الإقبال على الله تعالى

يبتعد المسلم عن الله تعالى إذا أَلِف معصية أو تعوّد على ذنب، ويزيده الشيطان بُعداً حين يهوّن له أمر المعصية ويثقّل عليه فعل الطاعة ويغلّق دونه طريق الإقبال على الله عز وجل.

لكن الله أودع في عبده فطرة تحنو إلى ما خُلقت عليه وهو الاستجابة لنداء الله والإقبال عليه، فإذا ساير المسلم نداء الفطرة عاد لربه راشداً، وإن نازع ما خُلقت عليه فطرته ساير الشيطان وابتعد عن طريق الجادة المرجو منه، والمقبل على الله تعالى لا بد أن يعي عدة أمور منها:

أولاً: باب العودة إلى الله مفتوح:

خلق الله الإنسان وجعل بين جنبيه نوازع الخير والشر، فمن استجاب لنوازع الخير أُجر، ومن لبّى نداء الشر وُزر؛ (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا {9} وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) (الشمس).

وما من نفس إلا وتجنح إلى الشر، وخير هذه النفوس من اعتذرت عن جرمها، واعترفت بحق الله عليها، فعادت معتذرة راغبة في الإقبال على الله تعالى، فعند الترمذي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين ‌التوابون».

فالخيرية لهذا العبد في اعترافه بذنبه عن تقصيره مع ربه، حتى وإن تتابع الذنب وتعدد، ففي البخاري، ومسلم، عن أبي هريرة، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن عبداً أصاب ذنباً، فقال: يا رب، إني أذنبت ذنباً فاغفره، فقال له ربه: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، فغفر له، ثم مكث ما شاء الله ثم أصاب ذنباً آخر، وربما قال، ثم أذنب ذنباً آخر، فقال: يا رب، إني أذنبت ذنباً آخر فاغفره لي، قال ربه: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، فغفر له، ثم مكث ما شاء الله، ثم أصاب ذنباً آخر، وربما قال، ثم أذنب ذنباً آخر فقال: يا رب، إني أذنبت ذنباً فاغفره لي، فقال ربه: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب، ويأخذ به، فقال ربه: غفرت لعبدي فليعمل ما شاء».

فالمهم في العودة إلى الله تعالى والإقبال عليه، صدق الإخلاص وقوة العزيمة، فقوله: «فليعمل ما شاء» معناه: أنه ما دام كلما أذنب ذنباً استغفر وتاب منه، ولم يعد إليه بدليل قوله: ثم أصاب ذنباً آخر فليفعل إذا كان هذا دأبه ما شاء، لأنه كلما أذنب كانت توبته واستغفاره كفارة لذنبه فلا يضره، لا أنه يذنب الذنب، فيستغفر منه بلسانه من غير إقلاع ثم يعاوده، فإن هذه توبة الكذابين(1).

ثانياً: الدنيا مزرعة للآخرة:

المسلم الحقيقي لا بد أن يعي أن وجوده في الدنيا لفعل الخيرات وترك المنهيات؛ لنيل الحسنات وإدراك النعيم بين يدي الله عز وجل يوم القيامة، أما من يتخذ الدنيا مقراً، ويبتهج بزهرتها ويتلذذ بشهواتها رغم قِصَرها وفواتها، وينشغل عن الآخرة رغم دوامها، فليعلم أنه لن يأخذ من الدنيا إلا ما قُدر له، ثم يخسر الآخرة؛ (زُيِّنَ لِلنَّاسِ ‌حُبُّ ‌الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) (آل عمران: 14).

فمثل هؤلاء أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين لهم خطر الانشغال بالدنيا عن الآخرة، فعند ابن أبي الدنيا عن أنس، أن رجلاً ذُكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فأحسنوا عليه الثناء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كيف كان ذكر صاحبكم للموت؟»، قالوا: ما كنا نسمعه يذكر الموت، قال: «فإن صاحبكم ليس هناك»، فظن القوم أن الثناء عليه ينجيه يوم القيامة، لكن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يضع كل شيء في موقعه الصحيح، فمن لم ينشغل بالآخرة فليس له نصيب من الجنة.

وقد قطع النبي صلى الله عليه وسلم طريق الادّعاء بالرغبة في دخول الجنة دون عمل لها، فقوم يرغبون في الجنة وهم منشغلون بدنياهم دون اتخاذها مزرعة للآخرة، قد بين لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن الرغبة في الحصول على الجنة يكون بالعمل لها والانشغال بها.

فعند ابن أبي الدنيا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «أكلكم يحب أن يدخل الجنة؟»، قالوا: نعم يا رسول الله؟ قال: «قصروا الأمل، وأثبتوا آجالكم بين أبصاركم، واستحيوا من الله عز وجل حق حيائه» (حديث مرسل).

وكان حامد القيصري يقول: كلنا قد أيقن الموت، وما نرى له مستعداً، وكلنا قد أيقن بالجنة وما نرى لها عاملاً، كلنا قد أيقن بالنار وما نرى لها خائفاً، فلا تفرحون؟ وما عسيتم تنتظرون؟ الموت، فهو أول وارد عليكم من أمر الله بخير أو بشر، فيا إخوتاه! سيروا إلى ربكم سيراً جميلاً(2).

ثالثاً: النظر إلى نعيم الجنة:

لو لم يكن في الجنة إلا بقاؤها، والبعد عن شقاء الدنيا وتعبها، ودوام النعيم فيها، والنظر إلى وجه الله الكريم لكفى، فقد عدد الله تعالى نعيم الجنة في آيات كثيرة في كتاب سبحانه حيث قال: (إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ {40} أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ {41} فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ {42} فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ {43} عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ {44} يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِن مَّعِينٍ {45} بَيْضَاء لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ {46} لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ {47} وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ {48} كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ) (الصافات).

هذا النعيم جعل النفوس تضحي بمهجها ابتغاء مرضاة ربها، فعن جرير بن حازم قال: سمعتُ عبدالله بن عبيدالله بن عُمير قال: بينما حلقة من قريش جُلُوس في هذا المكان من المسجد، في دُبُر الكعبة، إذ مرّ عمرو بن العاص يطوف فقال القوم: ‌هشام ‌بن ‌العاص أفضل في أنفسكم، أم أخوه عمرو بن العاص؟ فلمّا قضى عمرو طوافَه جاء إلى الحلقة فقام عليهم فقال: ما قلتم حين رأيتموني؟ فقد علمتُ أنّكم قلتم شيئًا.

فقال القوم: ذكرناك وأخاك هشامًا، فقلنا: هشام أفضل أو عمرو، فقال: على الخبير سقطتم، سأحَدّثُكم عن ذاك، إني شهدتُ أنا وهشام «اليرموك» فباتَ وبتّ نَدعو الله أن يرزقنا الشهادةَ، فلمّا أصبحنا رُزِقَها وحُرِمتُها، فهل في ذلك ما يبيّن لكم فَضْلَه عليَّ؟

أو قال: ولما كان يوم «أجنادين»، رأى من المسلمين بعض النكوصِ عن عدوّهم فألقى المِغْفَر عن وجهه وجعل يتقدّم في نَحْرِ العدوّ وهو يصيح، يا معشر المسلمين، إليَّ إليَّ، أنا هشام بن العاص، أمِن الجنّة تفرّون؟ حتى قُتِلَ، فلقد وَطِئَتْه الخيل حتى كرّ عليه عمرو فجمع لحمه فدفنه(3).

فهذا صحابي شحذ همم قوم نكصوا ومالوا إلى دنياهم، مالوا إلى نعيم منتهٍ وترْك نعيم باقٍ، فغيّر نفوسهم بكلمة واحدة ألا وهي: أمِنَ الجنة تفرون؟ فأحيا فيهم النعيم الباقي والتخلي عن النعيم الفاني، فاستجابوا لقوله، فآثروا ما يبقى على ما يفنى، وانتهت الغزوة بانتصار المسلمين.


اقرأ أيضا:

توبة قلب

الراحة في الدنيا

التوبة قبل العبادة

___________

الهوامش

(1) الترغيب والترهيب، للمنذري (4/ 91).

(2) مختصر منهاج القاصدين، ابن قدامة، ص 384.

(3) الطبقات الكبرى: ابن سعد (4/ 179).

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة