القراءة الأسلوبية لمشاهد الفقد في القرآن الكريم عن تنوع دقيق في اختيار المفردة
وبناء الصورة؛ فالفقد في مشهد أم موسى يتجسد في الفؤاد بوصفه موطن الانفعال
العميق، وفي مشهد يعقوب يظهر في العين بوصفها أثرًا مرئيًا للحزن، وفي مشهد
إبراهيم وإسماعيل ينتقل إلى الفعل بوصفه استجابة إيمانية للابتلاء.
وهكذا تكشف
الثلاثية: الفؤاد، والعين، والفعل عن انتقال المشهد من باطن الشعور إلى ظاهر الأثر
ثم إلى موقف الإنسان من ألمه. وهي دلالة تكشف جانبًا من ثراء التعبير القرآني في
قدرته على بناء التجربة الإنسانية بألفاظ قليلة، تحمل من العمق النفسي والدلالي ما
يتجاوز حدود الوصف المباشر.
فالفقد في
الخطاب القرآني ليس مجرد حدث يُروى، وإنما تجربة يُعاد من خلالها تشكيل الوعي
بالإنسان، والحزن، والإيمان.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً