الإنصاف.. خُلُق الكبار عند الخلاف

لوحة مائية مكتوب فيها الانصاف خلق الكبار عند الخلاف، ومرسوم فيها شخصين جالسين

من أجمل مواقف الإنصاف التي حكاها لي رجل من بلاد الشام؛ أن شابًا في بلدته ذهب يخطب ابنة رجل، فقال والد الفتاة: يا بني، من أسال عنك؟ قال: اسأل من شئت إلا رجلًا واحدًا (فلانًا)، فإن بيني وبينه خصومة في المحكمة، وأخشى أن يقول في حقي سوءًا.

فإذا بوالد الفتاة يتعمد أن يذهب إلى هذا الرجل، وقال له: يا فلان، ما رأيك في فلان جاء يخطب ابنتي؟ فقال: إن بيني وبينه خصومة ولكني لا أقول فيه إلا الحق، إنه رجل شهم وكريم ولو تقدم لأحد بناتنا لقبلناه.

وعاد والد الفتاة إلى الشاب وقال: حذرتني من فلان، لكني ذهبت إليه وسألته عنك، فما قال في حقك إلا خيرًا، قال عنك كذا وكذا، فعجب الشاب من إنصاف الرجل وذهب إليه ممتنًا شاكرًا! وقال: بلغني ما قلت في حقي، وهذا من كرم أخلاقك، ووالله لا يكون بيني وبينك خصومة، هيا نتصافَ ونتصالح.

فعلى الرغم من أن الخصومة قد تغري بالظلم، كما هي عادة كثير من الناس، التي لخصها الشاعر بقوله:

وعينُ الرضا عن كل عيبٍ كليلةٌ   ولكنّ عينَ السُّخطِ تُبدي المَسَاويا

فإن من الناس من يختار كلمة الحق، ولو على النفس، ولو كان مراً، وهذا عين الإنصاف.

الإنصاف أن تقول الحق ولو لصالح خصمك، وأن تعطيه حقه المادي والمعنوي ولو كان يخالفك الرأي والمذهب والمصالح.

أدب قرآني

وقد أدبنا الله جل جلاله بذلك الأدب النبيل في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المائدة: 8).

وبالتأمل في تلك الآية الكريمة نجدها تضمنت حثًّا قويًّا على إنصاف المخالف، وذلك من وجوه عدة:

1- بدأت بالنداء لتلفت انتباه السامعين إلى أهمية ما سيتلى عليهم.

2- ناداهم بصفة الإيمان ليحفزهم ويبعثهم على الامتثال.

3- جاءت صيغة المبالغة «قوَّامين» لتؤكد ضرورة الامتثال للعدل والإنصاف على الدوام في جميع الأحوال.

4- ذكر اسم الجلالة «الله» وقدمه ليملأ القلوب رهبة؛ لأن شأن الخلاف والشنآن أنه يوغر الصدور ويدفع إلى الظلم والعدوان، فاقتضى المقام الزجر وإدخال الرهبة إلى القلوب.

5- بينت أن العدل مع المخالف يوصل إلى منزلة التقوى، ترغيبًا فيه.

6- رهبت من الظلم بتذكير العباد بالرقابة الإلهية وعلمه تعالى بدقائق أعمالهم وأحوالهم.

فلا مانع شرعاً ولا طبعاً أن يقع اختلاف بين البشر؛ مسلمين أو غير مسلمين، بيد أن المطلوب حينذاك أن يلزم الطرفان حدود الأدب؛ في إنصاف وعفة لسان وسلامة يد. 

بين الإنصاف والفجور في الخصومة

وإن الذي يحيد عن الإنصاف حين الخلاف؛ فيقول في خصمه ما ليس فيه، أو يحمله الشنآن أن يشهر بعيبه أو يفشي سره أو ينكر حقه لهو أليق بوصف النبي صلى الله عليه وسلم للمنافقين حين وصفهم بهذه الصفة الذميمة؛ فعن عبدالله بن عمرو قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» (رواه البخاري، 34).

إن الإنصاف وقت الاختلاف ينم عن نُبلٍ وقوةِ نفسٍ تلبَّست بالحق وأبت أن تؤثر سواه، نفسٍ نحَّتِ الهوى جانبًا ورضيت بالحق مركبًا ومنهجًا، وهو ما أمر به الله تعالى نبيه داود عليه السلام حين ولاه الحكم بين الناس، كما في قوله تعالى: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) (ص: 26).

عبدالله بن رواحة.. وإنصاف اليهود

وها هو عبدالله بن رواحة رضي الله عنه رغم بغضه لليهود لما ارتكبوه من آثام، فإنه يأبى أن يظلمهم في تقدير المستحق عليهم من أموال الخراج، فعن جابر قال: أفاءَ اللهُ خيبرَ عَلَى رسولِهِ صلى الله عليه وسلم فأَقَرَّهُمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وجَعَلَها بينَها وبينَهُم، فبعَثَ عبدُاللهِ بنُ رَوَاحَةَ فَخرَصَها عليهم ثم قال: يا معشرَ اليهودِ، أنتم أبغُض الناسِ إليّ، قتَلْتُمْ أنبياءَ اللهِ وكذَبْتُم على اللهِ عزَّ وجلَّ وليس يَحْمِلُنِي بُغْضِي إيَّاكُمْ على أنْ أَحِيفَ عليكم قَدْ خَرَصْتُ عشرينَ أَلْفَ وسقٍ من تمرٍ فإنْ شِئْتُمْ فلَكُمْ وإنْ أَبَيْتُمْ فَلِي فقالوا: بِهَذَا قامَتِ السماواتُ والأرضُ. (أخرجه أحمد (14996)، وأبو داود (4314)).

ألا فلينتبه الجميع؛ أفرادًا وجماعات أحزابًا ومذاهب، ألا تجعلوا من الاختلاف في الرأي ولا في المصالح سبيلاً لظلم نفس أو هضم حق أو افتراء وبهتان، فإن الله سائلكم عما تعملون؛ (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللّهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ) (آل عمران: 30).

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة