المضمون الإسلامي في شعر علية الجعار
كان الشاعر
الكبير أحمد رامي من أوائل من انتبهوا إلى موهبة الشاعرة علية الجعار وأشاد بها في
بداية ظهورها، وقد أكد في المقدمة التي كتبها لديوانها الأول (إني أحب) على أهم ما
يميز أسلوبها وطريقتها في التعبير؛ فهي - كما وصفها - شاعرة صادقة الإحساس، ترسل
الشعر على سجيتها على حسب ما يوحي إليها الخاطر، وهي بين وازع الدين وهوى النفس
فراشة ترف على روض زاهر، لا تدري إذا وقعت على زهرة منه هل كانت تجد في رحيقها
حلوا ترتشفه أو مُرًّا تعزف عنه؟ على أن لها من طيب السجايا وطهارة الروح ما
يدفعها إلى المجتنى الأمين. (أحمد رامي: مقدمة ديوان إني أحب للشاعرة علية الجعار،
دار المعارف، الطبعة الأولى، 1968م)
أهم ما يميز شعر علية الجعار
وبهذا الوصف الشعري يضع أحمد رامي القارئ على أهم ما يميز شعر علية الجعار؛ وهو العفوية، والتلقائية، والصدور عن نزعة دينية صادقة وضمير وطني حي، وهو ما صاحبها طوال مسيرتها الشعرية الممتدة، ويجد القارئ صداه بوضوح في دواوينها جميعا، وقد ظل صوت الشاعرة لعقود واحدا من الأصوات الشعرية المعبرة عن قضايا الأمة وهموم المسلمين في شتى بقاع الأرض، كما كان للشاعرة حضور فاعل ومؤثر في المحافل المحلية والدولية، مناصرة لقضايا الأقليات الإسلامية سواء بالخُطَب أو من خلال شعرها الحماسي الذي تلهب به المشاعر وتحرك العواطف.
صفاء القلب والحب المنضبط
جلَّتْ صفاتك يا
غفار لي أمل ** في العفو عندك إنْ خفت موازيني
حسبي العقيدة
والإيمان يعمرها ** وإنني لم أملْ بالذنب عن ديني
حسبي فؤادي وما
تهتز نبضته ** إلا بذكرك في حب وتمكين
وقد أفردت
الشاعرة قصائد متعددة للحديث عن أسماء الله تعالى الحسنى وأسرار تلك الأسماء
والصفات وخصائصها، طالبة العفو والرجاء والمغفرة من الله تعالى، وجاء ذلك في لغة
سهلة ومباشرة تناسب غرض الغناء والإنشاد الديني الذي برعت فيه الشاعرة، ومن ذلك
قولها:
يا من خزائن
جوده لا تنفد ** وعطاؤه ونواله يتجدد
هذي يدي تمتد
نحوك ترتجي ** فضلا ولا أرجو سواك وأقصد
أنت الكريم
وبابُ فضلك واسع ** وأنا على أعتاب فضلك أسجد
وهكذا تعاملت
الشاعرة مع أسماء الله الحسنى، واستطاعت عبر هذه اللغة العذبة خلق جو نفسي وروحي
صاف يساعد على معايشة هذه الأسماء وتدبر معانيها، إضافة إلى المتعة النابعة من
اختيارها لتلك الألفاظ الدالة والمشحونة بالعاطفة، التي يغلب عليها وعلى بنائها
استخدام الجملة الاسمية، التي تدل على تقرير المعنى وثبات موقف العابد والمتبتل.
الهيام بحب الرسول الكريم.. واستنهاض الهمم
إذا شُقَّتْ عن
الناس القبور ** وحُصِّل كلُّ ما تُخفي الصدور
وكلٌّ جاء يقرأ
في كتاب ** وفيه كل ماضيه سطور
فلا يُعفيه
إنكارٌ ونفي ** ولا يُنجيه مالٌ أو نصير
بدا للمسلمين
بشيرُ خيرٍ ** وأشرق في دياجي التيه نور
محمد ساجدا لله
يرجو ** ويشفع للعباد ويستجير
ينادي أمتي يا
رب فارحمْ ** ولولاه لساء بنا المصير
ويمتاز هذا
الشعر بالسهولة والوضوح والمباشرة وهو اختيار الشاعرة التي تأثرت ببيئة الإنشاد
الديني والغناء، وكأنها تتخذ من الشعر وسيلة لشرح سيرة الرسول الكريم وتقديمها
للناس، وتحيلها ألحانَ حب وأناشيد تجري وتتردد على الألسنة بسهولة ويسر، تقول
الشاعرة:
الله أكرمنا
وأرسل أحمدا ** للحق والتوحيد يدعو والهدى
نور أهلَّ على
الوجود ورحمة ** بحر من الأخلاق فيض من ندى
عزَّتْ به
الدنيا وأسفر صبحها ** والليل عنها من ضياه تبدَّدا
بالذكر جاء
وبالكتاب ولم يزل ** في العالمين مُرتِّلا ومُجوِّدا
والمؤمنون على
الطريق تتابعوا ** كلٌّ بطهَ قد تأثر واقتدى
ربُّ الوجود
تباركتْ أسماؤه ** من نوره أهدى الوجود محمدا
وقد درج الشعراء
في القديم والحديث على تشبيه النبي الكريم بالنور المبين والبحر الزاخر والضياء
والندى وغير ذلك من التشبيهات وهو ما نجد صداه لدى الشاعرة مع ابتعادها وتجنبها
لشطحات بعض الشعراء، وإجلالها الكبير وتوقيرها للرسول صلى الله عليه وسلم،
وتعبيرها عن كمال المحبة والاتباع لهديه، حيث لا يَكتمل إيمان المرء إلا بمحبته
واتباعه، وإذا لم يصاحب المحبةَ اقتداءٌ واتباعٌ لنهج النبي والسير على خطاه فهي
مزاعم، وأول دليل على صدق المحبة يتمثل في حب المسلم لأخيه المسلم، وفي نصرة
المظلوم، والاهتمام بقضايا المسلمين، وقد جسدت الشاعرة ذلك بسلوكها ومواقفها كما
جسدته في شعرها وخطبها.
قضايا المسلمين وهمومهم من الألم إلى الأمل
الشاعر الحق هو
الذي يعكس شعرُه همومَ واقعه ويعبر عن قضايا مجتمعه؛ فالشاعر كما قيل: هو مرآة
مجتمعه، ومهما قيل عن الذاتية والموضوعية وغير ذلك من القضايا المتعلقة باستقلال
الشعر وأبعاده الجمالية، فإن ابتعاد الشاعر عن هموم عصره وقضاياه يعد أمرا معيبا،
فقد كان الشعر منذ ظهوره ديوان الحياة وسجلها الشاهد على كافة الأحداث دقيقها
وجليلها، وذلك من خلال عين الشاعر اللاقطة ورؤيته البصيرة والرشيدة، والمطالع لشعر
علية الجعار يجد أنها أوقفت جزءا كبيرا من شعرها على التعبير عن قضايا المسلمين
كما ذكرنا، ولم تقف الشاعرة عند حدود وصف الواقع المر والأليم أو اجترار الماضي
والعيش على أمجاد صنعها الأجداد، وإنما نراها تحاول تقديم وصفة تساعد على اجتياز
هذا التردي والخروج من هذا المستنقع؛ وذلك بالتمسك بكتاب الله، والتشبث بالوحدة
الإسلامية، والاقتداء بالرسول الكريم والسلف الصالح، وأن يكون المسلمون منتبهين
ويقظين لمخططات أعدائهم، وأن يأخذوا بأسباب العلم والقوة التي تمكنهم من التصدي
للأعداء، وبذلك يكون للشعر دوره الإيجابي في استنهاض الهمم والخروج من هذا الواقع
المؤلم والمحبط، تقول الشاعرة:
الأرض من تحتنا
يا قوم تلتهب ** أين المفر من النيران والهرب؟
كنا نياما
وهزَّتنا فجائعنا ** قمنا ومن حولنا الأيام تضطرب
فالأرض تُسلَب
والأموال تنتهب ** والناس تُقتَل والأغراض تُغتَصب
منا قتيل ومنا
نحن قاتله ** لم يشفع الدين والأرحام والنسب
إلى أن تقول:
الله أكرم
بالقرآن أمتنا ** هل أنتمُ أمة القرآن يا عرب؟
خلَّفتموه
وغرتكم بفتنتها ** تلك الحياة وهذا الجاه والذهب
هذا جزاءٌ ويوم
الفصل موعدكم ** إني أراه بظهر الغيب يقترب
وفي قصيدة طويلة
بعنوان: مذابح المسلمين تنفعل الشاعرة بما كان يحدث للأقليات المسلمة خاصة في
البوسنة والهرسك وكوسوفو وتدعو المسلمين لفعل شيء إيجابي يتجاوز إبداء التعاطف
وإظهار الشفقة فتقول:
أعلنوها أبناءَ
ديني مرارا ** أطلقوها وردِّدوها شعارا
أيها المسلمون
هيا استفيقوا ** نحن مستهدفون دينا ودارا
ولأن الحرب في
البوسنة والهرسك كانت حربا دينية وعرقية فقد استخدمت الشاعرة في النداء: أبناء
ديني؛ فالدين هو المستهدف، ولذلك يجب أن نتحد تحت رايته، كما تكررت أفعال الأمر
(أطلقوها، رددوها، استفيقوا) وذلك للحث على الفعل الإيجابي واليقظة والاستعداد،
وعدم الوقوف عند حدود الكلام، وقد جاءت لغة الشاعرة وهي تعبر عن هذه المأساة
خطابية مباشرة تعبر عن انفعالها وتأثرها بالأحداث، تقول علية الجعار:
أصبح المسلمون
في الأرض صيدا ** يُحكِم المعتدي عليه الحصارا
والحروب التي
توالتْ علينا ** خلقتْ فوق أرضنا استعمارا
أشبع المسلمين
ذلا وقهرا ** واحتلالا واستعبد الأحرارا
واكتوينا من كل
حرب بنار ** يمنة كان وجهه أو يسارا
كل شبر نعيش فيه
جريح ** ليس يلقى أمنا ولا استقرارا
والذين عاشوا
تلك الحقبة وتابعوا طبيعة تلك الحرب العنصرية يدركون أن الشاعرة لم تكن تبالغ في
عرض هذه المشاهد المحزنة والمخزية، وما أشبه الليلة بالبارحة؛ فالمذابح الدموية
التي تجري على أرض العزة في غزة الصمود تشبه ما كان يحدث في بلاد البلقان في
تسعينيات القرن الماضي؛ حيث يواجه سكان القطاع حرب إبادة غير متكافئة من دولة
احتلال لقيطة ومدعومة من العالم أجمع وسط صمت عربي ودولي غير مسبوق، وقد أحسنت
الشاعرة التعبير عن هذا الضعف والتشرذم باستخدام ألفاظ قوية ودالة ومعبرة عن هذه
الحال: صيدا، أحكم الحصار، استعمارا، ذلا وقهرا، استعبد الأحرار، اكتوينا، كل شبر
جريح، عار، نغضي، الفرقة، افتقاد الوفاء والإيثار، انحرفنا، ابتلينا، الهزائم
والاندحار، إلى آخره. تقول الشاعرة:
أي عار أصابنا
أي عار ** كيف نغضي ولا نرد العارا؟
الجهاد الجهاد
يا قوم هبوا ** قد أطلتم يا قومنا الانتظارا
كيف ماتت أخوة
الدين فيكم ** أصبح الحب بيننا مستعارا
ثم عشنا في فرقة
واختلفنا ** وافتقدنا الوفاء والإيثارا
لم يعد بعضنا
لبعض ظهيرا ** كالجدار الذي يشد الجدارا
وابتعدنا عن
ديننا وانحرفنا ** فابتلينا هزائما واندحارا
وقد تحدثت
الشاعرة عن كثير من الرموز التاريخية المهمة والمؤثرة حديثا أقرب إلى التراجم
الشخصية؛ حيث لم تنشغل بتوظيف هذه الشخصيات توظيفا رمزيا وإيحائيا كما هو الحال
عند الشعراء الرمزيين، بل ركزت على صفات الشخصية ومزاياها وإظهار حبها لها ودعوة
الناس للاقتداء بها إذا كنا نبحث عن طوق النجاة والنصر على الأعداء، تقول الشاعرة
عن أم المؤمنين عائشة:
مَن مثلُ عائشة
النبوة؟ من له ** في الدين فقه مثلها وعطاء؟
حسناء في عمر
الزهور يزينها ** عقل كبير ناضج وذكاء
تلميذة في بيت
خير معلم ** تقتات منه العلم كيف تشاء
جبريل يوحي
والنبي مرتل ** آي الكتاب وكلها إصغاء
وهي النقاء
مجسدا ومؤكدا ** فالطهر تاج والعفاف رداء
قضايا المرأة وفق التصور الإسلامي
اقرأ أيضًا:
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً