الهاتف والواجب المدرسي.. معركة يومية داخل البيوت

الهاتف والواجب المدرسي.. معركة يومية داخل البيوت

الساعة تقترب من العاشرة مساء، والبيت الذي كان هادئًا قبل دقائق تحوّل فجأة إلى ساحة معركة صغيرة: «اقفل الموبايل وذاكر»، «حاضر، آخر دقيقة»، تتكرر الجملة للمرة الخامسة، بينما كراسة الواجب مفتوحة على المكتب منذ أكثر من ساعة، والقلم في مكانه، والكتاب أمامه، وعين الطفل ما زالت معلّقة بالشاشة.

هذا المشهد لا يحدث في بيت واحد، ولا في ليلة استثنائية، إنه جزء من روتين يومي تعيشه أسر كثيرة، حيث يقف الهاتف في جانب، والواجب المدرسي في جانب آخر، وبينهما معركة ثالثة على النوم!

لكن لماذا أصبح تنظيم هذه التفاصيل اليومية مهمة شاقة إلى هذا الحد؟ فهل المشكلة في الهاتف نفسه؟ أم في الطريقة التي دخل بها إلى حياة الأطفال حتى أصبح انتزاعه من أيديهم أشبه بانتزاع مفتاح المتعة والراحة في نهاية يوم شاق وطويل؟

متى تبدأ معركة الواجب المدرسي؟

تبدأ هذه المعركة العائلية بعد دقائق من عودة الأبناء من المدرسة، حقائب تُلقى بإهمال واضح في أحد أركان الغرفة، وملابس تُبدّل على عجل، ثم يأتي السؤال الذي يبدو بسيطًا في ظاهره: «متى ستذاكر؟»، هنا تشتعل المعركة، الطفل يتشبث بالهاتف بغرض الراحة والمتعة، والوالدان يريدان إنهاء الواجب قبل أن يتأخر الوقت.

والمشكلة هنا ليست متعلقة بكسل الطفل أو عناده، فقد يكون بحاجة إلى فترة انتقالية بين المدرسة والمنزل، ولكنّها تكمن في غياب جدول واضح لحسم هذا الخلاف، يتضمن وقتًا للراحة، وآخر للمذاكرة، وثالثًا للترفيه، ومع كل محاولة من الأهل لإبعاد الطفل عن الشاشة -وهي الخيار الأسهل والأكثر جاذبية- تتصاعد المقاومة، ويتحول الحديث عن الواجب إلى جدال طويل.

الواجب المدرسي في مواجهة شاشة الهاتف.. ماذا نفعل؟

لا تبدأ أزمة الواجب المدرسي عند فتح الكتاب، وإنما قبل ذلك بكثير، عندما يجد الطفل نفسه أمام خيارين متناقضين؛ مهمة مدرسية تحتاج إلى تركيز، وشاشة توفر له ترفيهًا سريعًا وسهلاً، الواجب يحتاج إلى جهد وصبر، بينما يقدم الهاتف مكافأة فورية، ومع مرور الوقت يتحوّل التأجيل إلى عادة، ويبدأ الأهل في استخدام الأوامر والتهديد والعقاب لإجباره على المذاكرة، وللمساعدة على التعامل مع المشكلة من جذورها، يمكن:

1- العمل على هدف تربوي طويل: بأن يخطط الأبوان لأن يعيش الطفل قريبًا من الهاتف، لكن دون أن يسمح له بسرقة وقته، أو التأثير على دراسته، أو مزاحمة نومه وعلاقاته وحياته اليومية.

2- وضع قواعد قابلة للتنفيذ: بأن يعرف الطفل متى يستخدم الهاتف، وكم من الوقت، وما الذي يسبقه من مسؤوليات، وأن تراعي الأسرة أن المنع الكامل قد ينجح في لحظة، لكنه لا يقدم بالضرورة مهارة قد يحتاجها الطفل مستقبلاً.

3- القواعد متدرجة وحسب العمر: فالطفل الأصغر قد يحتاج إلى رقابة أكبر، بينما يمكن للمراهق أن يشارك بصورة أكبر في وضع القواعد ومناقشة أسبابها.

4- دور القدوة في ترشيد استخدام الهاتف: فمن الصعب إقناع طفل بأن الهاتف يجب أن يُغلق أثناء الطعام أو قبل النوم، بينما يظل الكبار منشغلين بشاشاتهم طوال الوقت.

5- تقسيم الواجب إلى مهام صغيرة: مع فترات قصيرة للراحة، وإبعاد الهاتف عن مكان المذاكرة إذا لم يكن مطلوبًا للاستعانة به في أداء الواجب؛ ما يساعد في بناء علاقة أكثر انتظامًا مع الدراسة، وتربية طفل يتحلى بالصبر وطول النفس ولديه القدرة على الاستقلال مستقبلاً.

6- تجهيز الواجبات قبل موعدها: مما يقلل الضغط على الجميع، فتجهيز حقيبة المدرسة، والملابس، والأدوات الدراسية، ينقل الأسرة من ردّ الفعل إلى التخطيط، ويمنع صراخ الأم إزاء تأخر وقت نوم الطفل، وبمرور الوقت يتحول الروتين إلى عادة تقلِّل الحاجة إلى الأوامر المستمرة.

النوم.. مشكلة أخرى

«نم كي تستيقظ مبكراً للمدرسة»، جملة تتكرر في آلاف البيوت، لكنها في أحيان كثيرة تأتي بعد سلسلة طويلة من التأجيل؛ من واجب لم ينته، وهاتف لم يُغلق، ومقطع فيديو يريد الطفل إكماله، والمشكلة ليست فقط في أن الطفل نام متأخرًا ليلة أو ليلتين، وإنما في أن السهر قد يتحول إلى نمط يومي ينعكس على صباحه ومدرسته ومزاجه وتفكيره، وعلى الأهل:

1- توحيد قرار الأب والأم: فقد تمنع الأم الهاتف في أيام الدراسة، ثم يسمح الأب باستخدامه، وبين الرأيين يختبر الطفل الحدود، ويتعامل –من ثم- مع الطرف الأكثر تساهلاً، والنتيجة أن الطفل –بعيدًا عن الخلافات التي تنشأ في مثل هذا الحالات بين الزوجين- يتلقى رسائل متناقضة، تؤثر بلا شك في استقراره التربوي.

2- إدراك أن النوم ليس جائزة يحصل عليها الطفل بعد إنهاء الواجب: ولا عقوبة له على استخدام الهاتف، بل هو جزء أساس من تنظيم يومه، وعليه؛ يجب التعامل معه باعتباره أولوية، وليس تفصيلاً يمكن تأجيله.

3- إدراك أن تأخر النوم لا يحدث فجأة: إنما نتيجة تراكمات تبدأ من بعد العودة من المدرسة، عندما لا يكون النوم منظّمًا بشكل يسمح بإنجاز الواجب والراحة والترفيه في الوقت المناسب، ومع اقتراب موعد النوم يبدأ الضغط، ويجد الطفل نفسه مُطَالبًا بإنهاء أشياء كثيرة في وقت قصير.

4- التزام الجميع بقواعد النوم: فالكبار أنفسهم مطالبون بتلك القواعد؛ إذ الطفل يتعلم من الممارسة أكثر مما يتعلم من التعليمات، وإذا كان موعد النوم في البيت واضحًا وثابتًا يصبح الالتزام به أسهل من ترك الأمر للمفاوضات اليومية.

5- تهيئة البيت لنوم هادئ وطبيعي: بأن يبدأ قبل موعده بوقت كافٍ، وأن تُغلقَ الشاشات، التي تزيد من صعوبة الانتقال إلى النوم، وتُجهّزَ ملابس المدرسة والحقيبة، ثم الانتقال إلى أنشطة هادئة تساعد على جعل النوم جزءًا طبيعيًّا من نهاية اليوم.

من يربح المعركة؟

المطلوب إذًا ليس إلغاء الهاتف من حياة الأطفال، ولا تحويل الواجب والنوم إلى عقاب، وإنما أن تتعلم الأسرة كيف تصنع توازنًا لا يحتاج إلى معركة كل ليلة، الحل في هذه المسألة لا يكمن في البحث عن منتصر، فالطفل ليس خصمًا للأهل، والأهل ليسوا خصمًا للطفل، بل الطرفان يواجهان مشكلة واحدة؛ كيف يمكن إدارة ساعات المساء المحدودة دون أن تتحول إلى حالة من الفوضى والتوتر؟

وهذا يتطلب اتفاقًا واضحًا يشارك الطفل في فهمه، والنجاح الحقيقي ليس أن يخسر الطفل هاتفه، أو أن ينتصر الأهل في النقاش، بل أن تمر الليلة من دون معركة.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة