من روائع المديح النبوي

القصيدة المحمدية للإمام البوصيري .. محمد أشرف الأعراب والعجم

يحيى الكاتب

18 أكتوبر 2026

17

رسم اسم محمد

مُحَمَّدٌ أَشْرَفُ الأعْرَابِ والعَجَمِ

 مُحَمَّدٌ خَيْرُ مَنْ يَمْشِي عَلَى قَدَمِ

محمدٌ باسطُ المَعْرُوف جَامَعَةً

         محمدٌ صاحبُ الإحسانِ والكرمِ

محمدٌ تاجُ رُسْلِ الله قاطِبَةً

    محمدٌ صادقُ الأقوالِ والكلمِ

محمدٌ ثابِتُ المِيثاقِ حافِظُهُ

    محمدٌ طيبُ الأخلاقِ والشيمِ

محمدٌ خبِيَتْ بالنُّورِ طِينَتُهُ

    محمدٌ لم يزل نوراً من القدمِ

محمدٌ حاكِمٌ بالْعَدْلِ ذُو شَرَفٍ

     محمدٌ معدنُ الإنعامِ والحكمِ

محمدٌ خَيْرُ خَلْقِ الله مِنْ مُضَرٍ

       محمَّدٌ خَيْرُ رُسْلِ الله كُلِّهِمِ

محمدٌ دِينُهُ حَقَّ النّذِيرُ بِهِ

     محمدٌ مجملٌ حقاً على علمِ

محمدٌ ذكرهُ روحٌ لأنفسنا

                          محمدٌ شكرهُ فرضٌ على الأممِ

محمدٌ سيدٌ طابتْ مناقبهُ

                            محمدٌ صاغهُ الرحمنُ بالنعمِ

محمدٌ صفوةُ الباري وخيرتهُ

                             محمد طاهرٌ من سائر التهمِ

محمد ضاحكٌ للضيفِ مكرمه

                                محمَّدٌ جارُهُ والله لَمْ يُضَمِ

محمدٌ طابتِ الدنيا ببعثتهِ

                              محمَّدٌ جاء بالآياتِ والحِكَمِ

محمدٌ يومَ بعثِ الناسِ شافعنا

                           محمدٌ نورهُ الهادي من الظلمِ

محمدٌ قائمٌ للهِ ذو هممٍ

                                 محمَّدٌ خاتِمٌ لِلرُّسُلِ كُلِّهمِ

بيان وفوائد في تكرار اسم محمد

ثمة أسماء تمر على الألسنة، وثمة أسماء تسكن القلوب، حتى إذا نطق بها المحب شعر أنه لا يردد حروفًا، بل يستحضر عالمًا كاملًا من المعاني والذكريات والمشاعر. واسم محمد -صلى الله عليه وسلم- من الأسماء التي تجاوزت حدود اللغة لتصبح في وجدان محبيه رمزًا للهداية والرحمة، وعنوانًا لسيرة تركت أثرًا عميقًا في تاريخ الإنسانية.

في أبيات الإمام البوصيري، لا يبدو الشاعر كأنه يكتفي بمدح النبي الكريم، بل كأنه يتلذذ باسمه، ويستعذب تكراره، ويجد في كل عودة إليه متعةً لا تنفد. فهو يفتتح الأبيات بقوله: «محمد»، ثم يعيد الاسم في الشطر الثاني، وكأن الصفات، مهما كثرت، لا تغنيه عن العودة إلى الاسم الذي تتجمع فيه معاني المحبة. إن التكرار هنا ليس مجرد وسيلة بلاغية للتوكيد، وإنما هو إيقاع وجداني يصور قلبًا لا يملّ ذكر محبوبه، ولسانًا كلما فرغ من وصف خصلة عاد إلى الاسم يستمد منه بداية جديدة. ولعل في ذلك سرًا يتصل بدلالة الاسم نفسه؛ فـ«محمد» مشتق من الحمد، ويحمل معنى كثرة الثناء، فكأن بنية القصيدة تردد صدى الاسم في معناه، وتجعل المديح امتدادًا طبيعيًا له.

ولا يقف الشاعر عند التعلق بالاسم، بل يحيطه بصفات تكشف عن صورة متكاملة للنبي في وجدانه؛ فهو الصادق، الوفي، الكريم، صاحب الإحسان، والحاكم بالعدل. وهنا تتجلى قيمة المديح؛ إذ لا يجعل عظمة النبي مجرد منزلة رفيعة، بل يربطها بالأخلاق التي تمس حياة الإنسان وتمنحها معناها. فالصدق والوفاء والعدل والرحمة ليست أوصافًا تُقال فحسب، وإنما قيم تتجدد الحاجة إليها في كل زمان. ومن هنا تصبح المحبة النبوية أعمق من مجرد ترديد الاسم؛ إنها معرفة بالسيرة، وتعلق بالشمائل، وسعي إلى الاقتداء بالأخلاق.

وفي هذا السياق، تثير بعض التصريحات أو المواقف الصادرة عن شخصيات عامة في الغرب، حين تتناول اسم النبي محمد  -صلى الله عليه وسلم- أو الإسلام بنبرة ساخرة أو مستفزة، نقاشًا حول الحدود الفاصلة بين حرية التعبير واحترام المعتقدات الدينية. فالمجتمعات تختلف في نظرتها إلى الدين ورموزه، ومن الطبيعي أن تتعدد الآراء ووجهات النقد، لكن الحوار يظل أكثر قيمة حين يقوم على المعرفة والاحترام المتبادل، بعيدًا عن التجريح أو التعميم. ولعل أبيات البوصيري تتيح لنا النظر إلى هذه المسألة من زاوية أرحب؛ فمحبة النبي لا تقتصر على الدفاع عن اسمه، بل تتجلى أيضًا في استحضار سيرته وأخلاقه، وفي تقديم صورة عن الإسلام قوامها الحكمة والرحمة وحسن التعامل مع الآخرين.

وهكذا، حين يكرر البوصيري «محمد» من أول القصيدة إلى آخرها، يبدو كأنه لا يريد للكلام أن ينتهي، لا لعجزه عن استكمال المعاني، بل لأن المحبة أوسع من أن تستوعبها الكلمات. فقد تنتهي القصيدة، وتتبدل خطابات السياسة، لكن الاسم يظل حيًا في قلوب محبيه، يستدعي سيرةً يتجدد التأمل فيها، ومعاني لا تستنفدها الأبيات. فبعض الأسماء لا يكررها المحب لأنه نسيها، بل لأنه لا يريد لمعناها أن يغيب عن قلبه.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة