انتحار بسنت و«تأثير ورتر»!
تظل حادثة
انتحار فتاة الإسكندرية بسنت سليمان، خلال بث مباشر على الهواء، الشهر الجاري، محل
جدل وصخب كبيرين؛ لاعتبارات عدة، ليس لكونها فقط جريمة في حق نفسها، وطفلتيها
اللتين لا ذنب لهما ولا جريرة، بل لخطورة الأمر على النشء، والمجتمع ذاته.
خلال أيام من
الواقعة المشار إليها، أقدمت مصريات أخريات على الانتحار بالطريقة ذاتها على غرار بسنت،
وهو ما يعرف علميا بـ«تأثير ورتر» أو «الانتحار بالتقليد»، أي محاكاة الفعل ذاته،
بعد أن وجد المنتحر حافزاً له، خاصة مع تصدر «البلوجر» المصرية لـ«الترند»، وحصدها
موجة اهتمام شعبي وإعلامي وحكومي واسع.
مكمن الخطر أن
التعاطف مع المنتحر، وإضفاء صفة بطولية عليه، مع إطلاق دعوات للترحم عليه،
والتضامن معه، دون الدخول في جدل ديني حول مدى جواز ذلك، يعزز انتشار العدوى،
ويوفر أرضية خصبة لأي مقبل على الانتحار، وقد يمنحه شرعية للفعل، بعد أن وجد ضالته
في إيصال صوته للآخرين، والانتقام ممن تسببوا في أزماته وآلامه.
تتفاقم الخطورة،
بالاستغراق الإعلامي في نشر تفاصيل حادثة الانتحار، والتوسع في تداول مقطع الفيديو
الخاص بالواقعة، الأمر الذي يسهل عملية المحاكاة، ويقدم سيناريو حقيقي للجريمة،
ووسيلة الموت، ومدى سهولة التنفيذ، لمن يريد الإقدام على إنهاء حياته، ثم ها هو
يتصدر وسائل التواصل والإعلام!
حظر النشر
يستند قرار
السلطات المصرية بشأن حظر النشر في قضية «بسنت»، إلى خطورة تداول الواقعة
على الأمن والسلم المجتمعي، وسط مخاوف حقيقية من تفشي عدوى الانتحار، وتحفيز من
لديهم استعداد مسبق على تكرار الفعل، في حالة من غياب الوعي، أو ضعف الوازع
الديني، أو نتيجة السقوط في دوامة الإدمان، أو الوقوع فريسة للمرض النفسي، أو ربما
الهوس بالشهرة ومحاولة تصدر «الترند».
بالتأكيد، حظر
النشر له أسباب سياسية وأمنية وقانونية، لكن ذلك لا يمنع من وجود أبعاد أخلاقية
ومجتمعية؛ لحماية أفراد المجتمع، خاصة أطفاله وشبابه، من خطر الموت عمداً، لا سيما
بعد أن تحولت وسائل التواصل إلى ساحة لنشر العدوى، وتبرير جرائم الانتحار.
يقول المختصون
وعلماء النفس: إن تداول ونشر تفاصيل الانتحار، يسبب حالة من التماهي النفسي، حيث
يبدأ الشخص الذي يعاني من أزمات مالية وأسرية، أو يكابد أعراض الإدمان، أو تتسم
شخصيته بالهشاشة والضعف، أو غير ذلك من مشكلات ومحن، برؤية المنتحر كنموذج، وأنه
وجد الحل النهائي لمشكلاته بالتخلص من حياته.
في السياق ذاته،
تحذر منظمة الصحة العالمية من الإشادة بالمنتحر، وتوالي التعاطف والتضامن معه،
وتبرير فعله، وربط مصيره بالراحة الأبدية، أو الدخول إلى الجنة؛ لأن ذلك يقلل من
حاجز الردع النفسي لدى الآخرين، ويبرر الفعل ذاته للراغبين في الانتحار، ويطلق له
العنان لتنفيذ جريمته.
وفق الجمعية
الأمريكية للطب النفسي، فإن المراهقين هم الأكثر عرضة لعدوى الانتحار؛ بسبب عدم
اكتمال النضج الانفعالي، وسهولة التأثر بالنماذج التي يتم تداولها بكثافة، خاصة في
ظل الهوس التكنولوجي وتفشي ثقافة «الترند»، والخوض في مصير المنتحر الأخروي، من
قبل مستخدمي «السوشيال ميديا» بأسلوب قد يغري الآخرين باللحاق به.
تزييف الوعي
حينما نصور
لبعضنا البعض، أو بشكل أكثر دقة، حينما يبدي البعض تفهماً بأن نهاية المنتحر
مقبولة اجتماعياً ودينياً، فهذا من صور تزييف الوعي، وتضليل العقول، وخداع المريض
النفسي بأن الانتحار أفضل، وليس تلقي العلاج النفسي.
التماس الأعذار
للمنتحر، أياً كانت ظروفه، لا يحل المشكلة، ولا يقتلع جذورها، بل إنه يشجع أي
إنسان يمر بضائقة أو محنة أو يتعرض لابتلاء أو مصاب جلل، على إنهاء حياته بنفسه،
متناسياً أجر الصبر على البلاء، والرضا بقضاء الله وقدره، خيره وشره، ناهيك عن
حرمة الفعل ذاته، وقد حرمه القرآن الكريم تحريماً قاطعاً، فقال تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) (النساء:
29).
وفي السُّنة
النبوية، نهي واضح وصريح وقاطع عن الانتحار، عن جندب بن عبدالله، أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال: «كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح، فجزع، فأخذ سكيناً فحزّ بها
يده، فما رقأ الدم حتى مات، قال الله تعالى: بادرني عبدي بنفسه؛ حرّمت عليه الجنة»
(رواه البخاري).
لا تمنحوا
المأزوم أي ضوء أخضر للموت، ولا تتسامحوا مع أي محاولة للإقدام على إنهاء الحياة،
ولا تتساهلوا مع أي تداول لمقاطع ووسائل الانتحار، ولا تتعاطفوا مع رسائل
المنتحرين، وحملات التضامن معهم، فهذا مما يغذي العدوى، وينشر البلاء في بلاد
المسلمين.
لنقدم جميعاً
الدعم النفسي، والمعنوي، والمادي -حال الاستطاعة- لأي إنسان يمر بمحنة أو أزمة أو
كربة، لا تقللوا من شأن كلمة أو اتصال أو زيارة أو دعوة أو مواساة أو جبر للخواطر،
لا تتأخروا عن إغاثة المبتلى والمكروب والمحزون والمهموم والمغموم والمظلوم،
زوروهم قبل أن تنعوهم، واتصلوا بهم قبل أن ترثوهم.
ليكن شعارنا في
الحياة الدنيا، قوله عز وجل: (وَلَا
تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ
إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) (يوسف: 87).
اقرأ
أيضاً:
إشارات المرور
في تناول حالات الانتحار!
ظاهرة الانتحار
.. كيف عالجها القرآن؟
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً