النشر وهمومه.. بين الموهبة والبيزنس والفُرص المتاحة

النشر وهمومه.. بين الموهبة والبيزنس والفُرص المتاحة

ضوء في نهر الطريق، ولمعة في عين الحلم، ودفعة قوية محركة للموهبة، أن يرى الكاتب حروفه التي بذرها بتأنٍّ وصبر طويل وخيال بريء مثمرةً في أرض بيضاء من ورق هفهاف، ثم ينتصب إبداعه بعد ذلك مُبرزًا قامته على رفوف المكتبات في انتظار لمسة فضول أو نظرة عابرة من الجمهور، وربما مطالعة وتقدير وثناء، أو حتى نقد وتصويب ومراجعة تساعد في ضبط المسار، وهذا يحدث إذا يُسرت سبيل الطباعة والحركة في الأسواق.

لكن سوق النشر الآن – في العالم العربي خصوصًا - صار ضيقًا حرجًا صعب المنال، والعقبات فيه أكثر من المحفزات، وأحيانًا يكون حكرًا على مجموعات بعينها ممن يستطيعون تحمُّل كُلفة الإيداع قبل كلفة الإبداع، وعليه صار تحريك الكتاب إلى مكابس المطابع ودور النشر ليس رهينًا فقط بموهبة الكاتب ومضمون ما يكتب، بل يخضع قبل ذلك إلى هيمنة البيزنس وقوة المال.

وقد تكاثرت تجارب الكتاب في شتى الفروع والتخصصات في هذا السياق، ويتصدر هؤلاء المؤرّقين بصعوبة النشر شريحةُ الأكاديميين الذين لا يجدون وسيلة لنشر منتجهم العلمي الخاص، وعلى رأس القائمة تأتي رسائل الماجستير والدكتوراه، فنادرًا ما يجد الباحث الباب سهلًا لنشر عمله العلمي، وإن كان الباحثون - نظريًّا - هم الفئة أصحاب المنتج العلمي الأهم معرفيًّا، والذي ينبغي أن يُفسح له مجال النشر والانتشار يلاقي تلك الصعوبات، فما بالنا بالمغمورين المبتدئين في الكتابة والإبداع وصغار الشباب أصحاب المواهب التي تبحث عن فرصة صغيرة للفت الانتباه!

دور النشر.. المتهم البريء

يمكن الإقرار أن كثيرًا من مسئولي الإدارة في دور النشر يتغاضون عن مشكلات فنية في بعض الأعمال المكتوبة المطلوب نشرها، وذلك رغبة في فتح باب لتنشيط سوقهم عبر "بضاعة" سيربح من ورائها ويعوض خساراته أو يزيد أرباحه، ولكي يواصل ضخ "بضاعته" على مدار العام. لكن من جانب آخر، وحتى لا نظلم كل دور النشر فإن سوق الأوراق ورواج الكتاب والقراءة في العالم العربي ليست في أفضل حال، ما يعود بالخسائر الكبيرة على دور النشر ويعطل حركتها ويجعلها تتخلى عن مبادئ ثقافية وفنية أحيانًا كثيرة؛ حيث إن المشكلة متداخلة متشابكة ولها عدة أبعاد يصعب حلها دون فك تعقيدات المنظومات الأخرى في المؤسسات الرسمية. لكن يعنينا هنا في المقام الأول أن نقترح حلولًا للمؤلفين أصحاب الإنتاج العلمي والفني والأدبي، خاصة المبتدئين منهم، ومن لا يستطيعون المغامرة بكُلفة كتاب، ويرون الأولى توفير ثمنه لقوت الأولاد. 

حلول ذاتية ممكنة

يمكن للكاتب الباحث عن نوافذ لنشر كتابه أن يتحرك في عدة مسارات بعيدة عن عرض عمله على دار نشر، ثم انتظار الرد، ثم المفاوضة على دفع المقابل المادي، ويكون الرد في الغالب بعدم القدرة، أو عدم المغامرة بالمال، ومن تلك المسارات المقترحة:

1-تكثيف المشاركات في المسابقات

هذا مسار حيوي وهام لصاحب الإبداع المكتوب، وهناك فعاليات كثيرة في مصر والعالم العربي للكتب المخطوطة: رواية وقصة وترجمة ونقدًا ومسرحًا وبحثًا علميًّا، يمكن أن يطرق الكاتب أبوابها باستمرار دون جهد كبير منه أو غرامة مادية، فقط يباشر ذلك عبر رسائل الإنترنت وبعض البيانات، وإن كان الأمر لا يكون في كل الأحوال على صورته التي تبدو شفَّافة منصفة، لكنه باب مهم للغاية للنشر، وحتى في حالة أن المسابقات لا تنشر الأعمال مباشرة، لكنها تحقق عائدًا ماديًّا في أحيان كثيرة يمكن أن يدعم الكاتب في النشر الخارجي، أو توفر له غطاءً دعائيًّا يمكن أن يفيده بعد ذلك في تيسير النشر، أو على الأقل ستمثل دعمًا نفسيًّا له يحرس وهجه من الخمود.

2-النشر الإلكتروني

مع الحركة التكنولوجية المعاصرة وتسلل الذكاء الاصطناعي إلى جميع المجالات، تكاثرت منصات النشر الإلكتروني وتطبيقات القراءة الإلكترونية والروافد الثقافية التي تدعم نشر الكتاب بصيغة مصورة (أمازون كندل، جومرود، أبجد، أريد) ويتوافر الكتاب بذلك على نوافذ عالمية ومحلية بمقابل نسبة من عائد المشاركات، أي دون كلفة مباشرة من المؤلف، وكذلك دون تعقيد في الإجراءات. وهذا المسار يمثل عدة ميزات للكاتب، فهو من ناحية تدريب على الحضور والانتشار، ومن ناحية أخرى اختبار جيد يمكن أن يقيس به الكاتب حجم موهبته أو مثالب كتابته أو إيجابياتها أو ما يحتاجه القراء، وذلك من خلال مطالعة آراء الجمهور. لكن من الهام جدًّا في هذه الحال أن يوفر الكاتب لنفسه هامشًا من الدعاية وسط المحبين والأصدقاء حتى يُتاح لاسمه أن يكون اختيارًا لعدد من القراء، وذلك أيضًا صار ممكنًا بنسبة ما من خلال تنشيط مواقع التواصل الاجتماعي.

3-النشر الورقي الذاتي (بالقطعة)

قد لا يوفّر النشر الإلكتروني أرضية كبيرة للكاتب ليُعرف من خلالها، وقد لا يلتفت إليه الجمهور؛ لأن تلك الوسيلة تحتاج حركة دعائية قوية موازية، كذلك قد يغيب – في النشر الإلكتروني - الإحساس المعنوي الحافز للمبدع المتعلق برؤية منتوجه ملموسًا بين يديه؛ حيث لا يزال  الورق له سطوة الحضور وقوة المعنى، وعليه قد لا يغنيه النشر الإلكتروني نفسيًّا، وقد لا يوفر له الطاقة الإبداعية التي يريدها للاستمرار، وهنا يبرز خيار آخر وهو النشر الورقي الذاتي بالقطعة؛ حيث يمكن الاستفادة منه لسد تلك الثغرة ودون كلفة مادية شاقة، وقد قام بتجربته عدد من الأصدقاء وامتدحوا تلك الطريقة ونتائجها. وتلك الوسيلة تكون عبر استخراج رقم إيداع لأي كتاب باسم دار نشر أو باسم المؤلف، وهناك جهات تقوم بهذه المهمة نيابة عن الكاتب برسوم زهيدة، ثم يقوم الكاتب عبر تلك الجهة أو اعتمادًا على ذاته بطباعة العمل "ديجيتال" وبخامة جيدة وبأعداد محدودة تبدأ من نسخة واحدة إلى خمسين نسخة مثلًا؛ فيمكنه بتلك النسخ المشاركة في المعارض (وفق الآلية التي سنشير إليها في الأدوات الرسمية)، وكذلك يمكنه إهداءها للأصدقاء والمتخصصين وبعض النقاد الذين يُتوسم فيهم الدعم والتحفيز، وأيضًا المشاركة بها في المسابقات التي تطلب نُسخًا مطبوعة.

4-الشركات المساهمة

هناك عشرات المجموعات على مواقع التواصل الاجتماعي التي تجمع المؤلفين الشباب ومبتدئي الإبداع المتضررين من وضع النشر الحالي وأزماته - وسرقاته أحيانًا – فيمكن لهؤلاء من خلال توحيد طاقتهم المادية المحدودة في مسار واحد، أن يكوّنوا رابطة أو روابط عدة تنشئ شركات محدودة المسئولية بأسْهُم صغيرة للغاية تكون هي بوابة النشر لهم؛ فإن افترضنا أن "جروبًا" به مائة أديب وكاتب وناقد في أي موقع جغرافي، واتفقوا على التضامن بكُلفة يسيرة لإنشاء دار نشر، وبعدها يشارك كل شخص بكتابه ويدفع كلفته الترويجية اليسيرة. وبالفعل قد بدأت عدة دور حالها بهذه الطريقة ومنها "عصير الكتب" وهي من أشهر دور النشر المصرية الآن، ودار "توبيا" وغيرها.

5-نوافذ الدراما

من المهم أيضًا في هذا السياق أن يبحث الكاتب عن مساحات إبداعية مغايرة يوسع بها المجال أمام كتاباته لتصل للجمهور عبر وسائط أخرى يكون لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بحقله الإبداعي الأساسي، خاصة إن كان يكتب القصة والرواية والمسرح؛ فالكاتب في هذه الحال يستطيع أن يطرق أبوابًا عدة في نطاق الأعمال الدرامي (إذاعة، سينما، مسرح (عرض)، تلفزيون، أنيميشن، منصات مشاهدة، منصات صوتية)، وبعض هذه المسارات يمكن أن يجد فيها الكاتب غايته وتتيح له الفائدتين الانتشار والمادة، ولن يبتعد كثيرًا عن حقله الأساسي، إضافة أنه قد يكتشف في نفسه مهارات جديدة، أو ينمي مهارات مخبوءة تكون مسارًا متصلًا بعد ذلك في حياته العملية. وعشرات من الكتاب والأدباء بحثوا لأنفسهم عن موطئ قلم في مثل هذه المسارات ونجحوا فيها، بداية من نجيب محفوظ ويوسف جوهر والسحار، مرورًا بأسامة أنور عكاشة ولينين الرملي وعبد الرحيم كمال، وصولًا إلى الكتاب الشباب في عصرنا الحالي مثل عمر طاهر وبلال فضل وأحمد مراد، وغيرهم ممن تنقّل بين الأدب إلى الدراما.

حلول مجتمعية عامة

دعمًا للمسئولية الذاتية السابقة التي يمكن أن يمارسها الكاتب، من الضروري أيضًا أن يكون هنا رافدًا رسميًّا ومجتمعيًّا يصب في نفس السياق، ويتيح الفرص أمام الكُتاب الجدد والباحثين، ومن تلك الأدوات الرسمية والمجتمعية الممكنة:

1-إنعاش الدور الرسمي والأهلي

في بداية القرن العشرين ومنتصفه نشطت مساحات رسمية وأهلية كبيرة تتيح النشر المباشر الرخيص لكل الكتاب والمبدعين، وتهيأت مؤسسات في مصر والعراق والشام، ودول عربية أخرى فتحت الباب أمام جميع الكتاب، مثل: (اقرأ، لجنة التأليف والترجمة والنشر، كتابي، روايات الهلال، مسامرات الشعب، الروايات المدرسية "الشام"، المكتبة العصرية "العراق"، وجمعية الترجمة والتأليف "تونس" وغير ذلك من الدور الرسمية والأهلية)، إضافة إلى عشرات المجلات في كل الدول العربية (الهلال، المنار، الرسالة، الثقافة، الكاتب المصري، لغة العرب، الخلدونية، الشهاب، الجنان) التي أتاحت مشاركات القراء، ما حفَّز ظهور مبدعين كثيرين دون إعاقة النشر، ولا تزال كثير من تلك المؤسسات عاملة لكن انطفأ كثير من وهجها ودخلت في مسارات بيروقراطية شديدة التعقيد تُعطل الكتاب وتعطل معه الموهبة؛ فالجدير بالعمل الآن هو إعادة إنعاش مثل هذه الوسائط بتفعيل القديم الموجود فعلًا، وكذلك بخلق محاضن حكومية وأهلية جديدة تستقبل أعمال الكتاب للنشر المجاني.

2-كوتة المعارض

اتصالًا بالاقتراح السابق، فإنه من الضروري أن تتوجه اتحادات الكتاب العربية ومن ينوب عنهم في المؤسسات الثقافية بالضغط لسن قانون يفرض على دور النشر الخاصة والحكومية حصة خاصة بالكتاب، لا سيما الشباب، وتحديدًا مَن لم يسبق لهم النشر، بما يشبه "الكوتة"، وذلك بأن تطبع للمؤلفين المبتدئين عددًا من النسخ، ثم يكون لهم مساحة خاصة في معارض الكتاب الدولية، ويمكن أن تُحدد تلك النسبة بعشرة بالمئة من مجمل إنتاج الدور في كل دورة نشر، على أن يقوم مسؤولو الثقافة بمراقبة ذلك ورعاية تنفيذه.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة