المناسبة بين رسم كلمتَي «الصدق» و«الكذب» ومعانيهما

سعد الحسن

30 أبريل 2026

65

المناسبة بين رسم كلمتَي «الصدق» و«الكذب» ومعانيهما

هل تأملتَ يوماً لماذا نكتب «الصدق» بهذا الرسم و«الكذب» بذاك؟

من سحر البيان في العربية أن الكلمة لا تقف عند حدِّ معناها المعجمي، بل تمتدُّ لتُوحي بأسرارٍ في بنائها وصوتها ورسمها، حتى كأن الحروف نفسها تشارك في تصوير المعنى وإبرازه، وهذا بابٌ دقيق من أبواب التأمُّل اللغوي، لا يتفطَّن له إلا من أمعن النظر، وأرهف السمع لوشائج الصلة بين اللفظ والمعنى.

وفي هذا السياق، يأتي هذا النصُّ البديع من كلام العلَّامة عبدالرحمن بن يحيى المُعلِّمي اليماني (1313 – 1386هـ) في كتاب له بعنوان «الفوائد اللغوية»؛ حيث يقف عند كلمتين من أكثر الكلمات حضورًا في حياة الإنسان، هما: الصدق والكذب؛ ليكشف عن مناسبة لطيفة بين رسم حروفهما وصفاتهما الصوتية وبين حقيقتهما الأخلاقية وآثارهما في النفس والمجتمع.

وهو تأمُّل يفتح لنا بابًا من أبواب الإعجاز البياني، ويُرينا كيف تتجلّى القيم الكبرى حتى في دقائق الحروف.

إليكم هذا التأمل اللغوي البديع:

الحمد لله..

إن الصدق والكذب لَيتراءيان للأبصار ضئيلين جدًّا بالنسبة إلى مقدارهما الحقيقي، فإذا أُنعِم النظر فيهما أَخذَا في الاتِّساع إلى أن يَلْتَهِما جميع الأخلاق، وقد دعاني هذا من حالهما إلى أن أكتب شيئاً في شأنهما، وما بين رسمهما وتسميتهما من المناسبة الغريبة.

الصدق

الصاد «حرفٌ مهموس.. رخو.. مُستَعْلٍ»: فكأنه أشيرَ به إلى أن الصدق أول ما يُفاه به، يُهمس به صاحبُه خوفاً، ويكون معناه كالكلام المهموس (أي خفياً غير ظاهر)، ويكون ضعيفاً لكراهية الناس له وميلهم إلى الكذب، وهو مع ذلك مستعلٍ في جوهره، ولكن أُشيرَ بجعل حركته (الكسرة) إلى أنه سافلٌ في صورة حاله في البداية.

الدال والقاف «حرفان مجهوران.. شديدان.. مُقَلْقلان»: وكل ذلك إشارة إلى أن الصدق في أوسط أحواله وآخرها يَشتهر ويَقوى ويَظهر.

وزادَ القافُ بكونه مستعلياً، وهو بحسب الصورة قابل للفتح والرفع والخفض؛ ففيه إشارة إلى أن الصدق في آخره هو مستعلٍ في حقيقته، وقد يكون مستعلياً في الصورة، وربما خُفِض.

الكذب

الكاف «مهموس.. شديد.. منخفض»: كأن ذلك إشارة إلى أن الكذب في أوله يُهمس به صاحبُه خوفاً من التكذيب، أو لأن ضميره يلومه إن كان بقي فيه شيء من الحياة.

وقد وقيل إن الكاف مجهور، ويظهر من ذلك نكتة أخرى، وهي أن الكاذب يموِّه كذبه بحيث يشبه المجهور، والشّدّة فيه إشارةٌ إلى أن الكذب في أوله شديد التأثير، والانخفاض إشارةٌ إلى انخفاضه في ذاته، ولكنه حُرِّك بالفتح إشارةً إلى أن صاحبه يصوّره بصورة الظاهر المستعلي.

الذال «مجهورٌ.. رخوٌ.. منخفض»: إشارة إلى أن الكذب في أوسط أحواله يشتهر، ويضعف ويكون سافلاً حقيقة وكذا صورةً (لتحريكه بالكسرة).

وقيل: إن الذال مهموس، وتظهر نكتة أخرى، وهي أن صاحبه يجهد حينئذ في أن يغفل عنه الناس وينسوه.

الباء «مجهور.. شديد.. مُقَلْقَل.. منخفض»: الجهر؛ إشارة إلى ظهوره واشتهاره، والشدة إشارة إلى أنه كثيراً ما يشتد الكذب ويقوى بوجود أناسٍ يتعصبون له بجهلٍ أو هوى، والانخفاض إشارة إلى أنه منخفض في ذاته، مُهْمَلٌ في صورته؛ فقد يُعْلِيهِ التعصُّب، وقد يخفضه الإنصاف.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة