النائب أسامة الشاهين: التنمية في الكويت غائبة بين ثنائية المشاريع الفاشلة والسرقات الناجحة
في ظل الأزمات السياسية التي تعاني منها البلاد، وغياب التنمية الحقيقية التي تليق بالمواطن الكويتي، تجري «المجتمع» هذا الحوار مع النائب الكويتي أسامة الشاهين، وهو واحد من رموز العمل البرلماني ليس في الكويت فحسب، وإنما في المنطقة.
يسعدنا أن نكون في ضيافتكم، ومرحباً بكم في «المجتمع».
- مرحباً بكم وبإخواني في مجلة «المجتمع» الغراء، مجلتنا الإسلامية الأولى والرائدة، وأشكركم على تشريفي بالظهور عبر صفحاتها ومنصاتها الإعلامية، والتواصل مع جمهورها الكريم والعزيز على قلبي دائماً.
بداية، ما تعليقكم بخصوص حل مجلس الأمة؟
- شكراً لسمو الأمير، وسمو ولي العهد، حفظهما الله تعالى، لوضعهما النقاط على الحروف، وشكراً لوسائل الإعلام التي وقفت مع الدستور ومع الكويت، ويجب أن نؤكد أن إعلان القيادة السياسية عدم التدخل في الانتخابات رسالة مطمئنة للشارع الكويتي، والانتخابات القادمة كما عهدناها ستكون شفّافة، وعلينا مسؤولية كنواب أن ننسق جهودنا ونوحّد أجندتنا، وأخشى أن يكون مصير المجلس القادم مثل مصير «مجلس 2012».
بخصوص التنمية، شاهدت في العقود الأربعة الماضية بقية دول الخليج تزدهر وتتقدم، ولكننا في الكويت دائماً في هبوط، كيف يمكن تفسير هذا التراجع رغم امتلاك البلاد كل وسائل النجاح؟
- إذا أردت الإجابة عن سؤالك بكلمة واحدة فهو الفساد، الفساد بأنواعه ينهش في هذا الوطن، ويعطل التنمية، الفساد الإداري في وصول مسؤولين غير أكفاء؛ وبالتالي غير قادرين على تحقيق التنمية، وفاقد الشيء لا يعطيه، والبيروقراطية التي تؤخر اتخاذ القرار، وأيضاً الفساد المالي بمعنى الهدر في الموارد والسرقات المتعمدة وكل مظاهر إضاعة أموال التنمية، فنحن للأسف أصبحنا بين ثنائيتين؛ المشاريع الفاشلة، والسرقات الناجحة، وهذا الفساد هو ما يفسد التجربة الكويتية، نعم هناك نقاط مضيئة، ولكن للأسف تتضاءل أمام كتل السواد، وأقصد بالسواد الفساد وسوء الإدارة وتعطيل الموارد، فعلى سبيل المثال مرفق الترفيه لا يعني سوى نموذج من هذه المرافق، وترى عجز آلاف من أرباب الأسر عن أن يُخرجوا أبناءهم إلى حدائق وشواطئ لائقة، واضطرار الآباء والأمهات إلى اللجوء للمجمعات التجارية باهظة التكلفة، وإما إلى السفر، وأحياناً تجد السفر بتكاليفه من تذاكر طيران وفنادق أرخص على الأسر من تكلفة الترفيه داخل الكويت.
فهنالك تعطيل، وأنا آسف لهذه الصراحة، بأنه ليس فساداً عفوياً وتلقائياً، بل هو فساد متعمد ومنظم ومقصود، وهناك لصوص لديهم ملايين يرغبون في مضاعفتها، وهناك صغار يسيرون على خطى اللصوص الكبار، وهناك عرف سيئ وفاسد لدى بعض القطاعات بأن هذه السرقات هي أخذ لحق طبيعي، ولا أقصد شريحة معينة، بل شرائح متعددة، وإن علت في المجتمع تبرر لنفسها السرقة، وأنها أخذ لنصيبها من هذه الثروة القومية، فهذا الفساد بأشكاله ومظاهره لا يمكن مواجهته بشعارات مجردة أو بتدرج وبمرحلية في محاربة الفساد؛ لأن هذا يعني التعايش معه والقبول به، والتحول إلى فاسد جديد ينضم إلى الفاسدين القدامى.
ما دور نواب مجلس الأمة في مواجهة هذا الفساد؟
- الفساد امتد إلى جميع سلطات ومرافق العمل بالدولة، والجميع أعني بها الجميع، فقد رأينا مؤخراً حادثة عزل وحبس مجموعة من القضاة، حتى في السلطة القضائية التي كنا نبرأ بها عن مثل هذه الممارسات، الفساد لا يمكن أن تقر بوجوده في مرافق وتنفي وجوده في مرافق أخرى، للأسف السرقة وصلت إلى الذخائر في الشرطة، والزوارق في الجيش، وصلت كل مرافق الدولة، وهذا للأسف ما يواجهنا، الفساد وصل حتى البرلمان من ناحية أن لدينا نظاماً انتخابياً فاسداً، أُقر بطريقة غير ديمقراطية وغير دستورية؛ وبالتالي يعزز العمل الفردي، وكما قال رئيس الحكومة السابق في تصريح على لسانه: صممنا نظاماً انتخابياً يضمن عدم وصول أغلبية، وبالتالي فالسلطة نجحت في تفكيك المفكك وإضعاف الضعيف وهو مجلس الأمة.
نعم أنا على المستوى الفردي أفتخر بأني قد أكون الأول على دائرتي الانتخابية في العمل التشريعي، ومن الخمسة الأوائل في البرلمان في العطاء التشريعي، لكن هذه الأرقام الفردية لا تعنيني ولا تهمني ولا تفيد البلد كثيراً بقدر العمل الجماعي، فالقوانين لن يقرها شخص واحد، بل تقرها منظومة متكاملة وأغلبية برلمانية، وهذا ما نفتقده، فنحن بالكاد كوَّنا أغلبية ورأينا كيف أن السلطة استحوذت على هذه الأغلبية تباعاً وتحولنا مجدداً إلى أقلية نيابية عاجزة حتى عن عقد الجلسات، فأنا أضطر للحضور في البرلمان دون جلسات، ودون لجان؛ لأنه لا توجد قوانين تُحال إليها لننظرها، وبالتالي فالشلل الذي أصاب الجهاز التنفيذي قد امتد إلى الجهاز الرقابي والتشريعي.
هل المواطن يتحمل جزءاً من منظومة الفساد هذه من خلال اختيار بعض النواب؟
- الشعب في رأيي لم يقصر، بذل ويبذل ويتحدى حتى القوالب القبلية والطائفية والمال السياسي، والمواطنون عبروا عن رأيهم وقدموا تضحيات، وأرى أن المسؤولية في الوقت الحالي هي مسؤولية النخب، التي أصبحت وكأنها نخب بيزنطة القديمة، النخب السياسية في التيارات والمستقلين من الرموز، وأيضاً النخب من قيادات الدولة والوزراء والوزراء السابقين والوكلاء، فهذه النخب هي المسؤولة بدرجة أكبر من الناس، وإلا فالناس حاولوا وبذلوا الأسباب مراراً، وهذه النخب للأسف متصارعة ومشغولة بنقاشات غير مجدية، وأعود كذلك لنقطة الفساد المالي والسرقات وتوزيع كعكة المناقصات، التي كانت في السابق بـ«الخش والدس»، كما نقول في العامية؛ أي بشكل سري وخفي، لكنها حالياً تكاد تكون بشكل علني بكل وقاحة.
للحركة الدستورية الإسلامية (حدس) خطوات ناجحة في ملفات الإسكان والتعليم والمرأة والطفل، ولديها برنامج تنموي، فهل يمكن تحقيق توافق أو التقاء عليه؟
- أولاً، أنا فخور بإخواني وأخواتي في الحركة الدستورية الإسلامية رائدة العمل السياسي الجماعي في بلدنا الحبيب الكويت، ومؤخراً قام أحد مراكز الأبحاث والدراسات بعمل إحصائية لمجلس الأمة ووضع قائمة اسمها «top 5» للبرلمان، فكانت ولله الحمد ثلاثة من الخمسة هم نواب من الحركة الدستورية الإسلامية، ووضعنا خطة كنا نريد أن نقترحها للزملاء والنواب، وكنا نحضّر لمؤتمر صحفي مشترك لنواب الحركة الدستورية برفقة أمينها العام ورئيس مكتبها السياسي، ولكن الأزمات السياسية المتتابعة أدت بنا تباعاً إلى تأجيل هذا البرنامج؛ لأن الظرف المحلي الآن غير مهيأ للخطاب التنموي الجاد والعملي في ظل انشغالنا بهذه المعارك الصغيرة التي لا تكاد تنتهي.
بالفعل، هناك حاجة لخطة تنموية، الدولة فقط تحول برنامج عمل الحكومة وبرنامج عمل الوزارات والهيئات المختلفة كما هو وتضعه في قالب خطة تنمية، وتسميه خطة تنمية، وكأن عنوان خطة التنمية يجعل من هذه الأمور التشغيلية اليومية خطة تنموية حقيقية، وهي لا تعدو كونها تنفيذاً لمهامها الأساسية المطلوبة منها يومياً، فنحن نفتقد لخطة كاملة وشاملة للبلد، وهناك فشل في تنفيذ مشاريع الحكومة، ومؤخراً تقدمت بسؤال برلماني، ربما يعود لسنوات سابقة، ولكنه يعطينا شعاراً بأن هناك 140 مشروعاً تنموياً متعثراً منذ عام 2018 إلى 2020م.
ما أبرز المشاريع التنموية المتأخرة في الكويت؟
- على مدى السنوات من عام 2018 حتى عام 2020م، التعثر بلغ 52% من المشاريع الحكومية، فهناك 140 مشروعاً متعثراً من أصل 267، وهي نسبة كبيرة، رغم أن الصرف الفعلي على مشروعات التنمية منذ عام 2010 إلى 2020م قد بلغ مليارات من الدنانير، على سبيل المثال؛ في سنة واحدة (2019م) نتكلم عن صرف فعلي مليارين و700 مليون دينار كويتي، وهذه سنة واحدة من الخطتين الخمسيتين، فهذه المصاريف كبيرة تؤخذ من المال العام لكن على أرض الواقع هناك تعثر كبير في المشاريع الحكومية، مثل المدن العمالية ومدينة جنوب الجهراء، والمركز الخدمي الترفيهي في العجيلة، والمركز الوطني للتشخيص وقياس الإعاقة، حتى لا نصبح ضحية للجان الفردية والتظلمات وإضاعة وقت هيئة الإعاقة، هذه كلها مشاريع صرفت لها أموال ولم تنفذ على أرض الواقع، مثل أيضاً إنشاء منطقة الصادرات والواردات في منطقة الشعيبة الغربية، وكورنيش الجهراء وغيرها، فالأموال فقط تنقص من خزينة الدولة، والفساد يزيد على أرض الكويت الحبيبة.
كنواب لديكم عقوبات رادعة ونزاهة وكشف الفساد، ولكن لم نرَ مسؤولاً في قطاع التنمية وراء القضبان؟
- ليس لدينا مشكلة تشريعية، وعندنا تشريعات في مكافحة الفساد جيدة، ولدينا أجهزة رقابية أكثر من اللازم، المشكلة في العقوبات الرادعة، هذا ما نفتقده حتى الآن، نعم أصبح لدينا للمرة الأولى وزير يدان منذ عام 1963م، بشكل قضائي، أيضاً لدينا وزراء ممنوعون من السفر، ولدينا وكلاء مساعدون خلف القضبان، ولكننا كنواب لا نشعر بثقة واطمئنان للنهاية؛ لأننا تعودنا أنه في النهاية تحدث الأخطاء الإجرائية والثغرات القانونية وبالتالي تحدث البراءات، أو على الأقل السفر للخارج والتملص من تنفيذ العقوبات، هناك للأسف وقاحة في التطاول على المال العام، ويجب أن يقابلها جرأة وحزم في تطبيق القانون، فتنظيف السلم يبدأ من الأعلى، يجب ألا ننشغل بالمخالفات الفردية لعموم المواطنين والمقيمين وإن كانت مهمة، لكن هؤلاء المواطنين والمقيمين سيرتدعون متى ما رأوا الرؤوس الكبيرة للفساد تتساقط وتُعاقب، وكما قيل: «إذا صلح الراعي وصلحت الرعية»، و«الناس على دين ملوكهم»، فدعوة للوزراء والوكلاء والمديرين إلى الارتياح في منازلهم بعيداً عن مناصبهم الإدارية حتى يكونوا قدوة لهؤلاء المواطنين والمقيمين.
هل هناك بصيص أمل أمام هذا الفساد؟
- نحن مأمورون بالأمل لأنه واجب شرعي، وهناك نصوص شرعية كثيرة، منها قوله تعالى: {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} (القصص: 83)، ونحن نؤمن أن العاقبة للخير دائماً، ربما ما يحز في الخاطر أننا لدينا مقومات النجاح، فقط ما ينقصنا هو الإرادة والإدارة، الإرادة الحقيقية للإصلاح، وأنا لم ألمس إرادة حقيقية في الإصلاح ومقاومة الفساد، للأسف ألمس إرادة التعايش مع الفساد والقبول به على أرض الواقع، فإلى أن تأتينا إرادة حقيقية لدى الإصلاح في محاربة الفساد وإدارة قادرة على تنفيذ هذه المرئيات، فالإخلاص وحده لا يكفي ما لم يكن مصحوباً بكفاءة، {يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} (القصص: 26)، حتى قدمت القوة ربما والكفاءة والقدرة على الأمانة في هذه الحالة، وإن كان كلاهما مطلوباً.
هل أنتم في «حدس»، كما قلت، ستتقدمون بمشروع وتعقدون مؤتمراً صحفياً لاجتثاث هذا الفساد من الدولة؟ وهل سنرى على المدى القريب شيئاً إيجابياً في الجانب التنموي؟
- دعني أكن أميناً مع المواطنين وقراء مجلة «المجتمع»، حالياً أنا على المستوى قصير المدى غير متفائل، لأننا نستخدم ذات الآليات وبالتالي سنحقق ذات النتائج الضعيفة والمتواضعة، أما على المستوى المتوسط والطويل فمتفائل بالخير لهذه الأرض الطيبة، نحن نعمل ونحاول، وكما علمنا الرسول الكريم: «إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة إن استطاع أن يغرسها فليغرسها».
ربما استطاعت قوى الفساد أن تجعل المواطنين ييأسون من الإصلاح ويكفرون بالديمقراطية في الكويت، ما رأيك؟
- الفاسدون بدأب خبيث منهم يحاولون إحباط الناس من الإصلاح، ولكن أطمئنكم بما ألمسه من تواصل مباشر، بعيداً عن الذباب الإلكتروني، والحملات المدفوعة والمأجورة، نعم الناس محبطة في الظروف العادية، ولكن بمجرد أن يأتي محك ديمقراطي أو منعطف سياسي تجدهم أمامك بالهمة والاهتمام كباراً وصغاراً نساء ورجالاً، فهذا الشعب معدنه أصيل وإن علاه بعض الصدأ، فسرعان ما ينجلي ويظهر هذا المعدن النفيس والثمين، فهذا الشعب ثابت على إيمانه في مزيد من الديمقراطية ومزيد من الشورى ومزيد من المشاركة الشعبية في الإدارة العامة للدولة.
ما رأيك في الدعوة إلى حوار وطني بعيد عن الإعلام لمواجهة الفساد؟
- أنا أدعو أولاً إلى حوار نيابي نيابي، أو معارض معارض، دعونا أولاً نوحد الصف الإصلاحي ونكون راية واحدة، ودواء واحد نقدمه لهذا الوطن، ثم بعد ذلك الحوار الوطني مع بقية مكونات المجتمع مطلوب ومنشود، ولكن إذا ذهبنا إليه متفرقين فسيفشل كما فشلت التجارب القريبة في تحقيق النتائج المرجوة منها.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً