المدرسة العقلية وآثارها على الأمة.. العقلانية وهدر النص
عاش الصحابة رضي
الله عنهم في حيطة وحماية معتقدهم وسلوكهم، وفقههم، وتعاملهم مع الآخر المعايش
لهم، والمخالف لمعتقدهم، ومع الدول المحيطة بهم أو البعيدين عنهم، بما ضبطه لهم
القرآن من قواعد وأصول، وبما كانوا يرونهم من أفعال النبي صلى الله عليه وسلم
وسلوكه، وبما كان ينذرهم ويحوطهم برعايته وحرصه على عدم وقوعهم في الشرك أو الكفر،
والبدع عامة.
شبهات فكرية وعقدية
وكان صلى الله
عليه وسلم شديد التحذير للأمة من خلال الصحابة، من الفتن وانفتاح الدنيا عليهم،
ولكن كان تحذيره لهم من الشبهات الفكرية والعقدية أشد وأنكى! فمثلاً تحدث عن الفتن
العقدية فقال صلى الله عليه وسلم، محذراً تتبع اليهود والنصارى في صنيعهم، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ، رضي الله تعالى عنه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَن قَبْلَكُمْ شِبْراً بشِبْرٍ،
وَذِرَاعاً بذِرَاعٍ، حتَّى لو سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ»، قُلْنَا:
يا رَسُولَ اللَّهِ، اليَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قالَ: «فَمَنْ؟» (رواه أبو سعيد
الخدري، صحيح البخاري (3456)، وأخرجه مسلم (2669) باختلاف يسير)، وما من شك أن التتبع
في السلوك، قد يتبعه تتبعاً في المعتقد ومنهج الفهم للدين والعالم.
أفعال شركية
وكذلك ما رواه
الأئمة، وكذلك جاء التحذير من أفعالهم الشركية، كما في حديث البخاري: عنِ
الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ،
أَنَّ عَائِشَةَ، وَعَبْدَاللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، قَالَا: لَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ
اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى
وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ بِهَا كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ وَهُوَ
كَذَلِكَ: «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى اليَهُودِ والنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ
أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا. (صحيح البخاري (435)، باب
الصلاة في البيعة وغيره من الأبواب)
وهذا التحذير
كان في مرض موته صلى الله عليه وسلم، والعبارة الأخيرة تدل على فهم الراوي، أنه
تحذير من صنيع هؤلاء، ولكن ما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم وقع وأكثر منه،
فقد ارتدت العرب بعد موته صلى الله عليه وسلم، ثم برزت فيهم شبهات الفلسفات وعلم
الكلام فبدأ الانحراف عن جادة القرآن، والابتعاد عن السُّنة، بل وإهدار الوحي، وفشا
الشرك والكفر المُخرج من الملة في الأمة، حتى تلبس به الفقهاء والعلماء والمفتون.
فتن تترا
وما كانت
التحذيرات إلا لعلمه صلى الله عليه بوقوعها! فكانت فتنة الخوارج والجهمية والقدرية
والمعتزلة والمتكلمين والرافضة والصوفية.. وغيرهم، ولا تزال الفتن تترا، حتى ظهرت
لنا الشبهات في أثواب عقلية وفكرية وعقدية، تحارب الدين والسلوك علانية ودون حياء
ولا خوف، ولا تزال الأمة تدافع عن دينها ومعتقدها!
ومنذ ذلك الوقت،
وبخاصة منذ المائة الثانية، ودخول علم الكلام والفلسفة والمنطق، والأمة في صراع مع
هذا الوافد الجديد، الذي جعل العقل فوق النصوص، وجعل له سطوة التشريع، والتغيير،
والتبديل والحكم!
سنستعرض التاريخ
منذ نشأته، وكيف دخل العقل من خلال الفلسفة والمنطق وعلم الكلام، وكيف كانت سطوته
على الفرق، وكيف تأثر الكثيرون بهذا المنهج المعوج الذي يجعل المعقول مساوياً
للمنقول أو يزيد عليه، بل يجعل المنقول تابعاً ولا بأس بهدره!
ضلال كبير
وقضية هدر
النصوص، وعدم يقينيتها من الأمور الخطيرة جداً، التي قد تودي بالمسلم إلى ضلال
كبير يتبعه كفر مخرج من الملة، ولهذا تصدى علماء السلف، ولا يزالون، لأمثال هذه
الدعاوى الباطلة، والبدع المنكرة، التي كان طريق الوصول للعقل المسلم من خلال
مقولات وأفكار هذه الفرق الضالة بعامتها، واليوم من خلال رجال استندوا إلى المدرسة العقلية وهي مدرسة «الاعتزال» القديمة، التي عادت بثوب قشيب، تحت مسمى المدرسة
العقلية، والعقلانية والعقل مقابل الوحي، التي ارتدى قبعاتها رجال من بني جلدتنا
ويتسمون بأسمائنا ويدينون بديننا، ولكنهم إن حصلت ما في أقوالهم، وجدتها لا تختلف
عن القدامى إلا بتزويق الألفاظ وتنويق العبارات!
ولكن، هل يصبر
القارئ اليوم على لأواء القلم، ومنعطفات الكاتب، ومنعرجات الفكر، فالأمر جد لا هزل
فيه، والخطب جلل، ولكن لا علينا إلا إيصال الرسالة، محاولين تنقية الفكر ليهلك من
هلك عن بينة، ويحيا من حيَّ عن بينة، والله من وراء القصد، وهو هادي السبيل.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً