انتزاع النهضة من عجز الانتظار إلى استحقاق الاقتدار
نحو رؤية فكرية،
وشرعية، وتاريخية في صناعة الحضارة، يأتي هذا المقال لإصلاح بوصلة المسلم وجدولة
قدراته مهما كانت؛ لتحقيق آماله نحو النهضة، وعدم تعليقها على انتصار طرف أو
هزيمته في نزاعات أعدائنا!
مفهوم الانتزاع الحضاري
النهضة ليست حالة سكونية تمنح للمنتظرين، ولا هي ثمرة يانعة تسقط صدفة في أحضان العاجزين، إنها استحقاقٌ أخلاقي ومادي، لا يُنال إلا بالانتزاع من مخالب التحديات، والفرق بين الأمم الحية والأمم الهامشية يكمن في كلمة واحدة هي «العمل»؛ لذا كان حض الله تعالى عليه ملياً في القرآن الكريم: (وَقُلِ ٱعۡمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ) (التوبة: 105)، فبينما تكتفي الشعوب المستهلكة بأماني انتظار العيش على حطام الآخرين، وهزائم أحد المتنازعين، تنهض الشعوب الفاعلة لتصنع ركيزتها الخاصة من عَرَق أبنائها وفكر علمائها.
التأصيل الشرعي لفقه الحركة والتمكين
ربطَ الإسلامُ
بين «الإيمان» و «العمل الصالح» ربطاً وثيقا، معتبراً أن الاستحقاق في الأرض
والآخرة معلق بالمعونة الربانية ومشروط بالجهد البشري -وإن قل- وفي نقاط واضحة
نبينها:
1- السعي له
قانون نص عليه قول الله تعالى: (وَأَن
لَّيۡسَ لِلۡإِنسَٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ) (النجم: 39)، وهذه الآية تنسف
عقلية الحظ أو الصدفة؛ فالحصاد بقدر الزرع، والنهضة بقدر السعي؛ (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم
مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ
تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ) (الأنفال: 60)، إن اللهج بدعاء: اللهم أهلك الظالمين بالظالمين، لا
مكانه له مع الاستسلام والقعود.
2- وضعت آية
كريمة شرط التغيير: (إِنَّ ٱللَّهَ
لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ) (الرعد: 11)،
وجعلت المسؤولية الكاملة على عاتق الإنسان؛ وأن الخروج من التخلف يبدأ بانتزاع
الوهن من النفوس، عبر هندسة التغييرُ الداخليُّ للنفس، والبدء بترميم القناعات
الشخصية عبر استبدال عقلية الحظُّ بعقلية السعيُ، والالتزام بورد يومي من
التعلُّمِ لانتزاع الجهل، عملا بمبدأ أن النهضة تبدأ من تغيير ما بالأنفس أولا،
وتحويل العمل اليومي، مهما كان بسيطا، إلى فعل تعبُّديٍّ، لا يُقبل في هذه الخارطة
العمل الناقص، فكل ثغرة في الإتقان هي استمرار في العيش الهوان.
3- السيادة
بالعمل: في الحديث الشريف، قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى»، والنهضة هي تحول الأمة
من «يد سفلى» تنتظر معونات الصُدَف، إلى «يد عليا» تنتزع ريادتها بعملها وإتقانها.
النهضة بين الصدفة والاستحقاق
الركيزة الأولى
للنهضة إدراك كونها فعل إرادي، يقوم على رفض الاتكال أو على انتظار انهيار
الآخرين، كما ترفض التبعية، فالنهضة الحقيقية هي التي تُستنبت في تربة الأوطان،
وتُصاغ بالحفاظ على هوية وذاتية الإنسان.
والركيزة
الثانية للنهضة: الانتزاع كفعل قوة، فالعالم لا يمنح للضعفاء مكاناً؛ والاستحقاق
يُنتزع انتزاعاً عبر تخطيط استراتيجي، وتعليم نوعي، وانضباط جمعي، لا ما كان فيه
للصدفة، فالصدفة لا تبني نظاماً، والانتظار لا يحرر وطناً.
الأمة المسلمة من الهوة إلى القمة
السجل الذي لا
يحابي أحداً هو التاريخ، وقد أثبت أن الإرادة أقوى من الانكسار، وأن الأمة لم تنهض
بالأماني وحدها، بل بالكد والصبر وانتزاع المعرفة الإنسانية، ثم صهرها في بوتقة
العقل المسلم، فانتقلت من الهوة الساحقة إلى القمة الساحقة، وفي التاريخ شواهد على
سنة النهوض في الأمة الإسلامية، فمنذ اللحظات الأولى لقيام الدولة الإسلامية، تجلت
سُنَّةٌ إلهية عجيبة في تاريخ هذه الأمة، وهي أن الضعف الشديد والانكسار لا يعنيان
النهاية، بل قد يكونان مقدمة لنهوض أعظم.
نماذج للنهوض بعد الانكسار
1- لعل أبلغ
مثال على ذلك غزوة الخندق في شوال من السنة الخامسة للهجرة، حين اجتمع الأحزاب على
المدينة ليستأصلوا الدولة الفتية، وبلغ الخوف بالمسلمين مبلغاً عظيماً حتى وصفه
القرآن بقوله: (إِذۡ
جَآءُوكُم مِّن فَوۡقِكُمۡ وَمِنۡ أَسۡفَلَ مِنكُمۡ وَإِذۡ زَاغَتِ ٱلۡأَبۡصَٰرُ
وَبَلَغَتِ ٱلۡقُلُوبُ ٱلۡحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَا۠) (الأحزاب:
10)، لقد كانت الأمة تواجه خطر فناء حقيقي، لكن الإيمان بالله، والقيادة
النبوية الحكيمة، والأخذ بمشورة سلمان الفارسي في حفر الخندق، كلها عوامل حولت هذا
الخوف إلى أمان، وردت الأحزاب خائبين.
2- وبالمثل، بعد
وفاة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مباشرة، واجهت الأمة خطر الردة
الذي مزَّق الجزيرة العربية وكاد يقضي على الدولة في مهدها، لكن أبا بكر الصديق رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ قادها بحزم وإيمان من هذا الخطر المحدق إلى توحيد الصف وإخضاع
المرتدين، لتنطلق بعدها الفتوحات الكبرى.
3- ومع اتساع
رقعة الدولة الإسلامية، لم تختفِ سنة التناوب بين الضعف والقوة، في القرن السابع
الهجري، اجتاح المغول العالم الإسلامي وأسقطوا الخلافة في بغداد (سنة 656هـ)
فقتلوا الملايين وفي بغداد وحدها قتلوا اثنين مليون، ودمروا الحضارة، ووصلت الأمة
إلى حالةٍ من الانكسار والضعف لم تشهد لها مثيلاً، لقد كانت هذه هي «الُهوَّة»
الأعمق في تاريخ المسلمين، ولكن ما لبثت الأمة أن نهضت من تحت الرماد؛ فجاء قطز (ت
658هـ)، والظاهر بيبرس (ت 676هـ) ليقودا جيشاً إسلامياً يحقق نصراً ساحقاً في «عين
جالوت» (658هـ) أعاد للأمة روحها وهيبتها، ولم يقف الأمر عند صد الغزاة، بل
استطاعت الحضارة الإسلامية بعد عقود أن تحول المغول أنفسهم إلى مسلمين، في حالة
انتصار نوعي قلَّ أن يتكرر، فأصبحوا جزءاً من المسلمين يدافعون عن حوزة الدين.
إنه مشهد فريد
في التاريخ، يثبت أن قوة العقيدة وقدرة الحضارة على الاستيعاب يمكنها تحويل ألد
الأعداء إلى أعز الأبناء.
4- وتمثل
انطلاقة الدولة العثمانية مثالاً آخر على هذا الصعود من القاع إلى القمة، فبعد
سقوط بغداد، وانهيار الخلافة العباسية، كانت الأناضول مفككة ومهددة من المغول
والبيزنطيين، ثم انبثقت إمارة صغيرة على الحدود، لكنها حملت روح الجهاد والإيمان
والعدل، واستطاعت أن تبني إمبراطورية عظيمة حمَت العالم الإسلامي من الأخطار
المحدقة به، وأعادت توحيده تحت راية خلافة واحدة استمرت لأكثر من ستة قرون.
هذه الشواهد
التاريخية تؤكد أن سُنة التداول بين الهبوط والصعود هي سنة كونية في حياة الأمم،
وأن عوامل النهوض متجددة: الإيمان، والوحدة، والعدل، والأخذ بالأسباب، هي خريطة
طريق تُستخلص من الماضي، ليستلهم منها الحاضر كيف يمكن لهذه الأمة أن تنهض من
جديد.
إن غابت
المؤسسات وخَفَتَ صوت الإرادات السياسية، يبقى للفرد في ميدان الحياة صوتٌ لا
يَخْفَت، وعملٌ لا يقف على إذن أو ترخيص، إنها لحظات الاجتهاد الفردي الخالص، حيث
يُنجز كل واحد ما يستطيع في موقعه، فما فَقَدَ امرؤ عملا يَصْلُحُ له، ولا تخلو
ساحته من واجب ينتظره، ولا ميدانه من حاجة تَلحُّ عليه، وإن غاية كل ذلك ألا يخلوَ
سجل أمةٍ من بصمةِ فرد منها، وأن يظل عطاء الواحد شاهدا على حيوية الضمير، وحري
بالمرء ألا يُقدِمَ على عمل إلا وقد استوفى فيه حق الإتقان والواجب، حتى يبقى
ميزان عمله راجحا بالعطاء، مملوءا بالثمرة.
كيف ننتزع النهضة اليوم؟
1- لتحويل هذا
المفهوم إلى واقع، يجب الانتقال من عقلية الأماني إلى عقلية العمل لاستحقاق العطاء
الرباني بالتمكين، فإن الله لا يُعطي على الأماني والكسل، قال تعالى: (وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا
لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ) (العنكبوت:
69).
2- وتجديد الوعي
نحو الإتقان كفعل عبادة: لقوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إنَّ
اللهَ يحبُّ إذا عمل أحدُكم عملاً أن يُتقنَه» [رواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط)
لنؤمن أن النهضة قرارٌ لا صدفة، وأنها استحقاقٌ لمن يبذل ثمنها، وليست أماني
ينتظرها العاجزون، ومن أراد السيادة فعليه بالريادة، فالتاريخ لا يفتح أبوابه
للمتفرجين، بل لأولئك الذين يطرقون أبوابه بمطارق العمل والإرادة.
3- توطين
المعرفة بدلاً من استهلاك التكنولوجيا، والاستفادة منها بدلا من كونها أداة إلهاء.
4- المبادرة
الفردية فالنهضة تبدأ من كل عمل فرد في مجاله، فالمجتمع النهضوي هو مجموع أفراد
مستحقين.
5- انشقاق الصف
بين أهل السُّنُّة، وتحويل السياسة إلى ميزان عقدي، والعلم بأن إيران ليست ناصرة
للمقاومة، بل مشروعها قائم على الشرك، والطعن بالصحابة -رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ-
ونشر الطائفية، والتوسع بالنفوذ على حساب دماء المسلمين، والموالاة تكون على
التوحيد لا على العداوة المشتركة، والتوازن بيد الله وحده، والثبات في العقيدة لا
في التحالفات.
6- وضرورة الوعي
بأن النهضةَ لا تُبنى بتحالفات الضرورة التي تَمَسُ جوهر العقيدةِ، والتمييز بوضوح
بين العدو المشترك وبين المشاريع الطائفية التي تخدش الثوابت وتهدم الذات،
فالسيادة نقاءُ مُنْطَلقٍ وثباتُ مبدأ، لا تلوّنُ من أجل مصلحة عابرة.
7- وهذا كله مُناطٌ بالاستطاعة ومُقتَرِن بالجهد؛ فليبحث كل منا عن دوره والقيام بواجبه، فلا يغيب الواجب عن ساحة أحد، ولا يخلو ميزان امرئ من ثمرة عمله، مهما تخلت المؤسسات أو تقاعست الإرادات.
اقرأ
أيضاً:
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً