المعرفة عن طريق العقل
المعرفة عن طريق العقل (*)
إن لكل عضو وظيفة، ووظيفة العقل، هي التأمل والنظر والتفكير، وإذا تعطلت هذه القوى بطل عمل العقل، وعطل من أهم وظائفه، وتبع ذلك توقف نشاط الحياة.. مما يتسبب عنه الجمود والموت والفناء؛ والإسلام أراد للعقل أن ينهض من عقاله، ويفيق من سباته، فدعا إلى النظر والتفكير، وعَدّ ذلك من جوهر العبادة.
(قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) (يونس:
101)، (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى
وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا) (سبأ: 46).
والذين يجحدون
نعمة العقل، ولا يستعملونه فيما خلق من أجله، ويغفلون عن آيات الله.. هم موضع
التحقير والازدراء، والله سبحانه يعتب عليهم فيقول: (وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ
يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ) (يوسف: 105)، (وَمَا
تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُوا عَنْهَا
مُعْرِضِينَ) (يس: 4).
وتعطيل العقل عن
وظيفته يهبط بالإنسان إلى مستوى أقل من مستوى الحيوان، وهو الذي حال بين الأقدمين
وبين النفود إلى الحقائق في الأنفس وفى الآفاق؛ يقول الله سبحانه: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ
كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ
أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ
كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) (الأعراف: 179).
التقليد حجاب العقل
والتقليد هو
المانع للعقل من الانطلاق، والمعوِّق له عن التفكير، ومن ثَمَّ فإن الله يُثْنى
على الذين يخلصون للحقائق، ويميزون بين الأشياء، بعد البحث والتمحيص، فيأخذون ما
هو أحسن، ويدعون غيره: (فَبَشِّرْ عِبَادِ {17} الَّذِينَ
يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ
هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ) (الزمر).
ويندد بالمقلدين
الذين لا يفكرون إلا بعقول غيرهم، ويحمدون على القديم المألوف، ولو كان الجديد
أهدى وأجدى لهم؛ (وَإِذَا
قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا
أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً
ولا يهتدون) (البقرة: 170).
ميادين التفكير
والإسلام حين
دعا إلى التفكير، ورحب به، إنما أراد أن يكون ذلك في دائرة نطاق العقل وحدود
مداركه.
فدعا إلى النظر
فيما خلق الله من شيء، في السماوات والأرض، وفى الإنسان نفسه، وفى الجماعات
البشرية، ولم يحظُر عليه إلا التفكير في ذات الله؛ لأن ذات الله فوق الإدراك؛ «تفكروا
في خلق الله ولا تفكروا في الله، فإنكم لن تقدروا قدره» (رواه أبو نعيم في الحلية
بسند ضعيف، ومعناه صحيح).
والقرآن الكريم
مليء بمئات الآيات الداعية إلى النظر في مجالات الكون الفسيحة، وآفاقه الرحبة التي
لا تحد بحد، ولا تقف عند نهاية؛ (كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ
لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ {219} فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) (البقرة).
وما أوسع الدنيا
التي دعا الإسلام إلى التفكير فيها! وسعتها ليست بشيء في جانب سعة الآخرة.
غاية التفكير
ومن أجل الغايات
التي يريدها الإسلام من: إيقاظ العقل، واستعمال وظيفته في التأمل والنظر والتفكير
هي هداية الإنسان إلى قوانين الحياة، وعلل الوجود وسنن الكون، وحقائق الأشياء؛
لتكون هذه هي المنارات التي تكشف له عن مبدع الكون وخالقه، ولتأخذه برفق إلى هذه
الحقيقة الكبرى: حقيقة المعرفة بالله.
إن معرفة الله
إنما هي نتاج عقل ذكي ملهم، وثمرة تفكير عميق مشرق.
وهذه هي إحدى
وسائل القرآن الكريم في الدلالة على الله.
إنه يوقظ العقل،
ويفتح أمامه كتاب الطبيعة؛ ليتعرف منه ما لله من صفات كماله، ونعوت جلاله، ومظاهر
عظمته، وأدلة قدسه، وشمول علمه، ونفوذ قدرته، وتفرده بالخلق والإبداع.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً