القرآن وقضايا الأسرة.. رؤية معاصرة (2)
في ضوء الجدل
الدائر في المشهد العربي الإسلامي حول المرأة والأسرة، والأخطار المتعددة التي
تعرضتا لهما مكانتهما في السياق العالمي بصورة عامة، وفي السياق الإسلامي بصفة
خاصة، نردف في سلسلة من المقالات نهدف فيها إلى بيان وتحليل تصور القرآن من
المرأة، ومكانة المرأة في الأسرة والحقوق الأساسية، ومفهوم التمكين القرآني للأسرة
في المجتمع، لا نرغب في بناء ما استهوى البعض تسميته، بالنسوية الإسلامية، ولكن
نقصد من هذا الطرح إعادة بناء التصورات الإسلامية (الشاكلة القرآنية) في موضوع
المرأة والأسرة من مرجعية القرآن، لا مرجعية الآراء الوضعية الوافدة أو الجامدة
معًا.
القيم الحاكمة للأسرة في القرآن
نبدأ في البحث
القرآني عن أهم القيم الحاكمة لعلاقات الأسرة، ونقصد بالقيم الحاكمة هنا هي محددات
رئيسة وإطار كلي لا يمكن للأسرة تجاهله باعتباره مصدر للحماية من الفوضى القيمية
التي يمكن أن تحدث في حال غيابها أو غياب الوعي بها، وهي بمثابة اللوائح المنظمة
لعلاقات الأسرة بين أعضائها بعضهم بعضاً، وغاية هذه القيم المؤَسِسَة بناء علاقات
الأسرة على أسس إيمانية ثابتة تساعد على تمتين العلاقات البينية الناشئة عن
العلاقات الجديدة "الزوجية" أو ما يتلوها "الوالدية"
و"البنوة".
قيمة الميثاق
أول ما يوجهنا
من القيم الحاكمة للأسرة في البحث القرآني هو قيمة "الميثاق" أو
"العقد"، وقد رَدَفت اللفظة القرآنية الخاصة بقيمة "الميثاق"
– في سياق الحديث عن العلاقات الأسرية - بصفة "الغليظ" قال جل شأنه: (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ
أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا) (النساء:
21).
أما لفظة "العقد" فهو من (عَقَدَ) وقد وردت هذه اللفظة في 3 مواضع في القرآن تتعلق بمجال العلاقات الأسرية، وهي قوله تعالى: (وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ) (البقرة: 235)، (إِلَّا أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ) (البقرة: 237)، (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ) (النساء: 33).
أما لفظة
(الميثاق) فتشير إلى العهد والعقد والأمان: و(وثق) الشيء (يوثق) وَثاقةً، وموثقًا
ووثوقًا، ووثاقة: ائتمنه، فهو واثق به، وهي واثقة، وهو – أيضًا – ثبت وصار محكمًا،
و(واثق) فلانًا: عاهده، و(المَوْثقِ): العهد و(الميثاق) العهد، و(الوثاَقُ): اسم
من الإيثاق، وما يُشد به، كالحبل وغيره، و(الموثق): من الشجر: الذي يُعوِّل الناس
عليه إذا انقطع الكلأُ والشجر، وتواثقوا على الأمر تعاهدوا وتحالفوا(1).
ومنه أيضًا:
الثقة في الاعتماد على الغير: وثقت به أثقُ ثقة: سكنت إليه واعتمدت عليه، وبمعنى
الشدة والقوة وأوثقته: شددتهن.
من المعاني
المطابقة للميثاق أيضًا: العَقْدُ، والعَقْدُ: والربط والشد والإحكام والتوثيق
والضمان والعهد، والجمع بين أطراف الشيء، وعُقْدَةُ النكاح وغيره: إحكامه وإبرامه،
والعَقْدُ -أيضًا-: الربط بين أطراف متعددة، وجاءت موضوعات العَقْدُ في مجال
الأسرة للتأكيد على: استيفاء شروط الزواج للمطلقة بانتهاء العدة، وأداء مؤخر
الصداق للمرأة، ومسائل الميراث.
أبعاد العقد والميثاق في بناء للعلاقة الزوجية
أطلق القرآن
مسمى (العَقْدُ) الذي ينعقد به النكاح "ميثاقًا غليظًا"، فالعلاقة
الزوجية في الإسلام لا تنبني ولا تشرع إلا من خلال تعاقد بين الزوجين كاملين
الأهلية لإقرار ذلك العقد، وأضاف القرآن صفة "الغليظ" إلى العقد لعظمة
في تشييد هذا البناء الاجتماعي المؤسس للاجتماع البشري كله، وغليظ: من الشدة
والقوة والاكتمال والصعوبة،
وقيل في الميثاق
الغليظ عدة أقوال: أحدها: أن الميثاق الغليظ هو العهد المأخوذ على الزوج حالة
العقد من إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان، وثانيها: أن المراد به كلمة النكاح التي
يستحل بها الفرج، وثالثها: قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «اتقوا الله في
النساء؛ فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله»(2).
والحقيقة أن الميثاق
الغليظ باعتباره العقد الذي تحل به عقدة النكاح، ويبُدأ به بناء الأسرة، يتضمن كل
القيم التي احتواها القرآن الكريم، فيما يخص أطراف العقد (الزوج والزوجة) وموضوع
العقد (بناء الأسرة) وفروع العقد (الأرحام علوًا ونزولًا).
الإنجازات القيمية/الاجتماعية للميثاق والعقد في بناء الأسرة
يأتي
"الميثاق والعقد" بإنجازات متعددة بين الزوجين والأسرة على وجه العموم
منها: ما يتعلق بالحقوق والواجبات الزوجية، والحقوق والواجبات العائلية بين
الوالدين والأولاد، ومنها ما يتعلق بالانضباط السلوكي، ومنها ما يتعلق بشكل
التفاعل وطبيعته وبناء شبكة علاقات اجتماعية واسعة (الشكل التالي يبين إنجازات
قيمتي العقد والميثاق في البناء الأسري والاجتماعي الإسلامي).
الأبعاد الاجتماعية لقيمة "الميثاق" في حركة الأسرة
ينظم
"الميثاقُ" حركة الأسرة في المجتمع، التي تدخل تحت التنظيم الاجتماعي في
البناء المجتمعي ككل، والتي تعد "الأسرة" أول وأهم وحداته على الإطلاق.
و"الميثاقُ"
في تكوين الأسرة بما يحمله من شروط أبرزها: الِحل أو المشروعية (أي خلو عقد وميثاق
الزواج من كل عوامل التحريم / الموانع الزمانية (للمطلقة والأرملة) والموانع
الموضوعاتية (كالنساء المحرمات)، ثم الإشهاد (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عقد) والإعلان
(أعلنوا هذا النكاح)..، كل هذه الشروط وما تحمله من مضامين شرعية مؤسسة لسلامة
"الميثاق" أو العقد المبرم بين الزوجين، هي في طبيعتها قواعد ومبادئ
للمحافظة على سلامة البناء الاجتماعي وضمان سيره وقوة ذلك البناء، وتجنيبه لعوامل
الزلل التي تنشأ من التغافل عن شروط هذه الميثاق، وعدم تحري العدل فيها.
و"الميثاقُ"
– أيضًا – يتضمن قيمة "الحرية" لطرفي الميثاق، فالزواج في أساسه ومبدئه:
الإيجاب والقبول، ومن ثم ينتفي الإجبار والتسلط والإكراه، فالزواج عقد قائم على
التراض والحرية والقبول الإيجابي بين طرفيه، فكما أنه لا إيمان لمكره ولا كفر
كذلك، فكيف يكون الزواج بالإكراه.
إن
"الميثاقَ" يقيم مؤسسة صغيرة – من حيث الشكل النظري-هي الأسرة وهي نواة
المجتمع وكلما كانت النواة صالحة في تأسيسها وقيامها، كان ذلك أكثر ضمانًا لقوة
واستقرار الأسرة، فهذه المؤسسة الصغيرة ينظمها عقد وصفة الله تعالى لـ
"الميثاق الغليظ"، وهذا العقد تسانده – وتحدد شروطه وما يترتب عليه –
شريعة محكمة، ثم إن مما يدل على خطر هذا العقد وشرفه، أنه سواء عند ابتداء إقراره
أو عند انتهائه وإلغائه..، موضع جد لا هزال فيه، قال – صلى الله عليه وآله وسلم-
"ثلاث لا يجوز اللعب فيهن: الطلاق، والنكاح، والعتق"(3)، وقال
– أيضًا – "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح، والطلاق، والرجعة"(4).
ويذكر ابن القيم
في زاد المعاد حول احتداد المرأة على زوجها وعلاقة ذلك بقيمة العقد عند الله
"إن الحداد على الزوج الميت.. إنما هو تعظيم هذا العقد وإظهار خطره وشرفه،
وأنه عند الله بمكان، فجعلت العدة حرمًا له، وجعل الإحداد من تمام هذا المقصود
وتأكده، ومزيد الاعتناء به، حتى جُعلت الزوجة أولى بفعله على زوجها، من أبيها
وابنها، وأخيها، وسائر أقاربها، وهذا من تعظيم هذا العقد وتشريفه، وتأكيد الفرق
بينه وبين السفاح في جميع أحكامه، ولهذا شرع في ابتدائه إعلانه والإشهاد عليه،
لتحقيق المضادة بينه وبين السفاح، وشرح في أخره وانتهائه من العدة والإحداد ما لم
يشرع في غيره(5).
العقد والميثاق.. الأساس الإلهي في بناء الأسرة
يبدأ تكوين
الأسرة من نقطة إنشاء "العقد والميثاق" ومنه إلى التأسيس للبناء
الاجتماعي الراشد، وذلك بتحريها أن يكون ذلك الميثاق خال من كل أشكال العوار
المجتمعي أو المخالفة للتقاليد الحسنة التي اتفق عليها المجتمع الإنساني، في
اعتبار "الزواج" القيمة العليا للارتباط بين (الرجل والمرأة) بعيدًا عن
صور الانحراف والشذوذ الأخلاقي والجنسي التي أدوت بالبشرية وبحضارات سابقة إلى
هاوية الحضارات، فكان الميثاق والعقد في مقابل "الزنى"، الذي هو إهدار
ليس فقط لكرامة المرأة أو الرجل الممارسين لهذا الفعل القبيح، ولكنه إهدار أيضًا لقيمة/وكرامة
النفس الإنسانية المتولدة عن ذلك الفعل الذي يتم نتاج شهوة عابرة، ونزوة لا
استقرار ولا مسؤولية لنتائجها، وهو أيضًا إقرارًا بقيمة المجتمع الذي يجب أن يقوم
على نظافة في بنائه الاجتماعي ووحدته الأساس المكونة لهذا البناء
"الأسرة"، والتي تؤسس في طور ذلك جميع وحدات البناء الاجتماعي من
القرابة والحرمات وغير ذلك.
العقد والميثاق.. وتنظيم الحياة الجنسية
من إنجازات
الميثاق أيضًا، إباحة العلاقة الجنسية بين الزوجين، بل والحث عليها، فهي أحد
المقاصد الرئيسة لتكوين الأسرة والتي يتحقق فيها (الإحصان) للزوجين، والكفاية
الوجدانية والعاطفية بهذه الممارسة التي لا يجوز لها في تلك المنظومة القيمية أن
تتم إلا بهذا العقد والميثاق.
في ميثاق
الزوجية "العقد" يتخذ الإسلام إجراءات وقائية متنوعة، تهدف إلى (تمكين)
النساء والرجال من تأسيس حيواتهم في هذا المجال الحيوي المتعلق بتناسل الحياة وأن
يقوموا بهذا الأمر في بيئة بعيدة عن تقلب الحالة الاجتماعية وضغوطها، بما في ذلك
المشاكل المحيرة التي يوقعون أنفسهم فيها، وتلك الإجراءات الوقائية تشكل صمام
الأمان لما يمكن أن يتيح فرصة حقيقية لاتخاذ قرارات مسؤولة رصينة دون الاندفاع
وراء الأهواء.، والغاية هي حماية هذه المنطقة من الحياة الجنسية والمبادئ
الأخلاقية المتعلقة بها ضد المخاطر التجريبية من أجل حراسة منطقة تتسم بهشاشتها
البالغة حيث يتقاطع "مسار الحياة الجنسية ومسار الحياة الروحية" لدى
البشر(6).
قداسة العلاقة الزوجية
إن أهم ما يترتب
على تعظيم (عقد الزواج) في القرآن ووصفه بالميثاق الغليظ "هو تقديس"
العلاقة الزوجية" التي تنشأ ربما في ظروف ومناخات مستجدة بين الطرفين (الزوج
والزوجة) اللذان ينتقلان من حالة العزوبة والحياة الفردية والمسؤولية الوالدية
التابعة للزوجين، إلى حالة من المسؤولية الجماعية والتأسيس لبناء حياة اجتماعية
جديدة، وهكذا تظهر قداسة الميثاق – أيضًا – أن طرفه بيد البشر (الزوج والزوجة)
والطرف الثاني بيد الله تعالى، فهو إقرار منهما باتباع إرشادات وتوجيهات الله
تعالى في كل ما يعن للعلاقة بينهما في جانبها المعنوي وجانبها المادي كذلك.
لقد نظر القرآن
الكريم إلى ما للزواج من هذه المكانة السامية في حياة الفرد والأسرة والأمة، فجعله
"ميثاقًا" تتحمل الضمائر التي تعرف معنى الميثاق مسؤوليته، وتكافح جهدها
في سبيل المحافظة عليه والوفاء به مما قد يعترضه من شدائد وصعوبات، ثم لا يكتفي بجعله
"ميثاقًا" كيفما يكون؛ بل جعله "ميثاقًا غليظًا" و"عهدًا
قويًا" يتعذر حلة، فيربط القلوب، ويحفظ المصالح، ويندمج به كل من الطرفين في
صاحبه، فيتحد شعورهما وتلتقي رغباتهما ويكون شخصه ماثلًا دائمًا بين أعينهما(7).
نخلص إلى أن "الميثاق الغليظ" خص الله به عقد تأسيس الأسرة، ضامن لمصالح الزوجية (الزوجين) سواء كانت تلك المصالح مادية أو معنوية أو اجتماعية، وهو كذلك ضامن لما يتولد أو ينتج عن تلك التأسيس (ما يتعلق بالأولاد) وكذلك ضامن لحق المجتمع الذي يحتضن هذه الأسرة، ويقوم على نشاطها أداء أدوارها ووظائفها ناحيته، وهذا الضمان يتمثل في جانب منه ناحية المجتمع والثاني ناحية الله تعالى الذي أرسى بنوده ولوائحه وقوانينه (التشريعات والأحكام والقيم).
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً