المؤثرون الجدد وإعادة تشكيل وعي الأجيال.. الفرص ‏والتحديات

المؤثرون الجدد وإعادة تشكيل وعي الأجيال.. الفرص ‏والتحديات

لم تعد المنصات الرقمية مجرد أدوات للتواصل والترفيه، بل تحولت اليوم إلى فضاء يصنع القناعات ويعيد ترتيب الأولويات، خصوصاً لدى الأجيال الناشئة، فالشاب قد يقضي ساعات يومياً مع صانع محتوى يتابع تفاصيل حياته، ويتلقى منه تصورات عن الدين والنجاح والجمال والعلاقات وأنماط العيش، بجرعات تفوق أحياناً ما يتلقاه من الأسرة أو المدرسة أو الجامعة، ومن هنا برز دور المؤثرين الجدد بوصفهم فاعلين رقميين، يمتلكون قدرة عالية على جذب الانتباه، وسلطة ناعمة في تشكيل الذوق العام وتوجيه السلوك الفردي والجمعي.

المنصات الرقمية.. آفاق جديدة لتعميم المعرفة

لا يمكن إنكار بعض الجوانب الإيجابية لهذه الظاهرة؛ فقد كسر العالم الرقمي احتكار المعلومة، وأسهمت المنصات الرقمية في توسيع دائرة الوصول إلى المعرفة، وجعلت التعلم أكثر سهولة وانفتاحاً، وأصبح الشاب اليوم قادراً على النهل من علوم الشريعة أو إتقان مهارة تقنية ومعرفية أو تطوير مشروعه الخاص، من خلال محتوى بسيط ومتاح، دون كلفة عالية أو قيود زمانية ومكانية.

كما أظهرت هذه المنصات نماذج شبابية ملهمة تخصصت في صناعة الوعي؛ سواء عبر مراجعة الكتب، أو تبسيط العلوم، أو تقديم نصائح مفيدة في اللياقة البدنية والبرمجة وريادة الأعمال، هذه النماذج تمثل استثماراً ذكياً للعالم الرقمي، وتفتح للشباب آفاقاً واسعة للنمو والتطوير الذاتي.

المثالية الزائفة.. حين تتحول الشاشة إلى مرآة مشوهة

لكن الوجه الآخر للمشهد يبدو أكثر تعقيداً؛ إذ انتقل معيار القيمة لدى كثيرين من العمق إلى الجاذبية، وصار المحتوى الأكثر انتشاراً ليس بالضرورة الأكثر نفعاً، بل الأكثر قدرة على إثارة الانتباه وصناعة الجدل، لأن المعايير الخوارزمية للمنصات لا تكافئ المحتوى الأعمق، بل تكافئ المحتوى الذي يحبس أنفاس المشاهد لأطول فترة ممكنة، مما دفع الكثيرين لتبني أساليب الإثارة وصناعة الجدل لضمان البقاء في دائرة الضوء.

وقد أفرزت هذه المعادلة ثقافة استعراضية تُقدَّم فيها الحياة بصورة مثالية ومفلترة؛ نجاح دائم، وسفر مستمر، ومظهر متقن، وحياة تبدو خالية من العثرات والمشكلات، ومع الاستهلاك المتكرر لهذه الصور، يقع كثير من الشباب في فخ المقارنة، فينظر بعضهم إلى حياته الطبيعية بوصفها أقل إثارة أو قيمة.

ومن هنا تتولد مشكلات نفسية وسلوكية متعددة؛ مثل: ضعف الرضا عن الذات والحياة، والقلق من فوات الفرص، وسعي البعض المحموم للحضور الرقمي ولو على حساب الاتزان الشخصي والعلاقات الأسرية والقيم الدينية والأخلاقية.

وهْم المرجعية.. هل عدد المتابعين دليل على الحق؟

التحدي الأكبر يتمثل في أزمة المرجعية داخل البيئة الرقمية؛ إذ تتحول الشهرة في كثير من الأحيان إلى نوع من السلطة المعرفية الزائفة، فيكفي أن يمتلك الشخص حضوراً جذاباً حتى تقبل آراؤه كحقائق في قضايا شرعية أو تربوية أو طبية معقدة، دون أدنى تثبت من أهليته العلمية والقيمية، وأصبح السؤال لدى كثيرين: كم عدد متابعيه؟ وذلك بدلاً من أن ينظر في القول نفسه، ومدى دقة أخباره، ودلالة أدلته.

عزز هذا التحول ثقافة التلقي السريع، والاكتفاء بالخلاصات المختزلة والمقاطع القصيرة؛ ما أضعف مهارات النقد والتحليل والحوار، وأدى إلى بناء وعي هش، سريع التأثر، محدود العمق، عجول القرارات.

نحو وعي رقمي راشد

ليس المطلوب اليوم القطيعة مع المنصات الرقمية، ولا شيطنة المؤثرين، بل بناء وعي رقمي راشد لدى الأجيال الجديدة، يعزز من مهارات التفكير النقدي، الذي يسأل المؤثر عن صحة خبره ودقة دليله، كما كان يقول علماء النقد في تراثنا الإسلامي العظيم: «إن كنت ناقلاً فالصحة، أو مدعياً فالدليل»، و«لولا الدليل لقال من شاء ما شاء»، مستلهمين ذلك من التوجيه الرباني في القرآن الكريم: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) (الإسراء: 36)، وقوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (الحجرات: 6)، ليتحول الشاب من مجرد متلق سلبي للمعرفة، إلى شاب واع قادر على السؤال والمقارنة والتمييز والحوار.

ومما ينبغي ترسيخه في نفوس الناشئة كذلك مفهوم القيمة الذاتية للإنسان بعيداً عن مقاييس الإعجابات والمتابعات؛ فقيمة الإنسان لا تُقاس بحضوره الرقمي، بل بأثره الحقيقي في نفسه ومجتمعه، وبما يقدمه لنفسه عند ربه، وكم من مجهول في الأرض معروف في السماء، لو أقسم على الله لأبر قسمه!

مسؤولية المؤسسات.. الفضاء الرقمي لا يقبل الفراغ

ولا يقل أهمية عن كل ما سبق، دعم المحتوى الهادف وصنّاعه في هذا الفضاء المفتوح، لتقديمه بأحسن صورة شكلاً ومضموناً؛ وذلك أن الفضاء الرقمي لا يقبل الفراغ، وإذا غاب المحتوى الرشيد تمدد غيره تلقائياً، وهنا يبرز دور المؤسسات التربوية والدعوية والإعلامية والمالية في دعم المحتوى المفيد وصناعه؛ لمزاحمة الغث بالسمين، وتحويل القيم الرصينة إلى «ترند رقمي» بلغة أهل العصر الجديد.

إن معركة الوعي اليوم تُخاض على شاشة الهاتف المحمول، ومسؤولية التربية والدعوة أعمق من مجرد التحذير والمنع والمراقبة، حتى تتضمن بناء مناعة داخلية تمكّن الأجيال من التعامل مع هذا الفضاء المفتوح بوعي واتزان.

سيبقى المؤثر الحقيقي ليس من يملك أكبر عدد من المتابعين، بل من يترك أثراً باقياً في الفكر والقيم والسلوك، أما الضجيج الرقمي، فسرعان ما يتبدد، ويبقى في الأرض ما ينفع الناس؛ (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ) (الرعد: 17).

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة