اللحظات الأخيرة من رمضان.. بين تجارة الرابحين وعودة المفرطين
شهر رمضان أيامه
قليلة ومنح الله تعالى فيه متغايرة عن غيره، وأبواب الجنة فيه مفتوحة وأبواب النار
فيه مغلقة والشياطين فيه مقيدة، ورحمة الله تغشى المؤمنين، كأن الله يقول لعباده
ليس أمامكم غير جنتي.
فاقتناص اللحظات
الأخيرة من رمضان في مزيد من الطاعات، زيادة لربح الرابحين واستدراك ما مضى
للمفرطين، وذلك من خلال ما يلي:
أولاً: الانتفاع بالوقت:
رغم أن شهر
رمضان أوقاته قليلة، فإن البعض يفرط فيه ولا يشعر بقيمته، وينسى أن الله تعالى
جعله منحة لعباده ليغفر لهم ما قد قصروا فيه ويزدادوا قرباً من ربهم، فعند الإمام
أحمد عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصلاة المكتوبة إلى الصلاة
التي بعدها كفارة لما بينهما والجمعة إلى الجمعة، والشهر إلى الشهر- يعني رمضان إلى
رمضان- كفارة لما بينهما».
وقد بيّن صلى
الله عليه وسلم قيمة الوقت عامة وحذّر من الفراغ، ففي البخاري عن ابن عباس قال:
قال صلى الله عليه وسلم: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس؛ الصحة والفراغ».
فقد يكون
الإنسان صحيحاً ولا يكون متفرغاً لشغله بالمعاش، وقد يكون مستغنياً ولا يكون صحيحاً،
فإذا اجتمعا فغلب عليه الكسل عن الطاعة فهو المغبون، وتمام ذلك أن الدنيا مزرعة
الآخرة وفيها التجارة التي يظهر ربحها في الآخرة، فمن استعمل فراغه وصحته في طاعة
الله فهو المغبوط، ومن استعملهما في معصية الله فهو المغبون، لأن الفراغ يعقبه
الشغل والصحة يعقبها السقم ولو لم يكن إلا الهرم(1).
وقد كان النبي
صلى الله عليه وسلم نموذجاً لاغتنام الوقت في رمضان وحجة على المقصرين، فكان كلما
أوشك رمضان على الانتهاء؛ زاد في الصالحات من الأعمال، بل ويحث أقرب الناس إليه
على الزيادة في القرب من الله عز وجل فيما تبقى من رمضان.
ففي صحيح
البخاري عن عائشة قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد مئزره،
وأحيا ليله، وأيقظ أهله»؛ فشد مئزره هو كناية عن الاستعداد للعبادة والاجتهاد لها
زيادة عن المعتاد، وقيل: هو من ألطف الكنايات عن اعتزال النساء وترك الجماع،
والمئزر الإزار: وهو ما يلبس من الثياب أسفل البدن، وأيقظ أهله: نبههن للعبادة
وحثهن عليها.
ثانياً: سعيُ المؤمن لعتق نفسه من النار:
يسعى المطيعون
الله في رمضان لزيادة أجرهم عند ربهم، وسمو مكانتهم في جنة الله عز وجل، وبالتالي
تعتق رقابهم من النار، ويبذل المقصرون جهدهم لعتق رقابهم من النار واستدراك ما قد
قصروا فيه في بداية هذا الشهر الفضيل، فقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أعمالاً
لعتق الرقاب، منها:
أ- الذكر
المطلق: ففي البخاري عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قال: لا
إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، في يوم
مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت
له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل
أكثر منه».
ب- الذكر
المخصوص بوقت الصباح أو المساء: فعند أبي داود عن أنس بن مالك، أن النبي صلى الله
عليه وسلم، قال: «من قال حين يصبح أو يمسي: اللهم إني أصبحت أشهدك وأشهد حملة
عرشك وملائكتك، وجميع خلقك أنك أنت الله لا إله إلا أنت وأن محمداً عبدك ورسولك
أعتق الله ربعه من النار، فمن قالها مرتين أعتق الله نصفه، ومن قالها ثلاثاً أعتق
الله ثلاثة أرباعه، فإن قالها أربعاً أعتقه الله من النار».
جـ- الدفاع عن
عرض المسلم: فعند الإمام أحمد عن أسماء بنت يزيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
من ذب عن لحم أخيه في الغيبة كان حقاً على الله أن يعتقه من النار.
د- المساهمة
المالية في عتق الرقاب: كمن أعان مالياً في عتق رقبة، مثل المساهمة في دفع ديات
القصاص أو فك أسر، فله من الأجر بقدر مساهمته، ففي البخاري عن أبي هريرة، عن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: «من أعتق رقبة مسلمة أعتق الله بكل عضو منه عضواً من
النار، حتى فرجه بفرجه».
هـ- الإقبال على
الله بالطاعة كالصيام وغيره: أراد الله تعالى للمقبلين عليه بالطاعة، النعيم بجنته
والعتق من ناره، فعند ابن ماجه عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ولله
عتقاء من النار –في رمضان- وذلك في كل ليلة».
وفي «الترغيب
والترهيب» للمنذري عن ابن مسعود قال، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَللَّه عز
وجل عِنْد كل فطر من شهر رمضان كل لَيْلَة عتقاً من النَّار سِتُّونَ ألف فَإِذا
كَانَ يَوْم الْفطر أعتق الله مثل مَا أعتق فِي جَمِيع الشَّهْر ثَلَاثِينَ مرّة
سِتِّينَ ألف سِتِّينَ ألف».
فما فتح الله
تعالى لعباده بخير هذا الشهر إلا ليعتقهم من ناره، فالنجاة لمن واصل سيره إلى الله
تعالى، والفرصة باقية لمن قصّر وأراد اللحاق بركب المقبلين على الله تعالى.
ثالثاً: إجبار النفس على النجاة:
إن لم يغتنم
المسلم فرصة رمضان من أجل نجاة نفسه أوبَقها وأوردها المهالك، ولذلك لا بد أن يقود
المسلم نفسه وإلا سلمته سوء المسالك، فعند مسلم عن أبي مالك الأشعري قال: قال النبي
صلى الله عليه وسلم: «كل الناس يغدو، فبايع نفسه، فمعتقها أو موبقها».
وليعلم المؤمن
أَن النَّعيم لَا يدْرك بالنعيم وَإِن من آثر الرَّاحَة فَاتَتْهُ الرَّاحَة
وَإِن بِحَسب ركُوب الْأَهْوَال واحتمال المشاق تكون الفرحة واللذة، فَلَا فرحة
لمن لَا هم لَهُ، وَلَا لَذَّة لمن لَا صَبر لَهُ، وَلَا نعيم لمن لَا شقاء لَهُ،
وَلَا رَاحَة لمن لَا تَعب لَهُ، بل إِذا تَعب العَبْد قَلِيلا استراح طَويلا،
وَإِذا تحمل مشقة الصَّبْر سَاعَة قَادَهُ لحياة الْأَبَد، وكل مَا فِيهِ أهل
النَّعيم الْمُقِيم فَهُوَ صَبر سَاعَة(2).
ومن أرد أن ينقذ
نفسه فليعمل بهذه الوصية النافعة الماتعة، احذر نَفسك فَمَا أَصَابَك بلَاء قطّ
إِلَّا مِنْهَا، وَلَا تهادنها فوَ اللَّه مَا أكرمها من لم يهنها، وَلَا أعزها من
لم يذلها، وَلَا جبرها من لم يكسرها، وَلَا أراحها من لم يتبعهَا، وَلَا أمنها من
لم يخوفها، وَلَا فرحها من لم يحزنها(3).
وقال الحسن:
المؤمن في الدنيا كالأسير يسعي في فكاك رقبته، لا يأمن شيئًا حتى يلقى الله عز
وجل، وقال: «ابنَ آدم إنك تغدو وتروح في طلب الأرباح؛ فليكن هَمُّك نفسَك، فإنك لن
تربح مثلَها أبدًا».
وقال أبو بكر بن عياش: «قال لي رجل مرة وأنا شاب: خلّص رقبتك ما استطعت في الدنيا من رِقِّ الآخرة؛ فإن أسير الآخرة غيرُ مفكوكٍ أبدًا»، قال: فو الله ما نسيتها بعد(4).
اقرأ أيضا
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً