القواعد الأخلاقية في الإسلام
يعرف كثير من
الناس القواعد الفقهية، والقواعد الأصولية، وربما لا يعرفون شيئًا كثيرًا عن
القواعد الأخلاقية، فكما أن نبينا صلى الله عليه وسلم وضع للأصول وللفقه قواعد
ثابتة، استنبطها العلماء من بعده، وقعّدوها في أطر ثابتة يرجع المسلمون إليها في
كل زمان ومكان، كذلك قد وضع صلى الله عليه وسلم للأخلاق قواعدَ، ووجب على المسلمين
تقعيدها والرجوع إليها عند الحاجة،
والأهم من ذلك
تعليمها ونشرها للعالم أجمع، حتى يعلم غير المسلمين أن الإسلام هو أول من قعّد
القواعد الأخلاقية التي يجب على الناس اتباعها والسير عليها إلى يوم الدين،
وأهم هذه
القواعد قول نبينا صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ
وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا»،
وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ
الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ وَالْمُتَفَيْهِقُونَ»،
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ،
فَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ؟ قَالَ: «الْمُتَكَبِّرُونَ»(1)، فهي قاعدة
جليلة عظيمة، بل أفضل قاعدة تحث على مكارم الأخلاق.
قاعدة «ما كانت هذه لتقاتل»
عَنْ عُمَرَ
بْنِ الْمُرَقَّعِ بْنِ صَيْفِيِّ بْنِ رَبَاحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ
جَدِّهِ رَبَاحِ بْنِ رَبِيعٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه
وسلم فِي غَزْوَةٍ فَرَأَى النَّاسَ مُجْتَمِعِينَ عَلَى شَيْءٍ فَبَعَثَ رَجُلًا،
فَقَالَ: «انْظُرْ عَلَامَ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ؟»، فَجَاءَ فَقَالَ: عَلَى
امْرَأَةٍ قَتِيلٍ، فَقَالَ: «مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ»، قَالَ: وَعَلَى
الْمُقَدِّمَةِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَبَعَثَ رَجُلًا، فَقَالَ: «قُلْ
لِخَالِدٍ لَا يَقْتُلَنَّ امْرَأَةً وَلَا عَسِيفًا»(2).
وهذا الحديث
العظيم استدل به الفقهاء على أن المرأة إذا قاتلت أو ساعدت في القتال جاز قتلها،
كما استدل به آخرون على أن كل من لم يكن أهلًا للقتال مثل الطفل والشيخ الكبير
والراهب في صومعته لا يجوز قتله، وهذه استدلالات في الفقه لا غبار عليها.
لكننا بصدد
الحديث عن كونها قاعدة أخلاقية عظيمة في الإسلام، إذ إنها من القواعد الثابتة في
الأخلاق، التي لا يعتريها الزمن، ولا تغيرها الأحداث، فالإسلام دين عظيم، ما جاء
لسفك الدماء، ولا لإكراه الناس على عقيدة معينة، وإن كان قد وضح وبين للناس عاقبة
كل عقيدة فاسدة، إلا إنهم لا بد أن يختاروا ما يعتقدون دون إكراه.
ومن هنا، فمن لم
يعتقد عقيدة الإسلام لا يجوز قتله ما دام مسالمًا للمسلمين، ولا يقتل حتى يتحول
محاربًا للمسلمين، فالإسلام لا يبيح إلا قتال من قاتل، ولا يبيح قتل إلا من كان
للقتل أهلًا.
القاعدة الأخلاقية وقتل الأطفال
قد يتأول بعض
قليلي العلم والفهم أن أطفال المشركين وخاصة أطفال اليهود، الذين يتربون على
العقيدة اليهودية العدائية لكل ما هو إنساني، فضلًا عن عدائهم لكل ما هو مسلم،
وتأول هؤلاء البعض جواز قتل هؤلاء الأطفال لكونهم سيقاتلوننا غدًا، فتأتي هذه
القاعدة الجليلة في الأخلاق لتقف سدًا منيعاً وتقول: «ما كان هؤلاء ليقاتلوا»، ثم
ما علمنا بحالهم غدًا قد يدخلون في الإسلام، أو حتى يسالموا المسلمين، فلا يصح
أخلاقيًا قتالهم ولا قتلهم لمجرد توهم وظن ما يمكن أن يكونوا عليه غدًا.
ونحن ننكر هذا
الخلق الذميم عند اليهود الذين يستبيحون قتل الأطفال، ويدعون كذبًا أن هذا في
عقيدتهم التوراتية، والتوراة السماوية الموسوية الصحيحة براء من هذا الكذب
والافتراء.
القاعدة الأخلاقية والمعاملة بالمثل
القواعد
الأخلاقية لا تعرف التعامل بالمثل، فلا يكون تعامل أصحاب الأخلاق لغيرهم من مبدأ
تعامل الغير لهم، ولذا قالوا: «كل إناء ينضح بما فيه»، فكل امرئ يتعامل بما عنده
من خلق، ولذا كان المشركون يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم ويشتمونه ويسبونه، ومع
هذا ما بادلهم ذلك أبدًا، بل كان يعاملهم بأحسن الأخلاق، وهذا توجيهه صلى الله
عليه وسلم لمن جاء يسأله عن تعامله بحسن الخلق لقرابته وهم يسيؤون إليه، بل ويحثه
على المداومة على ذلك.
فعَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ
لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيؤونَ
إِلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ فَقَالَ: «لَئِنْ كُنْتَ
كَمَا قُلْتَ فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللهِ
ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ»(3).
فقد يقول أيضًا
بعض قليلي العلم والفقه، أن اليهود ما داموا يستبيحون قتل أطفال المسلمين ونسائهم
غير الحربيات، إذن لا مانع أن نعاملهم بالمثل من استهداف أطفالهم وكذا كل نسائهم،
حتى غير الحربيات، والصواب أنهم يقتلون الأطفال والنساء غير الحربيات على غير هدى
الله تعالى، فهل يصح لنا أن نعصي الله تعالى كعصيانهم؟! بالطبع لا، لكننا نعاملهم
بأخلاق الإسلام الصحيحة التي علمنا إياها النبي صلى الله عليه وسلم، مهما تعاملوا
هم بخلاف ذلك، فإن كانوا هم قد بغوا وقتلوا أطفالنا ظلمًا بلا خلق منهم، فما حجتنا
في ظلم أطفالهم وقتلهم غيلة وربما لو كان لأطفالهم رأي لنهوا عن قتل أطفالنا.
ثم إن أخلاقنا
هذه التي يرتضيها الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، قد تكون دافعًا لهم للدخول في
الإسلام، وهذا عين ما ابتعثنا الله تعالى له وهو هداية الناس، وكان من هديه صلى
الله عليه وسلم معاملة الناس كل الناس بأخلاق الإسلام، مهما عاملوه بغير ذلك، فلقد
غدر المشركون بأصحاب بئر معونة وقتلوهم عن آخرهم بعد تأمينهم إياهم، وكانوا سبعين
صحابيًا من خيرة الصحابة، فلما قام عمرو بن أمية الضمري بقتل رجلين من بني كلاب
لقيهما في طريق عودته ظنًا منه أنه ينتقم لمن قتل من الصحابة في بئر معونة، قال له
النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد قتلت قتيلين لأدينهما»؛ أي لأدفعن ديتهما،
لأنَّهما كانا على أمان من النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يقل: هذه بتلك، أو هما
رجلان من سبعين غدر بهم؛ لذلك لم تكن المعاملة بالمثل، بل كانت بخلق الإسلام مهما
كانت أخلاق الجاهلية.
ماذا لو خالفنا قواعد أخلاقنا؟
نكون بذلك أولًا:
قد خالفنا هدي نبينا صلى الله عليه وسلم، وثانيًا: نكون قد صددنا عن سبيل الله
تعالى، فكم من أحد دخل في الإسلام لأنه رأى أخلاق المسلمين في الحرب مع العدو
الصهيوني! وكم شَدَّهُ ما يفعله اليهود المجرمون بأهل غزة، وبأسرى المسلمين في
سجون الصهاينة! ورغم ذلك يرى المعاملة الأخلاقية السامية من أهل غزة للأسرى من
الصهاينة بيد المسلمين.
تلك الأخلاق
السامية للمسلمين هي التي نقلت الغرب كله نقلة نوعية كبيرة نحو الإسلام، وهي التي
أزالت الصورة المزيفة التي رسمت لهم عن الإسلام من قبل، وأظهرت الإسلام في صورته
السمحة النقية، مما حدا بكثير منهم أن يدخلوا في الإسلام حبًا ورغبة في هذا الدين
العظيم، لما رأوه من خلق حميد لا يفارق أهله لكونهم ظلموا من عدوهم.
__________________
(1) رواه
الترمذي (2018)، وقال حديث حسن.
(2) رواه أبو
داود (2669)، والنسائي (8573)، وابن ماجه، وابن حبان، وصححه الألباني.
(3) رواه الإمام
مسلم (2558).