المسافة الصفرية.. كيف أعادت العلاقات الافتراضية هندسة «الأنا» و«الآخر»؟

مصطفى محمود

20 أغسطس 2026

83

المسافة الصفرية.. كيف أعادت العلاقات الافتراضية هندسة «الأنا» و«الآخر»؟

مع ظهور «السوشيال ميديا»، وبروز العلاقات الافتراضية؛ لم يكن هناك خوف من توتر العلاقات في العالم الواقعي، أو حتى مجرد التأثير عليها، بل على العكس تماماً؛ كان يُعتقد أن تساعد هذه الأدوات الجديدة في تعزيز التواصل مع أشخاص يصعب -وربما يستحيل- لقاؤهم، وتذويب المسافات الجغرافية لتصبح صفرية، إلا أنه بمرور الوقت، تحولت هذه المسافة الصفرية إلى فجوة إنسانية، وبُترت العديد من الروابط الواقعية بعد إصابتها بإدمان الشاشات.

أمان رقمي زائف

كلما زاد إدمانك للشاشات؛ تراجعت علاقاتك الحقيقية، ورغم تعدد المحاولات لتفكيك هذه الإشكالية، يظل الأمان الرقمي الزائف أحد أبرز الأسباب التي سلبت الثقة من أشخاص حقيقيين لصالح مستخدمين افتراضيين؛ نقضي معهم وقتاً لا نقضيه مع أفراد العائلة، ويعرفون عنا ما قد نجهله أو نخفيه عن أنفسنا بلا قيد أو حد، لا لشيء إلا لأننا نود الحفاظ على صورتنا التي بنيناها في أعين من حولنا، معتقدين أننا -مع هؤلاء الأشخاص الافتراضيين- بمأمن، مهما حدثناهم عن أنفسنا وأسرارنا وما نشعر به أو ننوي فعله.

علاقة من طرف واحد

يتعجب كثير منا حينما يسمع بفتاة حاولت الانتحار لأن مغنيها المفضل قد تزوج، أو أن شاباً أصيب باكتئاب لأن الممثلة التي تعجبه ارتبطت بشخص آخر!

كثير من مدمني «السوشيال ميديا» اليوم باتوا يعجبون بمشاهير أو مؤثرين، ومع الوقت يتحول إعجابهم إلى تعلق عاطفي أحادي الاتجاه؛ ذلك لأن الوقت الذي نعرف فيه أدق التفاصيل عن شخصية مشهورة -نعلم تحركاتها، نعجب بمواقفها، وننبهر بكاريزميتها المصطنعة!- لا تعلم عنا هذه الشخصية أي شيء، وندرك مؤخراً أننا أضعنا على أنفسنا فرصة إعجاب صادق، أو بناء علاقات حقيقية في عالمنا الواقعي، فتتشوه علاقتنا بين «الأنا» و«الآخر».

استعادة المسافة الحية

إن كسر هذه الحلقة وإعادة بناء العلاقة السوية بين «الأنا» و«الآخر» لا يتطلبان هجر التكنولوجيا، بل إعادة رسم الحدود بين ما هو افتراضي عابر وما هو إنساني أصيل.

تبدأ استعادة التوازن الحقيقي حين نمنح الأولوية لمن يشاركوننا المكان قبل من يشاركوننا الشاشات، وندرك أن الأمان لا يُمنح لغرباء في العالم الرقمي خوفاً من انكشاف ضعفنا، بل يُبنى مع بشر حقيقيين يتقبلون زلاتنا ونتقاسم معهم صدق اللحظة وتفاصيل الواقع، بعيداً عن وهْم القرب وبرود المسافات الزائفة.

الرابط المختصر :

كلمات دلالية

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة