المسؤوليات الاجتماعية للفرد الفاضل
يثور في الأذهان حين الحديث عن الحكم الإسلامي الأمثل، والمدينة الفاضلة،
والفرد الفاضل، مسائل من قبيل مواصفات الحاكم أو الخليفة وشرائط توليه الحكم،
وقواعد السياسة والتدبير الواجبة شرعاً على الحاكم تجاه محكوميه والعكس.
فمسؤوليات الفرد في الفكر السياسي الإسلامي تأتي غالباً في معرض التذكير
والتأكيد على حقوق الحاكم وواجبات الرعية تجاهه.
أما البحث في مسألة حقوق المواطنين تجاه بعضهم بعضاً ومسؤولياتهم تجاه
مجتمعهم تأتي غالباً في باب الأخلاق الفردية بمعزل عن الانعكاسات السياسية
والاجتماعية لتلك الأخلاق.
ودون تفصيل في المسؤوليات الاجتماعية والسياسية للفرد المسلم الذي يجب ألا
يقتصر دوره على بيعة الحاكم ومراقبته ومساءلته، بل يجب أن يتعدى ذلك إلى فهم
وتفصيل أعمق للأدوار السياسية للفرد المسلم في الحياة اليومية بما يثمر بشكل
إيجابي في بناء النظامين الاجتماعي والسياسي.
وفيما يتعلق بموضوع الحكم السياسي الإسلامي الأمثل، فقد جرت العادة في
أدبيات دراسة الفكر السياسي الإسلامي على تقسيم ذلك الفكر إلى أفرع ثلاثة: الفقه
السياسي، والفلسفة السياسية، وأدب نصيحة الحاكم.
وهنا نهتم بتسليط مزيد من الضوء على المدينة الإسلامية الفاضلة كما تجلت في
كتابات فلاسفة الإسلام، متأثرين في ذلك بجمهورية أفلاطون ومنعزلين عما ساد المجتمع
من فساد وبطش سياسي.
المواطن الفاضل في الفلسفة السياسية الإسلامية
شغلت مسألة الواجبات المفروضة على أهل «المدينة الفاضلة» تجاه مجتمعهم
فلاسفة السياسة الإسلامية، فلم يقتصر انشغالهم على قضايا مثل مواصفات المدينة
الفاضلة وشروط الحاكم الفاضل ومسؤولياته تجاه المواطنين فحسب، بل تعدوا ذلك إلى
محاولة ترسيخ أسس المدينة الإسلامية الفاضلة على أركان ثابتة لا تتزعزع بمرور
الزمن أو تختل بغياب الحاكم الفاضل.
فخصصوا جزءاً معتبراً من اهتمامهم إلى «المواطن الفاضل»، فالفرد لا يعيش في
فراغ، بل ينشأ في مدن فاسدة وحتى حين يعيش في مدينة فاضلة فهو لا يركن إلى الدعة
والخمول متكئاً على الحاكم الفاضل وحسن إدارته، فكل فرد في المدينة تجب عليه
التزامات تجاه ذلك المجتمع.
ومن ناحية ثانية، كان اهتمام الفلسفة السياسية الإسلامية بالمواطن المثالي
أو الفرد الفاضل المتوحد كما لدى ابن باجة على سبيل المثال، نابعاً من إيمان هؤلاء
الفلاسفة بأن إيجاد المدينة الفاضلة قائم على هؤلاء الأفراد المتوحدين المتفرقين
في المدن الفاسدة.
ومن ثم، فإن البحث في مواصفات هؤلاء والاهتمام بطرائق تزكية نفوسهم وجمع
شتاتهم كانت واحدة من أهداف الفلسفة السياسية الإسلامية، باعتبارهم اللبنات التي
سيتم على أساسها بناء المدينة الفاضلة حال توافر الحاكم الفاضل.
ورغم اتفاق فلاسفة الإسلام بشأن أولوية الحاكم الفاضل لتأسيس المدينة
الفاضلة، فإن كثيراً منهم قد رأى بأن فساد الواقع يحول دون تحققها، ومن ثم فقد ذهب
جانب معتبر من فلاسفة السياسة وخاصة المتصوفين منهم إلى إقامة المدينة الفاضلة في
نفوس الأفراد بشكل منعزل وفردي، ثم جعلوا قيام المدينة بتجمع هؤلاء المتوحدين؛
مادياً أو معنوياً، لإقامة المدينة.
وقد تجلت تلك الرؤية في كتابات ابن مسكويه الأخلاقية، وقصة «حي بن يقظان»
لابن طفيل، وكتاب «تدبير المتوحد» لابن باجة، و«التدبيرات الإلهية» لابن عربي، إذ
قامت فلسفة التصوف بالأساس على إقامة الفضائل في نفس الإنسان أولاً قبل السعي إلى
تأسيسها في الدولة والمجتمع.
الفرد الفاضل في المدينة الفاسدة
هذا الفرد الفاضل المتوحد قد عول عليه فلاسفة السياسة الإسلامية للقيام
بعدد من الأدوار الاجتماعية والسياسية، وقد انقسمت تلك الأدوار تبعاً للمدينة التي
يحيا فيها هذا الفرد الفاضل، فما يجدر به القيام عليه من أدوار حال قيامه في
المدينة الفاسدة يختلف عما يفترض فيه من مسؤوليات إذا ما أدرك المدينة الفاضلة.
وقد تأسست مسؤولية الفرد الفاضل المتوحد كما لدى ابن باجة أو النابت كما
لدى الفارابي في النجاة الفردية وإصلاح النفس بالأساس، ثم البحث عن الصحبة الصالحة
والإرشاد الهادي، الذي يعينه على الحفاظ على أخلاقه وصلاحه وفضيلته رغم بقائه في
خضم الفساد المحدق به في مجتمعه الفاسد، وهو ما عني مسؤولية الفرد عن صلاح نفسه
وعدم التذرع بفساد الأغلبية والسير في ركابهم.
الفرد الفاضل في المدينة الفاضلة
ورغم اعتراف كثير من الفلاسفة المسلمين بأن إقامة المدينة الفاضلة أمر
متعذر على الصعيد الواقعي، وأن الأصل هو في سعي الفرد لنجاته الفردية، نظراً لما
عايشه هؤلاء من عصور تفسخ واضمحلال، فإنهم قد توسعوا في وصف أهل المدن الفاضلة
وشرائط المواطنين الفاضلين الذين لا يحق لغيرهم أن يحيوا في المدينة الفاضلة
المنشودة، وقد حملت تلك الشرائط تركيزاً على مسؤوليات واجبة على كل فرد في المدينة
تجاه مجتمعه، ومنها:
1- الدين: أولى فلاسفة الإسلام أهمية خاصة للدين كأحد شرائط الفرد الفاضل،
لا من حيث هو مجموعة من الشعائر والفروض والسلوكيات الظاهرية، بل كخُلق وعلم
وفضيلة وتزكية، ترفع الإنسان من مادية الحيوان إلى روحانية الملائكة، وهو ما رأى
فلاسفة الإسلام محوريته كأساس للمدينة الفاضلة بعد أن عايشوا فساد الدين في
مجتمعاتهم.
لذلك، فقد تبنى الفلاسفة المسلمون الدين كأحد الأعمدة الرئيسة التي تشكل
روح الفرد الفاضل وتسهم في كماله الشخصي وتدفعه إلى إعانة أفراد مدينته على الوصول
إلى كمالاتهم هم أيضاً، ولأن الحاكم الفاضل أكمل أهل المدينة فهو أول من يوكل إليه
هذه المهمة ثم الأدنى منه فالأدنى كل بحسب درجة تزكيته وكماله الروحاني.
2- العلم: فرض الفارابي على أهل المدينة الفاضلة أن تكون لهم معارف مشتركة
لا يجوز لهم الجهل بها، كما أوجب ابن باجة في «تدبير المتوحد» على الفرد الفاضل
المتوحد أن يكون في صحبة أهل العلوم، وقد حض فلاسفة السياسة الإسلامية على العلم
بفروعه المختلفة مع إبداء اهتمام خاص بالعلم الفلسفي الذي يشجع على إعمال العقل
وفهم الكون، فيحمي أهل المدينة من الوقوع في ضلالات الجهل التي تسوق المدن نحو
تردي الأخلاق.
3- العمل: تبنى فلاسفة الإسلام مفهوماً خاصاً للعمل كمسؤولية محورية للفرد
الفاضل تجاه مجتمعه، فالعلم والدين لا يتأتى الانتفاع بهما من دون عمل يصدقهما
ويترجمهما إلى أفعال صالحة وأخلاق رفيعة.
فعلى صعيد الدين، فالعمل بالدين في المعاملات مقدم على الرياء بالعبادات من
دون أخلاق تصدقها وتزكية روحانية ترفع من شأن الفرد وتعينه على الوصول للفضيلة.
وعلى صعيد الدنيا، فلا مكان للكسل في المدينة الفاضلة، وقد حرّم ابن سينا
في مؤلفه «الشفاء» البطالة في المدينة الفاضلة، فأكد أنه لا مكان لفرد بدون عمل،
ولا مكان للأعمال الفاسدة التي لا تأتي بإنتاج حقيقي للمدينة كالنسيئة والربا
والمقامرة وغيرها.
وأخيراً، فإن الرؤية المثالية لفلاسفة الإسلام حول أدوار ومسؤوليات وصفات
الفرد الفاضل تشير إلى مدى فهم هؤلاء الفلاسفة لمكامن فساد المجتمعات التي لا تخلو
منها مجتمعاتنا اليوم، وأبرزها تحول الدين إلى شعائر طقوسية فاقدة للروح ومنعزلة
عن سياقها الاجتماعي التطبيقي، وتسطح العلوم وانعزالها عن التفكير والمنطق، وهو ما
يدفعنا للتأكيد على أهمية تفعيل الدور السياسي والاجتماعي للأفراد، كأعضاء في جسد
يشد بعضه بعضاً عبر إدراك كل فرد لمكانته ورسالته في مجتمعه.