اليقين ثبات.. في زمن الأزمات

اليقين ثبات.. في زمن الأزمات

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وبعد، فهذه وقفات مهمة حول موضوع «اليقين ثبات.. في زمن الأزمات»؛ وهي كلمات وتذكير للمسلمين للاعتناء بهذه العبادة العظيمة وعدم الغفلة عنها، والله المستعان.

الوقفة الأولى: اليقين في الشريعة الإسلامية:

اليقين هو طمأنينة القلب واستقرار العلم فيه، وهو من شروط «لا إله إلا الله»؛ فلا تُقبل الشهادتان إلا باليقين بهما، فالشك والارتياب ينافيان الإيمان، قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا) (الحجرات: 15)، وعندما امتدح الله المؤمنين في سورة «البقرة» باليقين قال بعدها: (أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (البقرة: 5).

وهو أساس الإيمان؛ قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: «اليقين هو الإيمان كله»، وقال ابن القيم عن اليقين: «هو من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد»، وقال: «هو مادة جميع المقامات وهو الحامل لها»، فاليقين يحمل المسلم على الخوف والمحبة والتوكل والشكر وغيرها، وباليقين تنافس المتنافسون، وإليه شمر العاملون، والحمد لله رب العالمين.

الوقفة الثانية: أهمية زيادة اليقين:

فما أحوج المسلم في زمن الفتن والحروب، والابتلاءات والمحن، وفي أيام الغلاء والأمراض، إلى «عبادة اليقين»! إذ يضعف بعض الناس ويضطربون مع أدنى اختبار، كما قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ) (الحج: 11).

إننا بأشد الحاجة إلى تنمية اليقين في قلوبنا والارتقاء في درجاته، ورغم أن المسلم يعلم يقيناً أن النفع والضر والمنع والعطاء بيدي الله، إلا أن التفاوت بين المسلمين يكمن في عمق هذا اليقين ومقتضى العمل به، ومن الناس من يتزعزع مع تكرار الفتن لضعف إيمانه، وقد تصل الحال ببعضهم عند النوازل العظام إلى الجزع الشديد أو الانتحار أو الردة، عياذاً بالله.

وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم عاقبة الجزع والسخط عند البلاء، فقال: «.. إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاَهُمْ فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ» (رواه الترمذي)، ومنهم الثابتون وهم المؤمنون الموقنون حقاً، الذين امتنّ الله عليهم بالثبات واليقين والرضا.

الوقفة الثالثة: سؤال الله اليقين:

الاستعانة بالله وسؤاله اليقين؛ فاليقين نور يقذفه الله في القلب فهو عطاء وهبة منه، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل ربه اليقين، فعن ابن عمر قال: قلّما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم من مجلس حتى يدعو بهؤلاء الدعوات لأصحابه: «اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا..» (صحيح، رواه الترمذي).

وكان صلى الله عليه وسلم يرغب الصحابة في سؤاله، فقال: «سلوا الله اليقين والمعافاة، فما أوتي أحد بعد اليقين خيراً من العافية» (صحيح، رواه أحمد)، لأنه يعلم أن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.  

وربما كان الكثير منا في غفلة عن هذه الأدعية مع أهميتها وثمارها المرجوة؛ فكلما شعرت بضعف أو تردد أو خوف، فارفع يديك قبل أن تبحث عن الحلول، وسل الله يقينًا يثبت به قلبك؛ بل وسل ربك ذلك في أوقات الرخاء والأمن والسلامة، فإذا أعطاك الله اليقين، هانت عليك المصائب، وصغرت أمامك الدنيا، إن القلب الذي امتلأ يقينًا لا تزلزله العواصف، ومن عرف الله حق المعرفة، وثق بوعده، وسكنت نفسه واطمأن بقضائه.

الوقفة الرابعة: وسائل وطرق زيادة اليقين:

ينبغي أن نعلم بأن المسلمين يتفاوتون في درجة يقينهم كما يتفاوتون في الإيمان؛ فيقين أبي بكر فاق الصحابة، ويقين الصحابة أعظم من غيرهم، وإنما امتازوا بيقينهم وإيمانهم عن غيرهم، كما أن يقين المسلم ليس كيقين المؤمن؛ فالمسلم عنده أصل اليقين، ثم يرتقي الصادق بالمجاهدة شيئاً فشيئاً حتى يصل إلى درجة الإيمان، ثم الإيمان الحق الذي قال الله فيه: (أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا) (الأنفال: 4)، وبين هذا وذاك درجات متفاوتة لليقين.

ويبقى السؤال المهم: كيف نزيد اليقين ونحصله في القلوب؟ والجواب عن هذا السؤال ينبغي أن يتنافس في تطبيقه المتنافسون، ويسارع إليه العاملون، وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية: كيف يحصل اليقين؟ فأجاب بأنه يحصل بثلاثة أشياء: تدبر القرآن وتدبر الآيات التي يحدثها الله في الأنفس والآفاق التي تبين أنه حق والعمل بموجب العلم.

وهذه الثلاثة من أجمل ما يُربَّى عليه القلب؛ لأنها لا تتحدث عن زيادة المعلومات، وإنما عن بناء اليقين، وهي بلا شك تحتاج إلى ترتيل القرآن وتدبره، وإلى إعمال الفكر والتأمل، وإلى مجاهدة النفس الأمارة بالسوء، ومن المهم تجنب الغفلة والكسل والغرور بالدنيا، وقبل كل ذلك ما ذكرناه آنفاً من سؤال الله والاستعانة به.

الوقفة الخامسة: تدبر القرآن هدى ونور وإيمان:

آيات القرآن تقرؤها فتزيدك معرفة بالله، وكلما ازددت معرفة بالله ازددت يقينًا به وامتلأ قلبك تعظيمًا له، وهذا ليس كلامًا نظريًا؛ خذ مثلاً سورة «الفاتحة» التي نكررها في اليوم والليلة، فيها حديث بين الخالق والعبد كما في الحديث الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يقول الله عز وجل: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله سبحانه: حمدني عبدي..» إلى آخر الحديث (رواه مسلم).

ولو تدبرت المعوذات والسور القصيرة لازددت إيمانًا، كما قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (الأنفال: 2)، والقرآن فيه القصص التي تثبت الإيمان وتقوي اليقين؛ قصص الأنبياء مع قومهم والصالحين وأحوالهم في الفتن، قصة إبراهيم، وموسى، وأيوب، وذي النون، وغيرهم، مسطورة في القرآن وهي مدارس لليقين، قال تعالى: (هَٰذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (الجاثية: 20).

من عاش مع القرآن عاش مطمئنًا، وكلما ازداد العبد تدبرًا ازداد إيمانًا، وكلما ازداد إيمانًا ازداد يقينًا.

الوقفة السادسة: إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون:

طلوع الشمس وغروبها، حركة السحاب ونزول المطر، ونمو الطفل وفراق الأحبة، كلها رسائل تقول: لهذا الكون رب حكيم، تفكر في حياتك، في نومك واستيقاظك عندما تقول: «باسمك اللهم أموت وأحيا»، وقولك: «الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور»، توقن أنك تعيش تحت رحمة أرحم الراحمين.

التفكر عبادة عظيمة، ولذلك كان إبراهيم عليه السلام يتأمل في ملكوت السماوات والأرض حتى بلغ أعلى درجات اليقين، وهكذا نبينا صلى الله عليه وسلم؛ تقول أم سلمة رضي الله عنها: «ما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيتي قط إلا رفع طرفه إلى السماء فقال: اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل عليّ» (رواه أبو داود).

والتفكر ليس مجرد تأمل عابر، بل هو مفتاح اليقين وسبيل القلوب العارفة بالله للوصول إليه، فحين تستشعر عظمة الخالق في أدق تفاصيل يومك، يتحول لسانك وقلبك إلى الانكسار بين يديه، مستصغرًا حولك وقوتك، ومستجيرًا بحفظه ولطفه في كل خطوة وسبيل.

إن من أعظم الخسران أن يمر العمر، ويقترب العبد من لقاء ربه، وقلبه بعيد عن كتاب الله، لا يأنس بتلاوته، ولا يتدبر آياته، ولا يقف عند مواعظه، كم من إنسان يفتح هاتفه عشرات المرات في اليوم، ويقضي الساعات بين الأخبار والمقاطع والرسائل، ثم تمر عليه الأيام ولم يفتح المصحف إلا قليلاً أو لا يفتحه أبداً!

إنها غفلة خطيرة؛ لأن القلب إذا انقطع عن القرآن قسا، وإذا قسا القلب ضعفت الطاعة، وهان الذنب، وابتعد عن العبادة، تذكر أن القرآن كتاب هداية وتزكية وعمل، أنزله الله ليُتدبر لا ليُهجر، وليُعمل به لا لتُزين به الرفوف، قال تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (محمد: 24)، وقال سبحانه: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا) (الفرقان: 30)، ومن أعظم الهجر أن يهجر العبد تلاوته، أو تدبره، أو العمل بأوامره ونواهيه.

فاحذر الغفلة؛ واعلم أن دقائق تقضيها كل يوم مع كتاب ربك ومولاك، تتدبر آياته، وتصلح بها قلبك، وتكثر من ذكره، وتسابق إلى العمل الصالح، هي الزاد الحقيقي ليوم تلقى فيه ربك، فالسعيد من جعل القرآن ربيع قلبه، ونور صدره، قبل أن يأتي يوم يتمنى فيه الرجعة، فيقال له: (كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا) (المؤمنون: 100).

اللهم نسألك اليقين والعافية، وأقسم لنا من اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الرابط المختصر :

كلمات دلالية

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة