تفتيت البلدان العربية لمصلحة من؟!

اليمن 2026م.. كواليس كسر موجات التمزيق واستعادة الدولة في حضرموت

ما بين 3 ديسمبر 2025 و3 يناير 2026م، شهدت الساحة اليمنية حالتين من أشد حالات التحول والتبدل في تاريخ الأزمة التي يعيشها اليمن منذ سقوط عاصمتها بيد جماعة الحوثي في سبتمبر 2014م.

تصعيد المجلس الانتقالي.. جذور الأزمة

مطلع ديسمبر 2025م، قرر المجلس الانتقالي الجنوبي التصعيد بشكل جنوني، وهو كيان سياسي مناطقي نشأ عام 2017م، يحمل قادته مشروعاً لفصل اليمن إلى دولتين، زاعمين رغبتهم في العودة بالشطر الجنوبي لحدوده التي كانت قبل إعادة الوحدة اليمنية منتصف عام 1990م.

هذا الكيان الانفصالي خليط من جماعات وشخصيات معارضة لنظام الرئيس المخلوع الراحل علي عبدالله صالح، تصدرتها شخصيات من بقايا اليسار الاشتراكي الذي حكم عدن قبل انهيار الاتحاد السوفييتي، وبعض جيوب مرتبطة تدريباً وتمويلاً بمعسكر «الضاحية الجنوبية»، وما يتصل به في مركز مشروع «الولاية الإمامية» التي وضعت اليمن نصب عينيها منذ وقت مبكر.

الانقسام السياسي ومشاريع التمزيق

حين تصاعدت الاحتجاجات الشعبية اليمنية المطالبة برحيل صالح في عام 2011م، وما أسفرت عنه من مبادرة خليجية تبنتها المملكة العربية السعودية كتسوية خروج آمن للرئيس صالح، انقسمت التيارات المرتبطة بمشروع الولاية في مساراتها، واتفقت في مبدأ مفارقتها للخيارات الشعبية الواسعة، لقد استفادوا من حالة الإرباك وارتخاء قبضة الدولة في مرحلتها الانتقالية ليذهبوا نحو خيارات مدمرة:

شمالاً: حيث اختارت جماعة الحوثي من أقصى شمال الشمال في صعدة التحول إلى دويلة موازية، خاضت عدة حروب توسعية في محيطها وصولاً إلى إسقاطها صنعاء عاصمة البلاد بقوة السلاح نهاية عام 2014م.

جنوباً: فمنذ بداية الانتفاضة الشعبية اليمنية، أصر تيار الضاحية على السير في مسالك منفصلة في بعض الأرياف والمدن، والتحشيد لخطاب ينادي بالانفصال، ويتعامل مع القوى المناهضة للنظام السابق بطريقة لا تفرق بينهم وبين من ثاروا عليه.

منذ بداية الانتفاضة أصر تيار الضاحية على السير في مسالك منفصلة والتحشيد لخطاب ينادي بالانفصال

وفي حين كان يرى اليمنيون في هذه التصرفات والانحرافات خدمات مجانية لبقايا نظام طالما زايدت هذه الأصوات على الجماهير والقوى السياسية بأنها تداهنه وتصمت عنه، فقد تبين لاحقاً أن كل ذاك الصراخ الفوضوي انتهى به المطاف في نسج تحالفات مع النظام القديم ذاته الذي كان هؤلاء يتهمون به الشعب وقواه.

«عاصفة الحزم».. الليلة التي غيَّرت المعادلة

مضت التوسعات الحوثية بطريقة مجنونة تلتهم البلاد، مستغلة حالة فراغ أغلب القوى المعنية؛ أسقطت العاصمة واتجهت نحو بقية المحافظات وصولاً إلى عدن، وعادت لتحاصر الرئيس المنتخب وتعزله في داره أسيراً بصنعاء، ظل المحيط والجوار العربي والمجتمع الدولي يستنفد كل ما لديه من رصيد دبلوماسي، لكن الجماعة مضت بكل رعونة نحو اللانهاية.

ومع كل شبر توغلت الجماعة فيه، كان صوت الممانعة والرفض يشتد أكثر وصورتها البشعة تتكشف، تشكلت مقاومات قبلية واجتماعية ومدنية ومؤسسية محدودة، كانت أقوى حالاتها المنتظمة هي في محافظة مأرب وسط البلاد شرق العاصمة صنعاء، إضافة لمقاومات في عدن وتعز جنوباً.

في عام 2015م وقع تدخُّل عسكري دعت إليه السعودية كتحالف عربي إسلامي لاستعادة الدولة اليمنية

وجاءت ليلة 26 مارس 2015م حيث وقع ما لم يكن في الحسبان؛ تدخل عسكري واسع ومسلح دعت إليه السعودية كتحالف عربي إسلامي لاستعادة الدولة اليمنية من خاطفيها.

تحالفات الأضداد وسقوط صنعاء

في صنعاء، تخلّق بوتيرة متسارعة حلف عسكري وميداني واسع، مكون من جماعة الحوثي التي اجتاحت البلاد، يشاركها فيه الرئيس المخلوع صالح، كان حلف انتقام النقيضين لا أكثر، محدداً هدفه في الانتقام من شعب ثار على أحدهما قبل ثلاثة أعوام وعلى الآخر قبل نصف قرن، ويستهدف الشقيقة الكبرى التي يرون فيها صخرة صلبة تعيق مغامراتهم العابثة، منحهم صالح قواعد حزبه وسلاح دولته وإعلامه وقبائله ونفوذه، ومنحوه الأمان المؤقت والاعتراف به.

في المقابل، في عدن التي اشتدت فيها وتيرة المقاومة الباسلة للاجتياح الهمجي، انخرطت كل فئات المجتمع في حالة تعبئة غير مسبوقة، وتشكل مجلس أهلي للمقاومة الشعبية تعاملت معه قيادة التحالف، وكان هو الكيان الأساس في عملية التحرير ثم بناء الجيش النظامي.

تشكل الكيانات الموازية والصراع الداخلي

ككل الحروب، مرت الأزمة اليمنية بحالات مد وجزر، وحين يتراجع الخطر، كانت المشاريع الخاصة تعاود بروزها على حساب المشروع الوطني الجامع في مواجهة خطر الانقلاب، ولأسباب كثيرة، وجد الشارع في الجنوب أن القيادات والشخصيات التي كان لها ارتباط سابق بمشروع ضاحية الولاية أو حتى بنظام صالح المتحالف مع الحوثيين قد تصدرت الحديث نيابة عن الشارع، وتصاعدت حركة الانفصال والاحتجاجات بعد أن صار لها سلاح وتحت سطوتها محافظات.

في منتصف مايو 2017م شهدت عدن العاصمة المؤقتة إعلان ما يسمى بـ«المجلس الانتقالي الجنوبي»

ومنتصف مايو 2017م، شهدت عدن إعلان ما يسمى بـ«المجلس الانتقالي الجنوبي»، ومطلع ديسمبر 2017م، شهدت صنعاء انفضاض تحالف الانتقام؛ إذ انتهى بمقتل الرئيس صالح على يد حليفه في معركة شوارع استمرت يومين.

تبدل المواقع.. الانتقام يتحالف مجدداً

غادر أقارب ومقربو صالح صنعاء بعد المعركة الخاطفة، ووجدوا أنفسهم مجدداً ضحايا في معركة ثأر شخصي مع مليشيات الحوثي، استقر بهم المقام في عدن والمناطق التي تخضع لنفوذ «الانتقالي الجنوبي».

كان مجرد تخيل هذا المشهد الجديد في حكم المستحيل لكنه وقع فعلاً؛ يتذكر اليمنيون أن كيان «الانتقالي» صاحب دعوة انفصال الجنوب بلغ بهم التطرف حد رفض هبوط طائرة الرئيس عبدربه منصور هادي، ورئيس حكومته أحمد عبيد بن دغر، في مطارات عدن وسقطرى، رغم كونهما جنوبيين، بمبرر شعبوي روجوا له يصنفونهما فيه أنهما كانا سابقاً قياديين في نظام المخلوع صالح!

وميدانياً، سعى «الانتقالي» قدر استطاعته للتفرد والاستحواذ على العاصمة المؤقتة عدن وما جاورها، وتموضع حليفه غرباً في مناطق كان قبل أشهر فقط يخوض فيها حرباً مع جماعة الحوثي، ظهروا ككيانات خارج سلطة الدولة تمارس مهامها وتسلبها صلاحياتها، في حين ظلت الحكومة الشرعية وحتى قيادة التحالف ممثلة بالمملكة يقدمون التنازلات والمحاولات رغبة في لملمة الصفوف نحو استكمال معركة استعادة الدولة.

التحول الرئاسي في عام 2022م

في منتصف 2022م، استضافت الرياض مشاورات يمنية موسعة، أسفرت عن صيغة جديدة وتغيير جذري في شكل مؤسسة الحكم؛ الرئيس المنتخب عبدربه منصور هادي يفوض صلاحياته إلى مجلس من رئيس و7 نواب، أحدهم رئيس «المجلس الانتقالي» عيدروس الزبيدي، ومعه أيضاً طارق صالح، نجل شقيق الرئيس الراحل.

«الانتقالي الجنوبي» صعَّد باجتياح مسلح من عدن نحو حضرموت شرقاً بمسافة تزيد على 800 كيلومتر

الكيانات الموازية صارت رسمياً في قمة هرم الرئاسة ممثلة بحصة النصف، أنتج هذا التحول هدوءاً نسبياً عاشته عدن واستقراراً خولها احتضان قيادة مجلسي القيادة والوزراء، لكنه ظل استقراراً هشاً خاضعاً للمتغيرات ومتأثراً بريح العواصف والتدخلات الإقليمية.

شهر قلب أوراق السنوات العشر

دون سابق مؤشرات ميدانية أو محلية بالغة الأهمية في الساحة اليمنية، طفا إلى السطح فجأة تشنج غير مسبوق في خطابات «الانتقالي» المنادي بانفصال الجنوب وحليفه طارق صالح الذي يفترض أن وجهته هي صنعاء.

تصعيد ميداني وعسكري وإعلامي متهور رافق وجود د. رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، في العاصمة المؤقتة عدن، وتناغم بشكل لافت موقف طارق صالح وإعلامه وخطابه السياسي المنطلق من المخا (ساحل تعز) مع هذا التصعيد.

اجتياح حضرموت وردود الفعل

انتقل «الانتقالي الجنوبي» للتصعيد الميداني، باجتياح مسلح يتحرك من عدن نحو حضرموت شرقاً بمسافة تزيد على 800 كيلومتر، الهدف المعلن كان إخراج ما تبقى من وحدات غير جنوبية في وادي وصحراء حضرموت التي لها حدود مشتركة مع المملكة، ومحافظة المهرة التي تحد المملكة وسلطنة عُمان.

مليشيات «الانتقالي» غادرت حضرموت قبل أن تكمل الشهر إثر رفض مجتمعي وعزلة لافتة

خاضت مليشياته معركة مع وحدات عسكرية في وادي حضرموت، وانسحبت البقية تجنباً للتصعيد نحو مأرب، كل ذلك فيما بقي الرئيس صامتاً في قصره الرئاسي بعدن، لم تتوقف المعركة هنا، بل مضت المليشيات القادمة من عدن نحو تصعيد مع قبائل حضرموت وكبار زعاماتها القبلية، وهاجمت في سابقة غير معهودة بيوت ومساكن الزعيم القبلي الشاب عمرو بن حبريش العليي، الذي يمتلك صفة رسمية كوكيل أول لمحافظة حضرموت ورئيس لأكبر مكونين سياسيين فيها.

غادر الرئيس العليمي وحكومته عدن نحو الرياض ليتبدد الصمت متحولاً إلى كرة لهب بحجم الحدث الكارثي، بقيت تتوسع شعلتها فيما «الانتقالي» ركب رأسه بلا تراجع.

بالنسبة لمجتمع حضرموت والمهرة، كان الزعيم الحضرمي الشاب قد وصف هذه القوات بأنها «مجاميع قبلية غازية»، ومحافظ حضرموت المعين قبل انفجار الأحداث قال بصريح العبارة: «إن حضرموت لن تقبل بالانفصال، إما نكون إقليماً فاعلاً في اليمن الكبير أو سنختار أن نكون دولة مستقلة».

الحسم السعودي واستعادة الدولة

بمجرد مغادرة رئيس مجلس القيادة الرئاسي عدن نحو الرياض، بدأت المواقف تتكشف؛ تصريحات غاضبة للحكومة اليمنية، واستجابة سعودية مواكبة، وحشد للمواقف الدولية، وتصعيد إعلامي غير معهود.

أوفدت المملكة وساطة رفيعة المستوى، بدأت بعدن للقاء قيادة الانتقالي ومحاولة مراجعتها، وانتقلت إلى مسرح المواجهات في حضرموت سعياً للاحتواء، لم تفلح جهود الوساطة كما يبدو، وأعقبها بيان عن الخارجية السعودية شرح المشكلة كما هي، قوبل بتفاعل وتأييد دولي غير مسبوق، تلاه بيان شديد اللهجة عن وزير الدفاع، هذا التدرج كان يشير إلى الدرب الذي تتجه نحوه الأحداث.

الضربة القاضية لمشروع التمزيق

تصاعدت الأزمة ببيان حكومي يمني دعا فيه الإمارات لمغادرة اليمن خلال 24 ساعة، وانعقد خلال ساعات اجتماع لمجلس وزراء المملكة ترأسه خادم الحرمين، تضمن التأكيد على ضرورة تلبية طلب الحكومة اليمنية بالمغادرة.

حِلْف الأعضاء الأربعة في مجلس القيادة أصدر بياناً شديد اللهجة يرفض مطالب رئيس المجلس والحكومة ومجلس الدفاع الوطني ويشكك في قانونيته، غير أن الحليف خذلهم خلال أقل من ساعة على بيانهم بإعلانه قرار المغادرة (بمحض إرادته)، حسب البيان.

السعودية استعادت ثقة اليمنيين بها بمختلف مكوناتهم وأعلنوا ترحيبهم بحوار تستضيفه الرياض

وبدلاً من تعقل الانتقالي ورفيقه، مضى نحو التصعيد الأحمق مهدداً بإعلان انفصال غبي، لم يكن إلا توفيراً لمبرر تحرك عسكري، وخلال أقل من 4 أيام، استعادت الحكومة الشرعية كل محافظة حضرموت (ساحلاً ووادياً وصحراء) ومحافظة المهرة، ليتمدد انتشارها نحو شبوة وأبين.

غادرت المليشيات حضرموت قبل أن تكمل الشهر، إثر رفض مجتمعي وعزلة لافتة، حاملة معها ما قدرت عليه من سلاح، وقررت عن عمد قبل رحيلها إتاحة مخازن السلاح للنهب والفراغ الأمني القاتل.

مجدداً، استعادت المملكة العربية السعودية ثقة اليمنيين بها بمختلف مكوناتهم، حتى أولئك الذين ركبوا عنادهم بعد أن ذاقوا الهزيمة، عادوا يعلنون ترحيبهم بحوار تستضيفه الرياض، وتوافدوا خلال يومين، فيما بياناتهم التي تصف الدور السعودي بالعدوان والاحتلال والغزو قد تلاشت طيلة 10 سنوات.

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة