الوسطية في الإسلام.. مفهومها ووظيفتها
من أعظم سمات هذه الأمة ومن أرقى صفاتها «الوسطية»؛
حيث إنها تنتمي لشريعة تجمع خيري الدنيا والآخرة، والقدرة الإنسانية على التطبيق،
وصلاحيتها الدائمة على مر الزمان، ومرونتها الكبيرة في كل مكان، فهي شريعة كاملة
بمعتقداتها وأخلاقها ومعاملاتها.
وتلك الوسطية هي المؤهلة للأمة للقيام
بمهمتها الأساسية؛ مهمة الشهود الحضاري على الأمم الأخرى، تلك التي يقول الله تعالى
فيها: (وَكَذَٰلِكَ
جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ
الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) (البقرة: 143)، وعن أبِي سَعِيدٍ
الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُدْعَى
نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلام يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ بَلَّغْتَ؟
فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُدْعَى قَوْمُهُ فَيُقَالُ لَهُمْ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟
فَيَقُولُونَ: مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ أَوْ مَا أَتَانَا مِنْ أَحَدٍ، قَالَ:
فَيُقَالُ لِنُوحٍ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ»،
قَالَ: «فَذَلِكَ قَوْلُهُ: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)»، قَالَ: «الْوَسَطُ
الْعَدْلُ» (رواه أحمد).
سمات الوسطية ووظيفتها
الوسطية حالة الأمة التي اختارها الله عز
وجل لتقوم بالتكليف الرباني في مهمة الشهادة، فشلت فيها الأمم السابقة لتنتقل للأمة
الخاتمة حاملة الرسالة الخاتمة للبشرية، فالوسطية صفة للأمة، وليست صفة للإسلام،
فالدين عند الله واحد وهو الإسلام الذي تنزل على كل رسل الله.
يقول الباحث الجزائري د. عبدالعزيز برغوث(1):
والوسطية في الإسلام مشروع استخلافي ومنطلق كوني وضابط حضاري أساسي لحياة الفرد
والجماعة، فالتجربة الإسلامية كلها؛ الروحية والمادية والعمرانية والثقافية
والحضارية، تفتقر في وجودها وكينونتها إلى هذا المعنى العميق للوسطية الذي يشير
إليه النص التأسيسي لوسطية أمة الإسلام، والمتمثل في قوله تعالى: (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً
وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ
شَهِيدًا).
ويعتقد البعض -زيفاً- أن مفهوم الوسطية
إنما يعني أن يكون له الاختيار بين بنود الشريعة وقيمها حسب مفهومه المغلوط لمعنى
الوسطية، فيدعي أن الدين وسط، وهو يُدعى إلى تطبيق الشريعة في نبذ المحرمات وتجنب
المكروهات، فيرد قائلاً: الدين وسط، وحين تُدعى إحداهن لتطبيق قيمة الحجاب،
فتتلاعب في مفهوم الحجاب وشكله وشروطه قائلة: إن الدين وسط، وحين تثار مسائل
جوهرية في الإسلام تتعارض مع حب الركون والخنوع ودعة النفس كالجهاد والتصدي للظلم
بنجدة المظلوم، فتجد من يهرول موضحاً ورافضاً للخيارات التي لا تهواها النفس
قائلين: إن الدين وسط.
وهؤلاء جميعاً لا يعلمون ما يعني مفهوم
الوسطية، بل ويُمعنون في تزييف المفاهيم حتى يصير المجتمع المسلم مبتوراً من قيم
وثوابت أتى بها الدين.
فالوسطية قيمة إسلامية شاملة لا تخص مجالاً
دون آخر، فهي وسطية القيم، وسطية عالم السياسة، وسطية المجال الاقتصادي، وسطية
الأخلاق، وسطية المصالح الشخصية والعامة، وسطية التشريعات التي تنزل بها القرآن
وأكدتها السُّنة النبوية، لم يعد هناك مجال للحذف منها أو الإضافة أو التزييف أو
التعديل.
فالوسطية صفة لاصقة بالأمة إذا عملت
بمقتضى شريعتها ولم تحد عنها أو تبدل، لأن سنن الله لا تتبدل لأحد، ولم تتبدل لأمم
من قبل.
شروط استحقاق الشهادة
للأمة الوسط
وأما الشهادة التي هي وظيفة الأمة
باعتبار وسطيتها وحملها للأمانة، فهي: قول صادر عن علم، حصل بمشاهدة أو بصيرة.
يقول سيد قطب: فالرسول عليه الصلاة
والسلام يشهد على هذه الأمة، ويحدد منهجها واتجاهها، ويقرر صوابها وخطأها، وهي
تشهد على الناس بمثل هذا، فهي القوامة على البشرية بعد نبيها، وهي الوصية على
الناس، بموازين شريعتها وتربيتها، وفكرتها عن الكون والحياة، ولن تكون كذلك إلا
وهي أمينة على منهجها العريق، المتصل الوشائج، المختار من الله تعالى(2)، فالشهادة
تكليف للأمة الوسط وليس تشريفاً دون مسوغات، فعدل الله مطلق وسننه لا تحابي أحداً.
هل تصلح الأمة اليوم
لتحقيق وظيفة الشهادة؟
بالبحث في شروط الشهادة واستحقاقها نجد
واقعاً مراً، فما أبعد الأمة عن مفهوم وسطيتها! وما أبعدها عن تطبيق منهاج دينها!
والشهادة جعلها الله عز وجل للأمة المؤهلة لها، فهي ليست هبة، وإنما تكليف مشروط
بالتطبيق الكامل للمنهج السماوي.
وتوحيد الله وعبادته شرط من شروط استمرار
الشهود والشهادة، شرط استحقاق لها، يقول تعالى: (وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ
مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ
وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا
يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ
الْفَاسِقُون) (النور: 55).
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شرط من
شروط استحقاق الشهادة؛ (لُعِنَ
الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ
مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ
عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُون) (المائدة: 78).
والانحراف عن جادة الطريق، والانغماس في
الملهيات والإكثار منها، والفسق والفجور والمعاصي، كل ذلك من سبب تنحية الأمم
واستبدالها عن القيام بمهمتها وأعدى لفشلها فيها؛ (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا
مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا
تَدْمِيراً) (الإسراء: 16).
لقد خلق الله عز وجل الإنسان لمهمة
عظيمة، مهمة عبادته وتوحيده ومعرفته تعالى، ثم كلف الأمة المختارة بمهمة لا تقل
أهمية عن مهمة العبادة والتوحيد، مهمة تبليغ كلمة الله ورفع رايته، مستخدماً في
ذلك ما حباه الله به من قدرات يتميز بها في شريعته عن غيرها من الشرائع الأخرى،
وعلى المسلم أن ينتبه لعظم مهمته، قبل أن يلحقه الاستبدال، كما لحق بالأمم
السالفة.
_______________
(1) دراسة بعنوان «الشهود الحضاري للأمة
الوسط في عصر العولمة» للدكتور عبدالعزيز برغوث.
(2) في ظلال القرآن، سيد قطب، ج4، ص2446.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً