المرأة المقهورة في الغرب.. إطلالة تاريخية ومعرفية

إن معاناة المرأة في المجتمعات الغربية متأصلة في موروث هذه المجتمعات وفكرها وبنيتها الاجتماعية منذ القدم، وكما تقول جوديث لوربر، فإنها متأصلة في هيكلية الحياة في المجتمع الغربي، على صعيد الأسرة والزواج والعمل والاقتصاد، وانعكست على السياسة والدين والفنون والآداب، وكلها ترسخ فكرة عدم المساواة، مما يستلزم حلولاً اجتماعية ومجتمعية،

فهي ليست مسألة فردية(1)، يمكن معالجتها في إطار الفرد المحدود، وإنما لا بد من علاج تنويري، ينظر إلى أسباب نمو هذه النزعة، واشتدادها في العصر الحديث، مع الأخذ في الحسبان أنها تخص المجتمعات الغربية في تاريخها منذ الحضارة اليونانية، ثم الرومانية، سواء قبل انتشار المسيحية (المرحلة الوثنية أو بعد انتشارها)، واستمرارها إلى العصور الوسطى، فلما جاء العصر الحديث، انتفضت نساؤه، ضد هذا الإرث التاريخي الملوث.

فوضع المرأة في التاريخ الغربي كان متدنياً، ويعود ذلك إلى وجود خطاب تاريخي معرفي متحيز ضد المرأة، له معطياته الدينية والفلسفية، التي جعلت المرأة في مرتبة سفلية مقارنة بالرجل، على مستوى الجسد، والعقل، والمعرفة، والدور الاجتماعي.

فهناك جذور فلسفية تعود إلى المجتمع اليوناني القديم، الذي كان مُقيِّداً بشكل كبير لحريات النساء، نظراً لاقتصاده الضعيف، خاصة أن الديمقراطية فيه كانت معيبة، وناقصة، فظلت المرأة فيه معتمدة على الرجل في تأمين المعيشة(2)، وأيضاً في حمايتها، خاصة في المدن اليونانية والرومانية إبان المرحلة الوثنية، وفوضى الدويلات، ووجود طبقات اجتماعية متفاوتة، حيث افتقد الناس الأمن، واحتاجت المرأة إلى الرجل؛ زوجاً وأباً وأخاً للذود عنها.

وظلت المرأة الكائن الضعيف طيلة عصور التاريخ، دورها الإنجاب، وخدمة الزوج والأولاد، أما الرجل فهو قائد الأسرة، ومن يمثلها خارج المنزل(3).

وعلى الرغم من كون المجتمع اليوناني متميزاً في الفلسفة، فإن المرأة الإغريقية كانت حبيسة المنزل، مكلفة بالخدمة الكاملة، تنتظر وصول الزوج صاحب الإرادة والقوة المسيطر عليها، وله الحق في الذهاب إلى الأندية وبيوت الغانيات، ليستمتع بالغناء والرقص، وحجته أن مجتمعه لا يسمح للزوجة بمغادرة المنزل؛ ما أوجد عقداً نفسية في شخصيتها، بأنها كائن غير كامل، خاصة أن فلاسفة اليونان كانوا يعدون المرأة كائناً غير مكتمل، ليس لها أهلية التصرف، ولا تصلح إلا لخدمة البيوت، بل إنها دنسة، أقل من الحيوان الذي هو أكثر طهراً منها.

حتى إن الفلاسفة أسموها رجساً من عمل الشيطان، وعلى حد قول سقراط: «إن وجود المرأة هنا هو أكبر منشأ ومصدر للأزمة في العالم، إن المرأة تشبه شجرة مسمومة، حيث يكون ظاهرها جميلاً، ولكن عندما تأكل العصافير منها تموت حالاً».

أما أعراف اليونانيين القدماء وقوانينهم عامة، وفي أثينا خاصة، فقد حرمتها من الإرث، وسلبتها الحرية، فلا قيمة لها من الناحية الاجتماعية، ولا يجوز لها الحصول على الطلاق، بل يتوجب عليها أن تظل خادمة مطيعة لزوجها الذي هو سيدها أيضاً، وإن كانت الحال تبدّل قليلاً في إسبرطة، عندما انشغل الرجال بالحروب، فخرجت المرأة للسوق، وارتياد الأندية، والمشاركة في النقاشات؛ ما أدى إلى إشاعة الفاحشة والفساد، واتهمهم أرسطو بالتساهل مع المرأة التي رآها في مدينتهم، خارج منزلها، تتجول في الأسواق مما عجّل بسقوط إسبرطة(4)، بسبب حروبها المستمرة، وتفكك مجتمعها.

ولا عجب من اتهام أرسطو، فهو يمثل الفكر الإغريقي القديم الذي كان من اهتماماته الفلسفية مناقشة دور الرجل والمرأة في تكوين الجنين، فرأى أرسطو أن ما يفرزه رحم المرأة من سوائل لا دور له في الحمل، وأن منيّ الرجل هو وحده الذي يرجع إليه تكوين الجنين(5)! بما يعني أن الرجل له المكانة الأسمى والأساسية في الحياة عامة، حتى فضل الحمل فهو ينزعه من المرأة، ويقصره على الرجل، الذي هو سبب أساسي فيه، وأن المرأة مصدر كل شر وتعاسة كما يقول سقراط! والكمال الحقيقي عقلاً وجسداً يتمثل في شخص الرجل.

لقد كان هذا التوجه سبباً في ظهور ما يمكن أن نسميه الانحراف المجتمعي عن الفطرة؛ بمعنى أن تظهر مجتمعات تشذ عن الفطرة البشرية، المتمثلة في تعايش الذكر والأنثى بشكل طبيعي، فقد أشار المؤرخ الإغريقي هيرودوت (في القرن الخامس قبل الميلاد) إلى وجود مجتمع نسائي فقط، يعتمد على نفسه، ويحارب المجتمع الذكوري، وذلك لدى حديثه عن الحرب بين الإغريق والنساء الأمازونيات المحاربات اللائي وصفهن الإغريق بـ«أويرباتا»؛ أي قتلة الرجال.

فذكر أنه بعد انتصار الإغريق عليهن عند نهر الترمدون، قاموا بجمع عدد كبير من الأسيرات الأمازونيات، وأبحروا بهن في 3 سفن، متخذين طريقهم نحو بلاد اليونان، وتحدث المفاجأة عندما نجحت النساء الأمازونيات في القيام بثورة ضد آسريهم من البحارة الإغريق وقتلهم، ومن ثم الإمساك بمقاليد الأمور على متن السفن.

غير أن المشكلة تكمن في أن الأمازونيات المحاربات على ظهور الخيل لم يتعودن الإبحار سابقاً، وإدارة الأشرعة والدفة، ومعرفة اتجاهات الريح، وهكذا وجدت النساء أنفسهن في عرض البحر، تتلاعب بهن الأمواج المتلاطمة والرياح العاصفة، التي ألقت بالسفن على ساحل بحيرة مايوتس (بحر آزوف) وسط بلاد السكي جنوب شرقي أوروبا.

ومن هناك توغلت الأمازونيات براً إلى أن وصلن إلى بقعة مسكونة تكثر فيها الخيول، ونظراً لسابق معرفتهن بركوب الخيل والقتال على ظهورها، قمن بامتطائها بسهولة، وبدأن مرحلة البحث عن سبل العيش(6).

وبغض النظر عن صحة ما ذكره هيرودوت، أو النظر إليه بوصفه واقعة أسطورية، شكك فيها بعض المؤرخين، خاصة أن مؤرخي العصور الوسطى، وصفوا مجتمعات نسائية فقط، في أمكنة متعددة في العالم القديم، بعضها في وسط آسيا، أو في جزيرة بالمحيط الهندي، أو بالقرب من موسكو في روسيا، وكلها مستوحاة من سردية هيرودوت(7)؛ فإن الحادثة دالة على وجود تغوّل مضاد، لاحتقار الرجل للمرأة، ومعاملتها بقسوة ومهانة؛ ما أدى إلى تمردها بهذا الشكل بأن كوّنت مجتمعات نسوية لها.

وقد ظل هذا التصور في العصر الروماني، وإن سُمح للمرأة بالخروج للتسوق دون أن تتعرض لأي رقابة أو حراسة، بشرط أن تأخذ إذناً مسبقاً من زوجها، أو من ولي أمرها إذا كانت عزباء، وهذا تطور بلا شك، بالمقارنة على ما كانت عليه في العهد اليوناني.

وقد قننت القوانين الرومانية الأعراف الاجتماعية في الزواج، التي جاءت على شكلين؛ الأول: زواج مع السيادة؛ أي أن تنفصل الزوجة عن أهلها بمجرد زواجها، وتُعَدّ ميتة بالنسبة لهم، وتدخل في سلطة زوجها، وتعتنق ديانته، وتخضع لسيادته، أو لمن له سلطة على الزوج، مثل والد زوجها مثلاً، والزوج في هذه الحالة يتحكم فيها كما يشاء، فمن حقه أن يبيعها، وأن يعاقبها كما يشاء، أو يطلقها إذا أراد، فكل المنافع والمزايا والحقوق تصب في صالح الزوج.

أما الشكل الثاني: فهو الزواج بدون سيادة، وفيه تشارك المرأة زوجها في مركزه الاجتماعي والعملي، ولها الحرية بألا تنضم إلى أسرة زوجها، ولكن يتوجب عليها الطاعة لزوجها واحترام رغباته، ولكن الواقع أن المرأة لم تكن مستقلة أساساً قبل الزواج في حقوقها وأموالها، بل إنها إذا زنت أو أخطأت وجب على زوجها تأديبها إلى حد قتلها بدون أي اعتراض من أهلها.

وفي حالة وفاة الزوج، تكون المرأة خاضعة لوصاية رب الأسرة الذي يختاره الزوج قبل وفاته، أو تعيّنه الأسرة، بحجة عدم أهليتها أو عجزها عن القيام بواجباتها، فظلت المرأة الرومانية يُنظَر لها وكأنها من الجواري أو الرقيق(8)، بلا حقوق تقريباً.

فالإرث اليوناني والروماني -قبل المسيحية- جعل المرأة متاعاً تباع وتشترى وتعاقب وتقتل، ولا حقوق معنوية أو مالية لها، فهي الكائن الأضعف اجتماعياً، والكل يتسلط عليها.




____________________

(1) The Variety of Feminisms and their Contribution to Gender Equality, J UDITH LORBER, https://diglib.bis.uni-oldenburg.de/pub/unireden/ur97/kap1.pdf, P 8.

(2) Feminism Past and Present :Ideology, Action, and Reform, CAMILL E PAGLIA, A lecture delivered on 10 April 2008 as the keynote address of a con- ference, The Legacy and Future of Feminism, at Harvard University، arion 16.1 spring / summer 2008، PP 5 &6.

(3) تطور المرأة عبر التاريخ، باسمة كيالي، مؤسسة عز الدين للطباعة والنشر، بيروت، ط1، 1981م، ص7-8.

(4) المرجع السابق، ص32-34، وأيضاً ص37.

(5) النسوية: قراءة في الخلفية المعرفية لخطاب المرأة في الغرب، د، رياض القرشي، دار حضرموت، اليمن، ط1، 2008، ص11.

(6) تاريخ هيرودوت (التواريخ أو الاستقصاء)، للمؤرخ الإغريقي هيرودوت (484 ق م)، ترجمة: عبدالإله الملاح، منشورات المجمع الثقافي، أبو ظبي، 2001، ص334- 336.

(7) انظر تفصيلاً: جزيرة النساء: بين الجغرافيا والأسطورة والأنثروبولوجيا، د، حاتم الطحاوي، على هذا الرابط  https://www.maganin.com/content.asp?contentid=12228

(8) تطور المرأة عبر التاريخ، ص37-40.

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة