الوجه الآخر للعمل الصالح

محمد خاطر

25 ديسمبر 2025

334

الكثير من الأمور ومنها الأعمال الصالحة إذا غيرنا وجهة النظر إليها اختلف رد فعلنا تجاهها وسهل علينا القيام بها على أفضل وجه ممكن.

العبادات والطاعات

يجد الكثيرون مشقة وصعوبة في القيام بالعبادات ومنها على سبيل المثال الصلاة والزكاة والجهاد وغيرها من العبادات، يقول الله عز وجل عن الصلاة: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) (البقرة).

والصبر ثلاثة أنواع: صبر عن المعصية، وصبر على المصائب والابتلاءات، وصبر على الطاعة؛ لأن الإنسان غالبًا يجاهد نفسه ويجبرها على القيام بها.

ومن هذا الوجه -وجه العبادات كتكاليف- تُعد الطاعة والعبادات عمومًا أمرًا صعبًا وشاقًا على النفس الإنسانية، أما إذا غيرنا وجهة نظرنا إليها سهل علينا القيام بها وذلك من ناحيتين:

الأولى: أن الله عز وجل غني عن عباداتنا وطاعاتنا، وأننا بحاجة لتلك العبادات والطاعات حتى نتقرب بها إلى الله عز وجل، وهو المستحق للعبادة، ومع ذلك يعطي عليها الثواب الجزيل.

الثانية: النظر للعبادات والطاعات على أنها ثمن لدخول الجنة يسهل علينا فعلها، وفي الحديث عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من خافَ أدلَجَ، ومن أدلَجَ بلغَ المنزلَ، ألا إنَّ سلعةَ اللَّهِ غاليةٌ، ألا إنَّ سلعةَ اللَّهِ الجنَّةُ» (صحيح الترمذي، 2450).

وقيام الليل وبخاصة الثلث الأخير منه أمر شاق على الكثيرين، ولكن المسلم إذا تذكر أن الله عز وجل يدعوه في ذلك الوقت بالذات ليعطيه سهل عليه أمر قيام الليل، ففي الحديث عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يَنْزِلُ رَبُّنا تَبارَكَ وتَعالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إلى السَّماءِ الدُّنْيا، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ فيَقولُ: مَن يَدْعُونِي فأسْتَجِيبَ له، مَن يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَن يَسْتَغْفِرُنِي فأغْفِرَ له» (أخرجه البخاري (7494)، ومسلم (758)).

بر الوالدين

طاعة الوالدين وبرهما من الأمور الشاقة على نفوس الكثيرين، فهي تتطلب مجاهدة وصبرًا على أداء تلك العبادة، وبخاصة عند كبر الوالدين وحاجتهما للرعاية، وهذا الأمر يسهل من ناحيتين:

الأولى: تذكر إحسان الوالدين لنا في الصغر وصبرهما على أذانا، وقد أشار القرآن الكريم لذلك، يقول الله عز وجل: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) (الإسراء: 24).

الثانية: أن الولد البار -ذكرًا كان أم أنثى– هو المستفيد الحقيقي من بر الوالدين، فبر الوالدين يمنح الإنسان الكثير من العطايا الربانية، فمن ثمرات بر الوالدين في الدنيا: أن رضا الوالدين فيه رضا الله عز وجل وسخطهما فيه سخطه، وبرهما مفتاح لرضا الله سبحانه، والبر يزيد في العمر ويوسع في الرزق، ويفرج الله به كرب العبد ويقبل دعاءه ويصلح له ذريته، ودعوة الوالدين لولدهما مستجابة، وبر الوالدين سبب لبر الأولاد، وبه يعلو شأن البار في الدنيا ويطيب ذكره بين الناس.

وبر الوالدين في الآخرة من أعظم أسباب دخول الجنة، ويكفّر الذنوب ويمحوها، وهو من أحب الأعمال إلى الله وأقربها إليه، وهو طريق للنجاة من عذاب النار.

الإحسان للآخرين

قد يرى بعض الناس أن لهم فضلًا على من يقدمون لهم المعروف والإحسان، ولكن النظر إلى هؤلاء المحتاجين على أنهم هم من يدخرون لنا الحسنات في الآخرة، يُسهل على الإنسان تقديم المساعدة للآخرين دون مَنٍّ أو أذى، فهو ينظر إليهم على أنهم أصحاب فضل وليسوا متفضلًا عليهم، وفي الحديث الشريف عن أبي الدرداء رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ابغُوني ضُعَفاءَكم؛ فإنَّكم إنَّما تُرزَقونَ وتُنْصَرونَ بضُعَفائكُم» (أخرجه أبو داود (2594)، والترمذي (1702)، والنسائي (3179)).

والإحسان للآخرين فيه شكر لنعم الله عز وجل، فهو الذي أعطى المحسن ابتداء ما يحسن به للآخرين ولم يجعله صاحب حاجة مثلهم، وفي ذلك يقول الإمام الشافعي رحمه الله:

الناس بالناس مادام الحياء بهم       والسعد لا شك تارات وهبات

وأفضل الناس ما بين الورى رجل    تقضى على يده للناس حاجات

لا تمنعن يد المعروف عن أحد        ما دمت مقتدرًا فالسعد تارات

وأشكر فضائل صنع الله إذ جعلت    إليك لا لك عند الناس حاجات

قد مات قوم وما ماتت مكارمهم      وعاش قوم وهم في الناس أموات

لذلك، حري بكل مسلم أن يخلص النية ويحسن العمل، ويبتغي به وجه الله عز وجل والدار الآخرة، وأن يعلم يقينًا أن ما يقدمه الإنسان من خير ونفع للآخرين في الدنيا فإنما يقدمه لنفسه أولاً قبل أن يقدمه للآخرين، يقول الله عز وجل: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (البقرة: 110).

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة