الكويت والهوية الوطنية… أصالة تتوارثها الأجيال

الكويت ليست مجرد وطن يعيش الناس فيه؛ بل هي كيان يعيش في وجدان كل كويتي وكويتية، يختزل تاريخًا من التضحيات، وتراثًا من القيم الأصيلة التي صاغت هويتها الوطنية المتفردة بين دول المنطقة والعالم. وإذا كانت الهوية الوطنية هي مجموع القيم والخصائص والرموز التي ينتمي إليها الإنسان ويشعر بالفخر لحملها، فإن الكويت تقدم للعالم نموذجًا استثنائيًا في ترابط الشعب بالقيادة، وفي تمسك المجتمع بقيمه حتى مع تسارع مظاهر العولمة والتغيرات الحضارية بحسب الراي.

في هذا التقرير نتناول أبرز القيم الكويتية الأصيلة: الكرم، التراحم، الإيثار، والمبادرة، ودور التربية الوطنية في غرس هذه القيم وحماية الولاء والانتماء لدى الناشئة، مستعرضين الروافد التاريخية والاجتماعية والتربوية لهذه الهوية العريقة.

أولًا: الكرم… عنوان الكويت وأهلها

الكرم في الذاكرة الشعبية

عُرفت الكويت عبر تاريخها بأنها بلد الكرم، حيث كان البحر مصدر الرزق لأهلها، ومع ذلك لم يبخلوا بما يخرجون به من الغوص أو التجارة البحرية أو السفر، بل كانت ديوانياتهم مفتوحة للسفن القادمة، والضيوف الغريبين، وحتى للفقراء من أهل الديرة. يتحدث التاريخ الشفهي الكويتي عن شخصيات مثل النوخذة عبداللطيف العثمان، والنوخذة راشد الحجي، وأهل الفرضة الذين كانوا يفتحون بيوتهم لكل غريب لم يجد مأوى، ويطعمون كل جائع بلا سؤال عن أصل ولا نسب.

الكرم في الحاضر

هذا الكرم لم يكن فقط فرديًا، بل تحول إلى قيمة مؤسسية للدولة والمجتمع، الكويت اليوم من أكبر الدول المانحة عالميًا نسبة إلى دخلها القومي، وفق تقارير الأمم المتحدة وبرنامج التنمية الإنمائي (UNDP). ويظهر الكرم كذلك في مبادرات يومية بسيطة، من الولائم العامة في المساجد والأحياء، إلى صناديق الطعام عند أبواب البيوت، إلى التبرعات السريعة في أي كارثة إقليمية أو دولية، لتؤكد الكويت أنها بلد «اليد المفتوحة» كما وصفها الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة بان كي مون بحسب الأنباء.

ثانيًا: التراحم… شبكة أمان اجتماعي وروحي

مفهوم التراحم الكويتي

التراحم قيمة متجذرة في شخصية الإنسان الكويتي، ويظهر ذلك في أولويات الإنفاق الاجتماعي، إذ تتصدر المشاريع الخيرية والرعوية والأسرية ميزانيات الجمعيات الخيرية والأفراد، وهو تراحم يتجاوز الأسرة إلى المجتمع ثم الأمة الإسلامية والعالم .

مظاهر التراحم في المجتمع

في تقرير لوزارة الشؤون الاجتماعية (2024)، يتبين أن أكثر من 32% من الكويتيين يخصصون جزءًا ثابتًا من دخلهم الشهري للمشاريع الخيرية والتكافلية، سواء لكفالة يتيم أو كفالة طالب علم أو لدعم الأسر المتعففة، فضلًا عن حضورهم القوي في المواسم الخيرية مثل رمضان والحج ومواسم الأمطار والشتاء. كذلك تظهر قيمة التراحم في القوانين الحكومية التي تضمن معاشًا شهريًا لذوي الإعاقة وكبار السن والأرامل والمطلقات دون تعقيد أو تأخير بحسب القبس.

تراحم الدولة تجاه العالم

لم تكتف الكويت بالتراحم الداخلي، بل صدّرت هذا التراحم للعالم، وكان ذلك أحد الأسباب التي دفعت الأمم المتحدة إلى تسميتها «مركزًا للعمل الإنساني» عام 2014، ومنح أميرها الراحل الشيخ صباح الأحمد لقب «قائد العمل الإنساني»، تقديرًا لسياساتها المستمرة في إغاثة المحتاجين دون تمييز ديني أو عرقي أو سياسي.

ثالثًا: الإيثار… قيمة عليا تتجلى في التفاصيل

الفرق بين الكرم والإيثار

بينما يرتبط الكرم بالبذل مما تملك عن رضا نفس وسعة حال، فإن الإيثار أرفع؛ لأنه تقديم حاجة غيرك على حاجتك، ولو كنت أنت أيضًا محتاجًا. وقد ورد في التراث الكويتي قصص كثيرة عن الإيثار، مثل حكايات الغاصة (الغواصين) الذين يقتسمون اللؤلؤ بالتساوي ولو اختلفت أنصبتهم، والتجار الذين يتنازلون عن ربحهم لصالح الفقير في المواسم الصعبة، بل وحتى في الحرب والغزو، ظهرت مواقف إيثارية خالدة لأسر كويتية تقاسمت البيوت والطعام رغم شح الموارد والخوف.

الإيثار في الجيل الجديد

اليوم تسعى وزارة التربية إلى غرس قيمة الإيثار عمليًا، من خلال الأنشطة الطلابية التطوعية، مثل حملات «كسوة الشتاء» أو «أطعم غيرك» أو التبرعات المدرسية للأسر المحتاجة. وتؤكد دراسات نفسية تربوية صادرة عن جامعة الكويت أن مشاركة الطلبة في هذه الأنشطة تنمي لديهم الإيثار والتعاطف الاجتماعي، وتقلل السلوكيات الأنانية والعنف المدرسي بنسبة تصل إلى 27%. بحسب القبس.

رابعًا: المبادرة… صناعة الريادة الكويتية

المبادرة في التاريخ الكويتي

لا يمكن الحديث عن الكويت دون الحديث عن روح المبادرة التي طبعت شخصيتها منذ نشأتها؛ إذ بادر الأجداد إلى بناء المدارس الأهلية قبل تأسيس التعليم الحكومي، وأنشأوا أول مكتبة عامة (مكتبة المباركية) من أموال أهل الخير، وأسهموا في بناء أول مسجد، وأول مستشفى أهلي، وأول صحافة أهلية عربية خليجية (مجلة الكويت 1928)، في وقت لم تكن دول المنطقة تعرف الصحف بحسب الراي.

المبادرة اليوم… من التعليم إلى الابتكار

اليوم، باتت المبادرة جزءًا من المناهج الدراسية الكويتية، حيث أطلقت وزارة التربية مسابقة «مبادرتي لوطني» التي تحفز الطلاب على تقديم حلول ومشاريع تخدم البيئة المدرسية أو المجتمع. وفي الجامعات، نرى برامج الابتكار وريادة الأعمال التي تدعم الشباب لتحويل أفكارهم إلى مشاريع اقتصادية واجتماعية، لتعزز الكويت دورها الريادي كبلد مبادر على مستوى الخليج والعالم بحسب القبس.

خامسًا: التربية الوطنية… غرس الهوية وحماية الولاء والانتماء

تعريف التربية الوطنية

التربية الوطنية هي العمليات التعليمية والتربوية التي تهدف إلى غرس القيم الوطنية، وتعريف الأجيال بتاريخ بلادهم ونضال أجدادهم، وتعزيز الشعور بالمسؤولية والانتماء، وحماية الولاء الوطني من الانحرافات الفكرية أو الاختراقات الثقافية أو حملات التشويه المنظمة .

التربية الوطنية في المناهج الكويتية

حرصت وزارة التربية منذ تأسيسها على تدريس التربية الوطنية من المرحلة الابتدائية حتى الثانوية، وتركز المناهج على: تاريخ الكويت السياسي وتطور نظامها الدستوري، التعريف بحكام الكويت وإنجازاتهم، دراسة جغرافية الكويت وموقعها الاستراتيجي، رموز الدولة الوطنية: العلم، السلام الوطني، والنشيد، حقوق وواجبات المواطن، التحديات المعاصرة وأهمية الوحدة الوطنية.

البرامج والمشاريع التطبيقية

لا تقتصر التربية الوطنية على الدراسة النظرية، بل تنظم الوزارة زيارات ميدانية للطلبة إلى:  مركز الشيخ عبدالله السالم الثقافي للتعرف على تاريخ الكويت الحضاري والعلمي، متحف بيت الكويت للأعمال الوطنية، الذي يجسد ملحمة الغزو والتحرير، ويزرع في قلوب النشء قيمة الولاء والفداء، كما تشرف وزارة الإعلام على إنتاج برامج ومسلسلات وطنية مثل مسلسل «نوخذة الديرة»، وسلسلة «هويتنا عزنا»، والتي تساهم في تعزيز الانتماء الوطني لدى الأطفال واليافعين بحسب الراي.

سادسًا: الهوية الوطنية في مواجهة العولمة

تحديات العولمة الثقافية

مع الانفتاح الإعلامي والثقافي الهائل، تواجه الهوية الوطنية في الكويت وغيرها من الدول تحديات كبيرة، من تراجع استخدام اللهجة الكويتية أمام اللهجات الأخرى، إلى ضعف معرفة بعض النشء بالأغاني الوطنية أو أسماء حكام الكويت، أو حتى التغير في أنماط الاستهلاك الثقافي والترفيهي.

جهود الدولة والمؤسسات

سعت الحكومة لمواجهة هذه التحديات عبر: حملات إعلامية مكثفة لوزارة الإعلام بعنوان «كويتي وأفتخر» و«الهوية أمانة»،  مسابقات مدرسية لحفظ الأغاني والأهازيج الوطنية، بالإضافة إلى إطلاق قناة أطفال كويتية خاصة تحرص على تقديم محتوى عربي ووطني أصيل، وزيادة الجرعات التاريخية والتراثية في مناهج التربية الوطنية، دعم الأعمال الدرامية والفنية التي تتناول التاريخ الكويتي وقيم المجتمع، مثل مسلسل «دار غصون» و«أهل الديرة بحسب القبس».

سابعًا: الأسرة… المدرسة الأولى لغرس الهوية

لا يمكن الحديث عن التربية الوطنية دون الإشارة إلى دور الأسرة الكويتية، فهي المدرسة الأولى للطفل، ومنها يكتسب لهجته وقيمه الوطنية والدينية والأخلاقية. لذلك تحرص الأسر على تعليم الأبناء أهازيج الكويت الشعبية، وأسماء العائلات الكويتية العريقة، وأمثالها الشعبية التي تحمل الحكمة والقيم، مثل: «اللي ما يعرفك ما يثمنك» و«من طلع من داره قل مقداره».

الكويت، بقيمها الأصيلة: الكرم، التراحم، الإيثار، والمبادرة، وببرامجها التربوية الوطنية، تصنع أجيالًا تحمل لواء هويتها بوعي وفخر، جيلًا قادرًا على مواجهة العولمة دون فقدان جذوره، وعلى الانفتاح دون الذوبان، وعلى الابتكار دون الانسلاخ عن الموروث.

إنها قصة وطن كتب تاريخه بالمبادرات العظيمة والتضحيات الجليلة، وسيكتب مستقبله بالأيدي العاملة والعقول المفكرة والقلوب المحبة لترابه الطاهر، لتبقى الكويت شامخة بين الأمم، وطن الإنسانية والريادة والقيم الراسخة التي لا تهزها الرياح.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة