انتخابات الجزائر «محلك سر».. الربع للإسلاميين وتراجع نسبي وأغلبية لمؤيدي تبون
ظلت نتائج
الانتخابات البرلمانية الجزائرية في السنوات الأخيرة تدور حول سيطرة أحزاب السلطة
المؤيدة للرئيس عبدالمجيد تبون على ثلاثة أرباع المقاعد، ومن ثم قيادة الدولة
وقراراتها، مقابل استحواذ الأحزاب الإسلامية الأربعة الرئيسة على ربع المقاعد دون
فاعلية حقيقية في التأثير في المجال السياسي العام.
لذا، جاءت نتائج
الانتخابات النيابية الأخيرة التي جرت في 2 يوليو 2026م «محلك سر» وبنفس النتائج
تقريباً، ولكن مع تراجع نسبي لتمثيل الإسلاميين في البرلمان بنسبة 5% تقريباً،
وحتى تراجع مقاعد أبرز أحزاب الموالاة، وكانت المفاجأة العزوف الشعبي بنسبة حضور
قرابة 20% فقط.
الانتخابات
أظهرت استمرار نمط سياسي يقوم على ترسيخ هيمنة أحزاب الموالاة داخل المؤسسات
المنتخبة، أكثر مما تعكس تحولاً في موازين القوى بين التيارات السياسية، فحصول
الأحزاب الداعمة للرئيس تبون على أغلبية مريحة يمنحها القدرة على التحكم في
التشريع وتشكيل هياكل البرلمان ودعم السياسات الحكومية دون الحاجة إلى تفاهمات مع
قوى المعارضة.
وفي المقابل،
أظهرت النتائج تراجع الوزن البرلماني للأحزاب الإسلامية مقارنة بانتخابات 2021م،
رغم احتفاظها بكتلة نيابية لا تزال تمثل أكبر قوة معارضة منظمة.
الربع مقابل ثلاثة أرباع
فقد أظهرت
الانتخابات نفس النتائج السابقة تقريباً مع تغيير طفيف، ففازت أحزاب الموالاة
الأربعة، وبينها حزب «البناء» الإسلامي، بـ260 مقعداً من مجموع 407 مقاعد، بنسبة
63.9%، وتصدر حزب جبهة التحرير الوطني للتشريعيات بـ90 مقعداً، وتراجع نصيب
الإسلاميين (وبينهم أيضاً حزب البناء) إلى 87 مقعداً.
كانت نتيجة
الأحزاب الإسلامية الأربعة، وهي: حركة «مجتمع السلم»، و«البناء الوطني»، و«جبهة
العدالة والتنمية» التي يقودها الشيخ عبدالله جاب الله، و«حركة النهضة»، كاشفة عن
بعض التراجع، فقد حصلت إجمالاً على 87 مقعداً من أصل 407 مقاعد؛ أي نحو 21.4% من
المقاعد، وهو ما يقل عن نتائجها في انتخابات 2021م، حين حصدت 106 مقاعد من أصل
407، بما يعادل نحو 26% من إجمالي مقاعد المجلس.
وبذلك خسرت في
الانتخابات الحالية 19 مقعدًا؛ أي ما يقارب 18% من تمثيلها البرلماني مقارنة
بالانتخابات السابقة.
وجاءت حركة
مجتمع السلم (أكبر حزب إسلامي والكتلة المعارضة الوحيدة في تركيبة البرلمان
السابق) في المرتبة الرابعة بـ43 مقعداً، مقابل 65 مقعداً كانت لها في انتخابات
2021م، وحركة البناء الوطني بـ38 مقعداً (نفس مقاعدها السابقة)، وجبهة العدالة
والتنمية 4 مقاعد، وحركة النهضة مقعدين.
والمفارقة هنا
أن حزب حركة البناء الوطني يُعد حزباً إسلامياً، لكنه في الوقت ذاته محسوب على
أحزاب الموالاة؛ لأنه يشارك في دعم الرئيس تبون؛ ما يعني أن الـ38 مقعداً الخاصة
بحركة البناء الوطني تدخل في الإحصاءين معاً؛ أي ضمن الأحزاب الإسلامية، وضمن
أحزاب الموالاة.
أما حركة مجتمع
السلم (حمس) فهي أكبر حزب إسلامي، لكنها ليست ضمن الائتلاف الحاكم، وتتموضع في
المعارضة البرلمانية، رغم مشاركتها في الحوار مع السلطة في بعض الملفات.
لم يقتصر
التراجع على الأحزاب الإسلامية فقط، فقد كشفت نتائج الانتخابات عن تحقيق تيار
الموالاة التابع للسلطة، للأغلبية المطلقة داخل المجلس الشعبي الوطني، وبقاء حزب
جبهة التحرير الوطني، في صدارة النتائج بحصوله على 90 مقعداً من أصل 407 مقاعد،
لكن نتائجه تراجعت مقارنة بعام 2021م.
وحل حزب التجمع
الوطني الديمقراطي (تيار وطني) ثانياً بـ73 مقعداً، وجاء حزب جبهة المستقبل (تيار
وطني) ثالثاً بـ59 مقعداً، وحزب البناء الوطني بـ38 مقعداً.
وباحتساب نتائج
جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي وجبهة المستقبل وحركة البناء
الوطني، إضافة إلى حزب «صوت الشعب» وهو من بين الأحزاب الداعمة لتبون في
الانتخابات الرئاسية الأخيرة، تسيطر أحزاب الأغلبية على 277 مقعداً من أصل 407.
وهو ما يمنحها
أغلبية مريحة داخل المجلس الشعبي الوطني الجديد، ويرجح استمرارها في الحكومة وفي
دعم برنامج الرئيس والتشريعات الحكومية خلال العهدة البرلمانية المقبلة.
وفازت أحزاب
التيار التقدمي الديمقراطي (ليبرالية ويسارية)، مثل «جبهة القوى الاشتراكية» بـ12 مقعداً،
و«التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» 4 مقاعد، وحزب «جيل جديد» مقعدين، ونال حزب
«العمال» 3 مقاعد، لتحتفظ هذه التشكيلات بتمثيل برلماني محدود مقارنة بالأحزاب
الموالية.
وتوزعت بقية
المقاعد على عدد من الأحزاب، أبرزها حزب «الفجر الجديد» 6 مقاعد، و«تجمع أمل
الجزائر» 3 مقاعد، فيما حصل كل من حزب «الوحدة الوطنية»، و«التنمية» على مقعدين.
لماذا تراجع الإسلاميون؟
أسباب كثيرة
تفسر هذا التراجع، منها ضعف التصويت في الانتخابات عموماً وعزوف شعبي، لتقارب
أحزاب مثل البناء الوطني مع السلطة ودعمها الرئيس تبون في انتخابات الرئاسة، على
عكس معارضة أخرى، مثل «حمس»، للرئيس، ومنها الانشقاقات والخلافات الشخصية بين
قادتها، ما فتت الأصوات بسبب تنافس أحزاب على نفس البرنامج.
وتعكس نسبة
المشاركة المتدنية التي لم تتجاوز نحو خُمس الهيئة الناخبة أزمة ثقة أوسع في
العملية الانتخابية، وفي قدرة البرلمان على إحداث تغيير ملموس في السياسات العامة،
والشكاوى من حصول تزوير عبر «تصويت الموتى».
فالعزوف الشعبي
يشير إلى أن شريحة واسعة من الناخبين لا ترى في الانتخابات أداة فعالة للتأثير في
مخرجات الحكم، وهو ما ينعكس على شرعية التمثيل السياسي، حتى وإن لم يؤثر على
التوازنات البرلمانية القائمة.
ورغم التراجع في
عدد المقاعد التي فازت بها الأحزاب الإسلامية، لا يرى مراقبون أن نتائج التيار
الإسلامي تُشكل تراجعاً سياسياً، خاصة في ظل الظروف الداخلية والإقليمية المعاكسة
للتيارات الإسلامية عموماً.
وتحدثت تقارير
جزائرية عن أن ما يجعل أحزاب التيار الإسلامي فاعلة حتى ولو تراجعت مقاعدها في
انتخابات وزادت في أخرى، تمتعها بالمرونة السياسية وقدرتها على التكيف مع النتائج
والأوضاع في مقابل الضغوط ومحاولات الاستبعاد من الساحة؛ إذ إن مقاعد الأحزاب
الإسلامية التي فازت بها تشكل كتلة معتبرة، رغم أنها أقل من أن تكون قوة حاكمة
مؤثرة في القرارات، لكنها أكدت استمرار الاستقرار النسبي في موازين القوى.
وتقول أحزاب
إسلامية: إن من أسباب تراجعها تزوير الانتخابات بأصوات الموتى، فقد اشتكى رئيس
حركة البناء الوطني عبدالقادر بن قرينة من التزوير بتصويت أشخاص متوفين في بعض
مكاتب الاقتراع وطالب بفتح تحقيق.
وأعلن تقديم
طعون إلى المحكمة الدستورية تخص النتائج في عشر ولايات، لاسترجاع المقاعد، متحدثاً
عن وجود خروق في بعض مكاتب التصويت، وتزوير في المحاضر النهائية للنتائج.
كما اشتكي رئيس
حركة مجتمع السلم عبدالعالي حساني من التزوير، مشيراً إلى أن حزبه لم يتراجع ولكن
جرى «تقزيمه» عبر التزوير، وقال: إن الطعن في نتائج عدة ولايات لها علاقة بالنتائج
النهائية.
برلمان مُنسجم مع السلطة
لم تفرز
الانتخابات خريطة سياسية جديدة بقدر ما كرست موازين القوى القائمة، إذ احتفظت
أحزاب السلطة بالأغلبية المريحة، بينما بقيت المعارضة، الإسلامية واليسارية على
السواء، بعيدة عن امتلاك كتلة قادرة على التأثير في مسار التشريع أو تغيير اتجاه
السياسات العامة؛ الأمر الذي يشير إلى استمرار المشهد السياسي الجزائري ضمن الإطار
نفسه خلال السنوات المقبلة.
ولا يرى
جزائريون أن نتائج الانتخابات ستغير شيئاً في الخريطة النيابية والتشكيل
البرلماني، إذ تسيطر كتلة الموالاة على ثلثي المقاعد، وهذا سيمنحها فرصة الهيمنة
على مكتب البرلمان والهياكل واللجان النيابية القطاعية، والتحكم في المسارات
التشريعية للقوانين والمبادرات النيابية.
ويفتح استمرار
تفوق أحزاب الموالاة الباب أمام برلمان يتوقع أن يكون أكثر انسجاماً مع السلطة
التنفيذية وأقل ميلاً إلى ممارسة الرقابة أو خوض مواجهات سياسية معها، خصوصاً في
ظل محدودية المبادرات التشريعية خلال الولاية السابقة، ووجود مخاوف لدى بعض النواب
من أن تؤثر مواقفهم السياسية على فرص ترشحهم مستقبلاً.
لذلك، يرجح أن
يتركز دور المجلس الجديد على تمرير التشريعات الحكومية أكثر من إنتاج مبادرات
مستقلة أو ممارسة رقابة فاعلة على أداء السلطة التنفيذية.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً