القدس.. مركز الضمير العربي والعالمي

د. شفيق الغبرا

15 ديسمبر 2025

59

ما لا يعيه قطاع كبير من العالم أن قضية فلسطين لا حل لها خارج إطار العدالة والمساواة والحقوق الوطنية والقومية للشعب العربي الفلسطيني. ما لا ينتبه إليه من تعرفوا على قضيةفلسطين منذ أيام أو شهور من خلال تطبيع بعض الدول العربية أن هذه القضية احتلت العقل والوجدان العربي منذ بدايات القرن العشرين، وأن الصراع المكثف على الأرض والحقوق في مواجهة الاستعمار والصهيونية بدأ بزخم في زمن الدولة العثمانية، ثم تطور الصراع وتكثف منذ الحكم البريطاني لفلسطين عام 1917.

يتساءل البعض لماذا تأخذ القدس كل هذه الأهمية؟ ما لا يجب نسيانه أن قضية فلسطين والقدس تحتوي على روح أمة العرب التي ظلمت على مدى عقود طويلة بسبب الاستهداف الممنهج من قبل الصهيونية من جهة ومن قبل القوى المهيمنة والاستعمارية من جهة أخرى. إن القدس واحتلالها والسعي لأخذ منازل أهلها ما هو إلا استمرار لمهمة الصهيونية الأساسية في إحلال مستوطنين مكان شعب. أن ترضخ القدس يساوي أن يرضخ العرب لإرادة الاستلاب والسيطرة المطلقة على بلادهم. فنجاح الصهيونية في فلسطين مقدمة لنجاحها في مناطق عربية ضعيفة أخرى. كما أن التصدي للصهيونية في فلسطين هو الطريق الذي يقي العمق العربي من مصائر مظلمة وظالمة قادمة وهو الطريق الذي يحرر العرب من واقعهم الصعب والمفكك. في القدس مقياس التحرر أو الرضوخ لأمة، ولهذا يتفاعل ويتأكسد هذا الصراع عند كل منعطف.

لأسباب كثيرة أصبح الصراع حول القدس وفلسطين مقياسا للكرامة الإنسانية كما والعربية، فمن غير العرب يتم استلاب مقدساتهم وسرقة أراضيهم بهذا العنف وبهذه السطوة؟. لهذا فمن يقاوم في القدس يدافع عن كل حقوق العرب، كما ويدافع عن المستقبل ويدافع عن أراض أخرى في عمق البلدان العربية قد تجد الصهيونية كما والقوى المهيمنة يوما ما مبررات لاقتطاعها أو لإخضاعها بالحيلة كما وبالقوة والعنف.

إن المواجهة في القدس هي الأخرى مواجهة مع قوى عالمية نراها في البلاد العربية كسوريا والعراق وغيرها ممن تسعى لإبقاء عوالم العرب المختلفة ضعيفة ومقسمة وتحت سلطة الديكتاتور. إن التفريط في القدس وفلسطين والحقوق والعدالة هو تفريط بما هو أعمق من المكان والأرض لأنه يمس ما تبقى للعرب والمسلمين من قيم وقيمة.

وللقدس مكانة خاصة في التاريخ الإسلامي والعربي، إذ فيها أولى القبلتين وثالث الحرمين، وفيها تاريخ مديد في كل الأزمان الإسلامية كما والمسيحية. قيمة القدس أنها جزء أيضا من قضية يقف وراءها شعب صمد بأرضه وفرض عليه اللجوء في عام 1948 واستطاع أن ينهض المرة تلو الأخرى بحثا عن هويته ومكانه وحقوقه. القصة الفلسطينية ليست قصة عابرة لتذهب أدراج الرياح، فقد سببت حروبا عربية إسرائيلية عدة وسببت ثورات ونضالات وحركات سياسية، وارتبطت بمصير العرب راهنا ومستقبلا. هذا الترابط كان ولايزال كامن في الحالة العربية الفلسطينية.

مشاهد اليوم في القدس تخاطب مشاهد الأمس، الانتفاضة الأولى عام 1987، الانتفاضة الثانية عام 2000، ثم المواجهات الدائمة واليومية في القدس وبقية فلسطين في كل المراحل. في القدس نفسها بدأت انتفاضة النبي موسى عام 1920 وذلك احتجاجا على الاستيلاء على الأراضي والهجرة اليهودية ووعد بلفور وفرض إنجلترا للغة العبرية على فلسطين كما وفرض وعد بلفور في قوانين الانتداب البريطاني. في القدس إياها وقعت انتفاضة البراق عام 1929 والتي حركت كل فلسطين. والقدس كانت كما وكل فلسطين مركز رئيسي لثورة فلسطين الكبرى عام 1936-1939، وكانت بنفس الوقت المكان الذي آوى عبد القادر الحسيني وجيش الجهاد المقدس ومعركة القسطل عام 1948.

لوهلة تبدو القدس مركز العالم، فإن تحركت حركت معها فلسطين والعالم. حراكات أهل القدس وثورتهم وتصديهم البطولي والمظاهرات وحملات التضامن الواضحة في أهم عواصم الغرب وأيضا الشرق دليل على قدسية القدس ودليل على أهمية العدالة في كل أنحاء العالم في ظل نظام عالمي يميل للتوحش وللعنصرية. إن العاصمة الأبدية لدولة الاحتلال هي عاصمة مغتصبة وأراض منهوبة ومناطق مسلوبة يسعى لحمايتها شعبها الذي لم يتوقف يوما عن الدفاع عنها.

________________

المصد: «القدس العربي».

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة