القدوة.. ذلك النور الهادي

القدوة.. ذلك النور الهادي

أنزل الله عز وجل الكتب وأرسل الرسل كما قال عز من قائل: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ) (الحديد: 25)، وقال تعالى: (فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ) (البقرة: 213)، فتمَّت نعمته سبحانه على عباده بوجود التكليف النظري والتطبيق العملي؛ التكليف النظري الموجود في الكتب، والتطبيق العملي الذي يقوم به لهذا التكليف الرسلُ.

ولما كانت الكتب السماوية كلها تتوارد على أصول واحدة في العقائد وجمل واحدة في الشرائع وثوابت واحدة في الأخلاق؛ (وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ) (البقرة: 41)، (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ) (المائدة: 48) (وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) (فاطر: 31)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الأنبياء إخوة لعلات؛ دينهم واحد، وأمهاتهم شتى»، كانت هذه التطبيقات التي قام بها رسل الله وأنبياؤه نافعة كلها لمن أتى بعدهم إلى أن يقوم الناس لرب العالمين.

ومن ثم رأينا القرآن الكريم يذكر لنا عددًا من الأنبياء والرسل في سورة «الأنعام»، ثم يقول لنا بعد هذا: (أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) (الأنعام: 90)، ويذكر الخليل إبراهيم صلى الله عليه وسلم فيقول: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ) (الممتحنة: 4)، وقال جلَّ ثناؤه لنبينا صلى الله عليه وسلم: (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً) (النحل: 123)، (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَـذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ) (آل عمران: 68) في آيات كثيرة.

وقد أخذ بهذا نبينا صلى الله عليه وآله وسلم فوجدناه يستدعي أحوال أولئك النبيين والمرسلين في مواقف تتطلبها، فيقول في موقف: «رحم الله موسى، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر»، ويقول في موقف آخر: «ويرحم الله لوطًا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد».

وعن عبدالله بن مسعود قال: كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحكي نبياً من الأنبياء، ضربه قومه فأدموه، وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون»، في أحاديث عديدة قالها صلى الله عليه وسلم في مواقفه.

وربما كانت هذه التطبيقات العملية -التي هي سير وحيوات النبيين- الوحيدة بالنسبة للجيل الذي كان يبعث فيه كل نبي من أولئك النبيين، لكنها بالنسبة للجيل الذي بعده لم تكن كذلك، فإنه ينضم إليه أول ما ينضم الجيل الذي رباه، وهم أصحابه الذين صنعوا على عين الوحي، وبيد الرسول الكريمة، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسُنته ويقتدون بأمره».

ثم تتابع الأجيال وتكثر القدوات، فيكون نصيب المتأخر من ذلك أعظمَ من نصيب المتقدم من حيث الكثرة والتنوع، فيكون لجيل أتباع التابعين -مثلًا- من القدوات الصحابة كلهم والتابعون كلهم، ويكون للجيل الرابع من القدوات الصحابة كلهم والتابعون كلهم وأتباع التابعين كلهم، ويكون لنا نحن أهلَ القرن الخامس عشر قدوات 15 قرنًا من الزمان.

في حين أنه ليس بين أيدينا اليوم شيء يذكر من سيرة أولئك الأبرار الأطهار أنصار عيسى عليه السلام، وقل مثل ذلك في أصحاب موسى عليه السلام وفي أصحاب كل نبي أرسله الله تعالى، وقد كان في بني إسرائيل وحدها عشرات النبيين كما في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي»، فأين أصحابهم؟ وأين ضاعت سيرهم؟ وماذا خسر العالم بفقدها؟! لا ريب أنه كثير.

لقد أحصى الحافظ ابن حجر من سير الصحابة في كتابه الفذِّ «الإصابة في تمييز الصحابة» فوق 12 ألف صحابي، ومعلوم ما لأولئك الصحب الكرام من أثر في باب القدوة بين أبناء الإسلام، فكيف لو كان انضم إليهم أضعافهم من أصحاب النبيين والمرسلين؟!

إن القدوة في ديننا ومن ثم في حياتنا نعمة من أعظم النعم التي ينعم الله تعالى بها علينا، وهي نعمة متجددة كما أسلفت، وإذا أمعنا النظر في هذا التجدد أدركنا أن القدوة المعاصرة التي تعيش معنا اليوم تزيد على القدوة التي كانت تعيش أمس فضلًا عن القدوة التي تضرب بجذورها في أعماق في التاريخ من حيث إن القدوة التي تعيش معنا اليوم تعيش نفس الظروف، وتواكب نفس الأحداث، وتقوم بذات الواجبات وتلاقي ذات العوائق، فهي النموذج الأقرب إلينا للتطبيق، ومن هنا تطلب العناية بالقدوات التاريخية وتطلب العناية الأشد بالقدوات المعاصرة، وهذا يحدونا للتأريخ للقدوات المعاصرين وعدم التفريط بسيرهم لئلا تضيع مثلما ضاع غيرها ويندم من بعدنا على فقدها ويحملنا تبعة ضياعها.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة