إنما الأعمال بالنيات (1)
النيَّة عند الفقهاء من كلام ابن رجب الحنبلي
وقف ابن رجب الحنبلي عند حديث «الأعمال بالنيات»
وقوفاً طويلاً، فاستوعبه بحثاً وتحريراً وبسط فيه القول، وجمع من درر العلوم وحكم
السلف ونفائس الآراء ما لا يكاد يرى في غيره، فاختصرته خدمة للقراء وإشاعة للنفع.
وقد فرق الحافظ بين المقصود بالنية عند الفقهاء،
وعند السلف والعارفين، وسوف نتناول في هذا المقال الحديث عن "مفهوم النية عند الفقهاء".
عن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» (متفق عليه).
مفهوم النية عند الفقهاء
قال ابن رجب: وأما النية بالمعنى الذي يذكره الفقهاء، وهو
تمييز العبادات من العادات، وتمييز العبادات بعضها من بعض، فإن الإمساك عن الأكل
والشرب يقع تارة حمية، وتارة لعدم القدرة على الأكل، وتارة تركاً للشهوات لله عز وجل،
فيحتاج في الصيام إلى نية ليتميز بذلك عن ترك الطعام على غير هذا الوجه.
وكذلك العبادات، كالصلاة والصيام، منها فرض،
ومنها نفل.
والفرض يتنوع أنواعاً، فإن الصلوات المفروضات
خمس صلوات كل يوم وليلة، والصوم الواجب تارة يكون صيام رمضان، وتارة صيام كفارة،
أو عن نذر، ولا يتميز هذا كله إلا بالنية، وكذلك الصدقة، تكون نفلاً، وتكون فرضاً،
والفرض منه زكاة، ومنه كفارة، ولا يتميز ذلك إلا بالنية.
تعيين النية للصلاة والصيام والصدقة
وفي بعض ذلك اختلاف مشهور بين العلماء، فإن
منهم من لا يوجب تعيين النية للصلاة المفروضة، بل يكفي عنده أن ينوي فرض الوقت، وإن
لم يستحضر تسميته في الحال، وهو رواية عن الإمام أحمد، ويبنى على هذا القول: أن من
فاتته صلاة من يوم وليلة، ونسي عينها، أن عليه أن يقضي ثلاث صلوات؛ الفجر والمغرب
ورباعية واحدة.
وكذلك ذهب طائفة من العلماء إلى أن صيام رمضان
لا يحتاج إلى نية تعيينية أيضاً، بل تجزئ بنية الصيام مطلقاً، لأن وقته غير قابل
لصيام آخر.
ومما يدخل في هذا الباب: أن رجلاً في عهد
النبي صلى الله عليه وسلم كان قد وضع صدقته عند رجل، فجاء ابن صاحب الصدقة، فأخذها
ممن هي عنده، فعلم بذلك أبوه، فخاصمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما إياك
أردت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمتصدق: «لك ما نويت»، وقال للآخذ: «لك ما أخذت»
(أخرجه البخاري).
هل تشترط النية في الطهارة؟
وأما الطهارة، فالخلاف في اشتراط النية لها
مشهور، وهو يرجع إلى أن الطهارة للصلاة هل هي عبادة مستقلة، أم هي شرط من شروط الصلاة،
كإزالة النجاسة، وستر العورة؟ فمن لم يشترط لها النية، جعلها كسائر شروط الصلاة، ومن
اشترط لها النية، جعلها عبادة مستقلة، فإذا كانت عبادة في نفسها، لم تصح بدون نية،
وهذا قول جمهور العلماء، ويدل على صحة ذلك تكاثر النصوص الصحيحة عن النبي صلى
الله عليه وسلم؛ بأن الوضوء يكفر الذنوب والخطايا، وأن من توضأ كما أمر، كان كفارة
لذنوبه.
وهذا يدل على أن الوضوء المأمور به في القرآن
عبادة مستقلة بنفسها، حيث رتب عليه تكفير الذنوب، والوضوء الخالي عن النية لا يكفر
شيئاً من الذنوب بالاتفاق، فلا يكون مأموراً به، ولا تصح به الصلاة.
ولو شرك بين نية الوضوء، وقصد التبرد، أو
إزالة النجاسة أو الوسخ، أجزأه في المنصوص عن الشافعي، وهو قول أكثر أصحاب أحمد،
لأن هذا القصد ليس بمحرم، ولا مكروه، ولهذا لو قصد مع رفع الحدث تعليم الوضوء، لم
يضره ذلك.
أثر النية في الحلف والأيمان
ومما تدخل النية فيه من أبواب العلم: مسائل
الأيمان.
فلغو اليمين لا كفارة فيه، وهو ما جرى على
اللسان من غير قصد بالقلب إليه، كقوله: لا والله، وبلى والله في أثناء الكلام، قال
تعالى: (لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ
اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ
قُلُوبُكُمْ) (البقرة: 225).
هل اليمين على نية المستحلف أم الحالف؟
فإن كان الحالف ظالماً، ونوى خلاف ما حلفه عليه غريمه، لم تنفعه نيته، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك»، وفي رواية له: «اليمين على نية المستحلِف»، وهذا محمول على الظالم.
فأما المظلوم، فينفعه ذلك، وقد خرج الإمام
أحمد، وابن ماجه من حديث سويد بن حنظلة، قال: خرجنا نريد رسول الله صلى الله
عليه وسلم ومعنا وائل بن حجر، فأخذه عدو له، فتحرج الناس أن يحلفوا، فحلفت أنا إنه
أخي، فخلى سبيله، فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته أن القوم تحرجوا أن يحلفوا،
وحلفت أنا إنه أخي، فقال: «صدقت، المسلم أخو المسلم».
وكذلك يرجع في الأيمان إلى نية الحالف وما قصد بيمينه، فإن حلف بطلاق أو عتاق، ثم ادعى أنه نوى ما يخالف ظاهر لفظه، فإنه يدين فيما بينه وبين الله عز وجل.
وهل يقبل منه في ظاهر الحكم؟ فيه قولان للعلماء مشهوران، وهما روايتان عن أحمد، وقد روي عن عمر أنه رفع إليه رجل قالت له امرأته: شبهني، قال: كأنك ظبية، كأنك حمامة، فقالت: لا أرضى حتى تقول: أنت خلية طالق، فقال ذلك، فقال عمر: خذ بيدها فهي امرأتك. (خرَّجه أبو عبيد).
وقال: أراد الناقة تكون معقولة، ثم تطلق من عقالها ويخلى عنها، فهي خلية من العقال، وهي طالق، لأنها قد طلقت منه، فأراد الرجل ذلك، فأسقط عنه عمر الطلاق لنيته، قال: وهذا أصل لكل من تكلم بشيء يشبه لفظ الطلاق والعتاق، وهو ينوي غيره أن القول فيه قوله فيما بينه وبين الله، وفي الحكم على تأويل مذهب عمر رضي الله عنه.
أثر النية في الطلاق والعتاق
وكذلك تدخل النية في الطلاق والعتاق، فإذا أتى بلفظ من ألفاظ الكنايات المحتملة للطلاق أو العتاق، فلا بد له من النية.
وهل يقوم مقام النية دلالة الحال من غضب أو سؤال الطلاق ونحوه أم لا؟
فيه خلاف مشهور بين العلماء، وهل يقع بذلك الطلاق في الباطن كما لو نواه، أم يلزم به في ظاهر الحكم فقط؟ فيه خلاف مشهور أيضاً، ولو أوقع الطلاق بكناية ظاهرة، كالبتة ونحوها، فهل يقع به الثلاث أو واحدة؟ فيه قولان مشهوران، وظاهر مذهب أحمد أنه يقع به الثلاث مع إطلاق النية، فإن نوى به ما دون الثلاث، وقع به ما نواه، وحكي عنه رواية أنه يلزمه الثلاث أيضاً.
ولو رأى امرأة، فظنها امرأته، فطلقها، ثم بانت أجنبية، طلقت امرأته، لأنه إنما قصد طلاق امرأته، نص على ذلك أحمد، وحكي عنه رواية أخرى: أنها لا تطلق، وهو قول الشافعي، ولو كان العكس، بأن رأى امرأة ظنها أجنبية، فطلقها، فبانت امرأته، فهل تطلق؟ فيه قولان هما روايتان عن أحمد، والمشهور من مذهب الشافعي وغيره أنها تطلق.
ولو كان له امرأتان، فنهى إحداهما عن الخروج، ثم رأى امرأة قد خرجت، فظنها المنهية، فقال لها: فلانة خرجت؟ أنت طالق، فقد اختلف العلماء فيها، فقال الحسن: تطلق المنهية، لأنها هي التي نواها، وقال إبراهيم: تطلقان، وقال عطاء: لا تطلق واحدة منهما.
ومذهب أحمد: أنه تطلق المنهية رواية واحدة، لأنه نوى طلاقها، وهل تطلق المواجهة على روايتين عنه، واختلف الأصحاب على القول بأنها تطلق: هل تطلق في الحكم فقط، أم في الباطن أيضاً؟ على طريقتين لهم.
أثر النية في العقود
وقد استدل بقوله صلى الله عليه وسلم: «الأعمال
بالنيات، وإنما لامرئ ما نوى» على أن العقود التي يقصد بها في الباطن التوصل إلى ما
هو محرم غير صحيحة، كعقود البيوع التي يقصد بها معنى الربا ونحوها، كما هو مذهب مالك،
وأحمد، وغيرهما، فإن هذا العقد إنما نوي به الربا، لا البيع، «وإنما لامرئ ما نوى»
ومسائل النية المتعلقة بالفقه كثيرة جداً، وفيما ذكرناه كفاية.
اقرأ أيضا
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً